ثلاث قصائد

art

صالح مهدي محمد

خرجنا من الحرب أحياءً… ولكن!

خرجنا من الحرب أحياءً،

ولكننا نسينا نبضنا

 

في ملاجئ الخوف،

تركنا أسماءنا مكتوبة

على جدران هدّها الغبار،

ومضينا نجر أجسادنا

كحقائب فارغة

لم يعد فيها سوى

 

صدى الانفجارات.

خرجنا أحياءً،

والموتى يسيرون معنا في الطرقات،

يتقاسمون معنا الرغيف البارد،

وينظرون إلينا من مرايا المغاسل.

كلما حاولنا أن نبتسم،

تعثرت الشفاه بشظية ذكرى،

وكلما حاولنا النوم،

أيقظتنا صرخة جار قديم،

كان يطلب الماء… قبل أن يصبح ركاماً.

ما زالت أصابعنا ترتجف

كلما أغلقنا الباب،

ليس خوفاً من اللصوص،

بل لأننا نسينا كيف نأمن لسقف لا يقع.

تعلمنا كيف ننجو،

ولكن…

لم يعلّمنا أحد كيف نعيش بعد النجاة.

خرجنا من المقبرة الكبيرة،

لنكتشف أن الحياة ليست مجرد شهيق وزفير،

بل هي هذا الفراغ الهائل

الذي يعيش فينا،

هذا الشرخُ الذي في أرواحنا،

حيث نمشي بين الناس كالتماثيل،

نتنفس باروداً قديماً،

ونبحث عن أنفسنا… فلا نجد إلا مَنْ خرجوا.

نحن لسنا أمواتاً، ولسنا أحياءً،

نحن العالقون في المسافة الضيقة

بين قذيفتين،

الناجون الذين تمنّوا، في لحظة صمت قاسية،

لو أنهم ماتوا هناك…

دفعة واحدة،

بدلاً من هذا الذوبان البطيء،

على أرصفة لا تعرف خطانا.

*

أحبكِ كما لو أني أنسى

 

أحبكِ

كما لو أن الذاكرةَ

بابٌ يُتركُ نصفَ مفتوح،

يدخلُ منه الضوءُ قليلًا

ويخرجُ منه كلُّ ما يثقل القلب.

أحبكِ

لا لأنكِ تبقين،

بل لأنكِ تمرّين

كفكرةٍ تلمسُني

ثم تختفي

وتجعلُني أبحثُ عني بعدها.

أحبكِ

كما لو أني أنسى

اسمي في فمكِ،

وأتعلّمُ نطقَه من جديد

كلما ناديتِني

بصوتٍ يشبهُ البداية.

أنساكِ قليلًا

كي أراكِ أكثر،

كي لا تتحوّلي

إلى عادةٍ يومية،

أفتحُها كل صباح

ولا أنتبه.

أحبكِ

كما لو أن الغيابَ

حيلةٌ صغيرة،

أخبّئكِ فيها

حتى لا يراكِ أحد،

حتى أنا.

حين أقتربُ منكِ

أتركُ بعضي بعيدًا،

كي لا أزدحمَ بكِ،

كي يبقى في المسافة

متّسعٌ للدهشة.

أحبكِ

كما لو أني أتعثّرُ بكِ،

لا أنتبهُ إلى حضوركِ

إلا حين يختلُّ توازني،

فأعرفُ أن الأرض

كانت تميلُ نحوكِ.

أنسى تفاصيلكِ

لا لأنني فقدتُها،

بل لأنني أريدُها

أن تعودَ طازجةً،

كأنها تحدثُ الآن

للمرّة الأولى.

أحبكِ

كما لو أن النهايةَ

ليست شرطًا،

وكأن الطريقَ

يكفي

ليكون كلّ هذا المعنى.

وفي كل مرةٍ

أقول: أحبكِ،

أشعرُ أن الكلمةَ

تتعلّمُ نفسها

على لساني،

كأنني لم أقلها من قبل.

أحبكِ

كما لو أني أنسى،

وكأن النسيانَ

ليس فقدانًا،

بل طريقةٌ أخرى

للاحتفاظ بكِ

خفيفةً…

قريبةً…

وبلا حدود.

*

من رحم الغياب

خلعتُ إهاب الصدى،

أرتدي..

سدفة لا تفسرها المرايا.

في صدري

تطحن المدارات

هباء مقدسا،

لا ينحني لريح،

ولا يسجد لفكرة.

انكسار النسق

أنا الآن

أقايض الشهيق برهق الضوء،

أزرع في حنجرة الأرض

رعاف القصائد،

كي ينمو..

صمت له رائحة البدء.

الحروف

ليست أرائك للراحة،

بل هي مناجل قلق،

تحصد ما تبقى من..

ترهل المعنى.

سيولة العدم

خطاي..

ندوب على جلد الوقت،

كلما تعثرت بمجاز،

سالت مني

عصارة الوجد العتيق.

لا جهات

تحتكرني،

أنا شظية هاربة،

من قبضة المألوف،

أعيد ترتيب الخراب..

كأنه محراب من زبد.

العالم

أحجية غارقة،

بينما أنا..

أمشط شعر المسافات

بمغزل الذهول.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع