عبدالله السلايمة
تقوم قصة «عيناها أجمل مكان للحزن» لـ محمد الفخراني على بناء تخييلي يتجاوز حدود الحكاية التقليدية؛ إذ لا تُقدَّم فيها الأحداث بوصفها تسلسلًا دراميًا قائمًا على العقدة والحل، بل تتشكل كفضاء رمزي تنصهر فيه الكيانات المجردة مع الداخل الإنساني. فمنذ الجملة الأولى: «طلب منها الحزن أن يسكن عينيها لبعض الوقت»، يتأسس عالم سردي مختلف، يُعامل المشاعر لا بوصفها حالات، بل شخصيات تمتلك الرغبة والتفاوض والقرار.
هذه الجملة الافتتاحية تكشف منذ البدء طبيعة الاشتغال المجازي في النص؛ فالعين تتحول من عضو للرؤية إلى حيّز مكاني قابل للإقامة، والحزن من شعور عابر إلى كائن له حاجاته الخاصة، يحمل حقيبة، ويبحث عن مأوى. وتزداد هذه المفارقة ترسخًا حين يقول السارد: «فتح الحزن حقيبة أغراضه الشخصية، ووزع أشياءه البسيطة في عينيها بلطف». هنا يبلغ التشخيص ذروته؛ إذ يُمنح المجرد ملمسًا حميميًا، فتتجاور الغرابة والألفة في آن.
ويعيد النص تشكيل العلاقة بين الإنسان ومشاعره عبر قلب المعادلة التقليدية. فبدل أن يكون الحزن انفعالًا تملكه الذات، يصبح ذاتًا تقيم داخلها. وحين يقول الحزن: «أنا والسعادة بالقدر نفسه من الجمال، الفارق يحدث عندما يجد أحدنا مكانًا مناسبًا له، ولا يجد الآخر هذا المكان»، يفتح النص أفقًا فلسفيًا يتجاوز الثنائية المألوفة بين الحزن والسعادة. فالحزن هنا ليس نقيضًا للحياة، بل أحد تجلياتها الجمالية حين يجد موضعه الصحيح.
في هذا السياق، تتأسس الشخصيات المجردة الأخرى – الحب، النور، الظلام، الصدق، الكذب- بوصفها عناصر بنائية داخل العالم السردي. ليست استعارات عابرة، بل مجتمع كامل للمشاعر والقيم. ويشير النص إلى ذلك بوضوح حين يقول: «عندما قدمها الحزن لأصدقائه حب، ونور، وظلام، وصدق، وكذب.»
هذا التقديم لا يأتي بوصفه تزيينًا لغويًا، بل تأسيس لعالم موازٍ، تتعايش فيه القيم المتعارضة دون صدام حتمي، بل وفق شبكة من العلاقات الإنسانية المعقدة.
ومن أجمل ما يفعله النص أنه لا يجعل المكان إطارًا خارجيًا للأحداث، بل امتدادا للحالة النفسية. فالعين هي المركز الدلالي، لكنها ليست المكان الوحيد. الشُرفة مثلًا تتحول إلى فضاء تأمل ومشاركة صامتة. يقول السارد: «فتبتسم وتدعوه ليجلس معها في شرفتها ذات الإضاءة الهادئة.»
هذه الشرفة ليست موقعًا واقعيًا بقدر ما هي منطقة وسطى بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، وبين الحزن وصاحبته. لذلك تتكرر بوصفها موضعًا للحميمية الهادئة، حيث تنشأ العلاقة وتتعمق.
أما النهر، فيرتبط بالذاكرة والجسد والجمال الحِسّي. حين يعترف الحزن بعاطفته، يقول: «كنت أنتظرك في كل مرة تأتي فيها إلى النهر وتخلع ملابسها وتنزله.»، ثم يضيف: «أجمل مياه النهر كانت لأجلك، وأجمل رائحة كانت لأجلك.»
هنا يتداخل الحسي بالمجازي، ويصبح الماء والرائحة امتدادًا للعاطفة غير المعلنة. ليس النهر مكانًا فحسب، بل ذاكرة للرغبة وللعناية الخفية.
زمنيًا، تتخلى القصة عن الخطية لصالح الزمن النفسي. الاتفاق الأول على خمسة أيام يتلاشى تدريجيًا دون لحظة فاصلة. تقول الشخصية: «كانت قد نسيت الاتفاق في اليوم الخامس.»
هذا النسيان ليس تفصيلًا عابرًا، بل آلية سردية دقيقة؛ إذ تتحول المدة المحددة إلى إقامة مفتوحة، ويذوب الزمن في التآلف. الزمن هنا لا يقاس بالعدّ، بل بدرجة الألفة التي تجعل النهاية غير ضرورية.
وتكشف اللغة السردية عن طبيعة هذا العالم؛ فهي لغة متدفقة، طويلة النفس، أقرب إلى النثر الشعري. التكرار يؤدي دورًا بنائيًا لا إيقاعيًا فقط. العبارة المركزية: «الحزن نائم في عينيك» تتكرر بوصفها لازمة تُعيد تثبيت مركز النص. لكنها في كل مرة تُقال، تضيف طبقة جديدة من المعنى: افتتان الآخرين، اعتراف البطلة، ثم تحول العبارة إلى جملة محببة لروحها: «صارت الجملة الأحب إلى قلبها: الحزن نائم في عينيك.»
ومن اللافت أن النص لا يبني علاقاته على التضاد الصارم. السعادة ليست خصمًا للحزن؛ بل شخصية موجودة في الدائرة نفسها. تقول الراوية: «تعرفت إلى صديقته سعادة.»
هذا الاختيار يكسر التصور الأخلاقي التقليدي للمشاعر، ويجعلها كيانات متجاورة، لكل منها منطقه الخاص. حتى الكذب يمنح مساحة إنسانية حين تقول: «أعجبتها قصة الحب بين كذب ومتعة». فالقيم هنا لا تُصنّف أخلاقيًا بقدر ما تُرى ضمن شبكة الوجود الإنساني المعقد.
وتبلغ القصة ذروتها في التحول الهادئ للعلاقة بين الحزن والمرأة. فلا يوجد اعتراف مباشر بالحب في صيغة مألوفة، بل اعتراف يتسلل عبر الألفة. يقول الحزن: «لم أكن قد وجدت عينيك بعد.»
الجملة تأتي جوابًا لسؤال: ممّ كنت أهرب؟ لكنها تتحول إلى ذروة عاطفية وفلسفية؛ فالعثور على الآخر يصبح اكتشافًا للموضع الوجودي، لا مجرد لقاء.
ورغم هذا التماسك الجمالي، يختار النص عمدًا تخفيف التوتر الدرامي لصالح التأمل. فالحزن ليس قاسيًا أو جارحًا، بل كائن رقيق. تقول البطلة: «أخبرته أن يربت صدرها في انفعالاتها الشديدة.»
هذه اللمسة الجسدية الصغيرة تلخص طبيعة العلاقة كلها: الحزن ليس قوة هدم، بل رفقة حانية. ومن هنا تأتي خصوصية النص؛ إذ يعيد تعريف الحزن بوصفه شكلًا من أشكال العناية.
وفي النهاية، تنغلق الدائرة على تبادل ضمني للانتماء:
«خمنت أن الحزن يفكر في أنه سيعيش كل حياته في عينيها. وخمن الحزن أنها تفكر في أن مثلما عيناها أجمل مكان للحزن، فإن الحزن أجمل مكان لعينيها.»
هذه الخاتمة لا تنهي القصة بحدث، بل بصورة. صورة تبادل الاحتواء: العين مكان للحزن، والحزن مكان للعين. وهي صورة تختزل رؤية محمد الفخراني السردية: أن المشاعر ليست ما يمر بنا، بل ما نسكنه ويسكننا.
في هذا النص، يواصل محمد الفخراني ترسيخ حضوره بوصفه أحد الأصوات السردية اللافتة في الأدب العربي المعاصر. فهو لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يبتكر مناخًا تخييليًا يجعل اللغة نفسها مكانًا للإقامة، مثلما جعل العين مكانًا للحزن. ومن خلال هذا المزج بين الشعرية والتأمل الفلسفي، يفتح للقارئ أفقًا مختلفًا لفهم الذات: ليس باعتبارها كيانًا منفردًا، بل موطنًا تتجاور فيه كل الكائنات التي نسميها مشاعر.
اقرأ أيضاً:
«عيناها أجمل مكان للحزن» لـ محمد الفخراني









