سهيلة رمضان
منذ الصفحات الأولى انضمّ عالم “حائكات الأزل” لبسمة الخطيب إلى عوالمي المفضّلة من السينما، كبنات وسط البلد، وفي شقة مصر الجديدة، وكلها أعمال لا تُشاهد مرّة واحدة فقط، كهذه الرواية التي لم أكتفِ بقراءة صفحاتها مرّة واحدة، بل كنت أعيدها مرّة فمرّة كما يعود الربيع إلى واديها وتعود بطلتها الغامضة من المجهول لتختفي فيه.
«حائكات الأزل» الصادرة حديثاً عن دار الآداب، نصّ متجاوز حدود الزمان، ممتدّ من تخوم الأسطورة إلى تخوم الواقع المعاصر، فيه تتشابك خيوط الحكاية في نسيجٍ محكمٍ يزاوج بين الذاكرة والوجود، ويُشيِّد عالمًا تتجاور فيه الأزمنة كما تتجاور الغُرَز على نولٍ واحد.
بنية السرد: نسيجان يلتقيان
تفتتح الرواية خطابها السردي بصيغةٍ أقرب إلى جوقة المسرح الإغريقي، حيث تتعالى أصوات النساء في تناغمٍ جمعيٍّ يُعلن أن الحكاية سبيلُ نجاةٍ وإصلاح. ومن هذا الاستهلال تنبثق سلالةٌ أنثويةٌ تمتد من «تانيس» الأسطورية إلى «ندى» المعاصرة، لتغدو الحكاية مسارًا لاكتشاف الذات الجمعية للنساء، واستعادة ما طُمِس من تاريخهن.
تقوم الرواية على خطّين سرديّين متوازيين، يبدوان في البدء متباعدين، ثم لا يلبثان أن يلتئما في ختام العمل كما تلتئم خيوط النسيج:
-خطّ الحاضر (حكاية ندى): تُفتتح الحكاية مع «ندى» التي ترزح تحت وطأة الفقد والعزلة إثر رحيل أمها «أميرة»، في زمنٍ مثقل بوباءٍ عام. غير أنّ ظهور امرأةٍ غامضة تطالب بأمانةٍ منسوجة كانت مودعة لدى الأم، يدفع ندى إلى نبش ماضيها، واستعادة تاريخ عائلتها وواديها.
-خطّ الماضي (حكاية تانيس): يعود السرد إلى زمنٍ أسطوريّ، حيث «تانيس» ابنة الإلهة، التي آثرت الصمت واتّخذته درعًا، فعاشت في «قصر الهجران» وتعلّمت الحياكة وسيلةً للنجاة، ولتدوين ما لا يُقال بلغةٍ لا تخضع لسلطان الذكور.
المكان والجغرافيا الرمزية
الجغرافيا الرمزية: الصدع رحم والقصر ألم
تنتظم وقائع الرواية فوق تخوم الصدع الجيولوجي العظيم، حيث تتجاور الزلازل والبراكين مع سكون الظاهر. ويغدو هذا الصدع في المتن السردي معادلًا رمزيًّا لرحم الأم: يحتضن ويؤلم، ينشطر ويُعيد التكوين. وفي كنفه، تمضي النساء في رتق ما تصدّع من العالم، كما يرقعن شقوق ذواتهن. تجري الأحداث على تخوم الصدع الإفريقي العظيم، ذلك الشقّ الجيولوجيّ الذي يختزن في جوفه اضطراب الأرض وحنينها، فيغدو في النص معادلًا رمزيًّا لرحم الأم: احتواءً وتشققًا وألمًا. وفي هذا الفضاء المتصدّع تنهض النساء بوظيفة الحائكات، يرمّمن ما أفسدته الطّبيعة والسلطة، كأنهن يُعدن خلق العالم من جديد.
لا ينفصل هذا التاريخ المنسوج عن الأرض التي يُنتَج فوقها؛ إذ تدور الأحداث على تخوم صدعٍ جيولوجيٍّ، في تماهٍ بين تشققات الأرض وندبات الجسد. ومن ثمّ يغدو النول أداةً لترميم مزدوج: رتقٌ لصدوع الروح، ومحاولةٌ رمزية لإعادة تماسك العالم. فالمكان، عبر فعل الحياكة، يتحوّل من فراغٍ قاحل إلى وطنٍ مأهول بالمعنى.
الحياكة واللغة والأرشيف
الحياكة: لغةٌ بديلة وسجلٌّ حيّ
تنهض الحياكة في الرواية مقام اللغة، بل تتجاوزها، إذ تُغدو أرشيفًا ماديًّا تحفظ فيه النساء تاريخهنّ المسكوت عنه. فالغرزة كلمة، والقطبة أثر، والنسيج كتابٌ مفتوح على ذاكرة الألم والرجاء. هكذا يُعاد تعريف الكتابة بوصفها فعلًا جسديًّا، تُنجزه الأيدي حين يُصادَر الصوت.
يمكن وصف المعجم اللغوي في رواية حائكات الأزل على انّه “لغةٌ تنسج ذاتها”، حيث تعمد الكاتبة إلى معجمٍ ثريٍّ يتماهى مع فعل الحياكة، فتغدو الأفعال، من قبيل «حُكي» و«حيكت» و«تدثّر» و«رُتِق»، خيوطًا لغويةً تُحاكي خيوط القماش. وهكذا تتحول اللغة إلى جسدٍ محسوس، تُمارس فيه الكلمات فعل الرتق والوأد والترميم، حتى ليغدو السرد ذاته ضربًا من الغزل، تُحاك فيه المعاني كما تُحاك الأثواب.
ليس وجه القماش، في تقاليد الحياكة، سوى الصورة المصقولة التي تُعرَض للعيان، أما «القفا» فهو موضع العُقَد والتشابكات، حيث تستقرّ أسرار النسيج وأسباب تماسكه. ومن هذا المنظور تفترض الرواية أن التاريخ الحقيقيّ للنساء لم يُسطَّر في المدونات، بل حُفِظ في ثنايا المنسوجات، وفي الأمانات المتوارثة بين الأجيال. وحين أُقصيت النساء عن فضاء الحكي والكتابة، ابتدعن لغةً بديلة قوامها الخيط والغرزة، فغدت كل قطعة قماش مستودعًا للألم والرجاء، وكل أثرٍ فيها مقاومةً للنسيان.
تُحيل فكرة «إخفاء العُقَد في القفا» إلى جملة الحِيَل التي طوّرتها النساء لصون استمراريتهن في وجه القهر؛ فالرتق والوصل ليسا مجرد تقنيتين، بل استراتيجيتان للبقاء، تُخفى عبرهما الشقوق كي لا ينهار النسيج. وهكذا لا يتبدّى التاريخ بوصفه خطًّا زمنيًّا مستقيمًا، بل نسيجًا كثيفًا، يُقاس بقدرة الجسد على الاحتمال، وبما تختزنه المادة من ذاكرةٍ صامتة.
تستعيض الرواية عن شجرة النسب الأبوية بنولٍ ممتدّ عبر الأزمنة، تُنسَج عليه سلالة الحائكات من «تانيس» إلى «ندى». في هذا السياق، يغدو الرداء سجلًّا حيًّا للهوية، يحمل آثار نساءٍ تعاقبن وتوارثن الخبرة والوجع، حتى يصبح «الأثر» ذاته هو الضامن الوحيد للبقاء.
وتعيد كتابة التاريخ من منظورٍ أنثويٍّ مهمَّش، حيث لا يُحفَظ الماضي في السجلات الرسمية، بل في «ثنايا المنسوجات» و«أمانات الدايات». وهنا يغدو القماش وثيقةً حيّة، تختزن ما عجزت الكتابة السلطوية عن تدوينه، وتُجسّد مأساة الجسد الأنثوي بوصفه ساحةً للصراع والذاكرة.
تقدّم الخطيب في روايتها مقاربة متميزة للأمومة، فتستعرض أشكالًا متعددة من الأمومة، تتجاوز معناها البيولوجي إلى أبعادٍ رمزية:
• «ندى» التي لم تلد، لكنها منحت الحياة عبر الرضاعة، فصنعت أمومةً بديلة.
• «أميرة» التي مارست دور الداية، تربط المواليد بالأرض عبر طقس دفن المشيمة.
• «تانيس» التي تغدو أمًّا أولى، تُؤسّس سلالة الحائكات وتنقل إليهن إرث الصمود.
فالخيط السردي الذي يوازي “الحياكة” أهميةً هو “حبال السرّة” التي تشترك في نسج الحبكة الروائية.
رمزية الكائنات والنباتات
تغتني الرواية بشبكةٍ رمزيةٍ كثيفة:
1. فدودة القز تُجسّد التضحية القاسية، حيث تُزهق الحياة ليُستخرج الجمال.
2. والعنكبوت يرمز إلى جدلية البناء والفناء، إذ ينسج مأواه وقد يلتهم شريكه.
3. وبنت آوى تقف شاهدة صامتة على تخوم العالم البشري، حارسًا لذاكرة النساء.
4. أما النباتات (من التين والتفاح إلى التوت والهندباء) فتغدو إشاراتٍ إلى الخصوبة والبدايات، وإلى معرفةٍ بيئيةٍ متوارثة.
الصراع والسلطة والخيال
يتجلّى الصراع الذكوري على هامش الرواية لكنّه يؤثر في محور نسائها، بدايةً من غضب الكاهن من كثرة الخائنات له، مرورًا بالكلب الذي منع إحدى النساء عن الخروج إذ شمّ فيها رائحة بنت آوى، وحتى علاقة الفتى آدم بزوج ندى، حيث يتخذ شكل صراعٍ غريزيٍّ بين الأسد والشبل، في استعارةٍ تُبرز هشاشة السلطة الأبوية وقلقها من الزوال. ويتعزز هذا المعنى عبر نماذج أخرى. الصراع الذكوري لا يقع في مصير أي سلطةٌ مأزومة أخرى.
يؤدي الخيال في الرواية وظيفةً إنقاذيةً بالغة العمق، فحلم «ندى» بالشلال يشي برغبتها في التحرّر من الخيبات، وحلم «تانيس» بالبحر يعكس اتصالها بجذورها الخصيبة. الأحلام هنا إستراتيجية بقاء، تُعيد للذات توازنها في عالمٍ يضيق بها.
الحياكة والخطاب النسويّ
تتجلّى الحياكة في الرواية بوصفها:
1. لغةً موازيةً للكلام، تُدوِّن التجربة الأنثوية.
2. وسيلةً لاستعادة السلالة النسائية عبر الأمهات والجدّات.
3. أرشيفًا ماديًّا يُخزّن الذاكرة في الأشياء.
4. فعل مقاومةٍ للمحو، يضمن بقاء الأثر.
5. معرفةً جسديةً تتكوّن بالمعاناة والتجربة.
وتلتقي الرواية مع أطروحات النقد النسوي البيئي في رؤيتها للأرض على أنها كائن حيّ يتألم، وفي ربطها بين استنزاف الطبيعة وقهر المرأة. فدفن المشيمة في الوادي يُعيد وصل الجسد الأنثوي بالأرض، ودودة القز تُجسّد منطق الاستغلال، فيما يعكس التدرج من «المحوّشات» إلى «الحائكات» تراكم معرفةٍ بيئيةٍ عميقة.
ختامًا تنتهي الرواية إلى رؤيةٍ دائريةٍ للوجود، حيث يعود كل شيء إلى الأرض التي بدأ منها. ومن خلال مسارٍ يمتد من الجمع إلى الزراعة إلى الرعي فالحياكة، تتبدّى حياة النساء كدورةٍ لا تنقطع، يكون الخيط فيها هو الرابط الأوحد الذي يصون الذاكرة من التلاشي. وهكذا، تغدو «حائكات الأزل» نصًّا يُشيِّد أرشيفًا أنثويًّا مغايرًا، يُنقذ الحكاية من النسيان، ويمنحها خلودًا يليق بالأزل.
……………
*نقلاً عن أخبار الأدب











