مطابخي

poles adam

بولص آدم

  في يومها فكّرت… متى يتماثل ظفر إصبعي الأزرق للشفاء. الصيدلانية ابتسمت حين نصحتني بالعلاج. أحك العفن بخشبة صغيرة. أدهن الظفر بسائل شفاف. كل أسبوع مرتين. الجسد مذياع لا يتوقف عن البث. نشرات قصيرة: أَلمٌ هنا، وخز هناك، ورم صغير، صداع عابر.. أستمع. أدون. أؤجل. المذيع لا يرحم. يقرأ بصوت بارد: – “ورم القدم لن يزول.”، تُعاني من الثلاثي، السكر والكولسترول والضغط، ولكن “السيطرة ممكنة.”

أردّ: “لكنني أريد أكثر من السيطرة، أريد الشفاء”.

يصمت مذياع الجسد. ثم يضع فاصلة موسيقية، مثل ضربة شوكة على صحن معدني.

عمري، عالمي، منذ عام أوراق الصحف الممزقة في عمارة اللاجئين، أصوات الرجال الواقفين. الوافدين القلقين، المغادرين الحائرين. كنتُ أريد أن أقرأ، لكن الجدران ضيقة، والهواء خانق. الآن، بعد ربع قرن، ما زلتُ أهرب من القراءة في الأماكن المغلقة.

هل أطيافنا تحفظ ذاكرة اللغو أمام شبابيك الاستعلامات هناك مثلما تحفظ رائحة التخمينات هُنا؟

القهوة تنزل ثم تتوقف. تنزل ثم تتوقف. أصبحتُ أنا والماكينة في مبارزة. كل توقف لعنة، كل تدفق نعمة. قدماي عاريتان. اليُسرى تبرد فوق بلاط المطبخ. اليُمنى، المصابة بالورم، تحترق بقطرات القهوة الساخنة التي تساقطت عليها. لم أشعر بالألم فوراً. كان كل انتباهي محصوراً في اللعنة: “امتلئي حتى آخر قطرة”.

 

لمرة واحدة دون غيرها من المرات.. في ليغنانو الإيطالية جنب البحر. ملايين الجنادب تصرخ في وقت الظهيرة. صريرها يلتف حولنا مثل بحر خفي. تساءلنا: هل سيستمر هذا طوال أيام بقائنا؟

الغابة محشوة بأصوات. الصوت هنا لا يُقاس بالديسبل. الصوت كائن يتناسل بلا توقف.

الغربة تنهض بي من ذلك البحر الثخين. أعود إلى المطبخ.

القهوة احتكرت رغبتي. لكنني أتذكر الطعم القديم: الشاي الأسود. يا أيها الإله الذي يطلق سراح نفسه من ورق يابس حين يلامسه الماء الساخن. كم كنتَ وفياً لي في الليالي العراقية الثقيلة.

أنا حصان عراقي في النمسا يجر عربة شاهقة. التلة مكدسة بالهموم. أصعد بها وأهبط. كل خطوة طقطقة في مفصل القدم، طقطقة نشرة إخبارية جديدة. هل أترك العربة؟ لكنها مربوطة إلى جلدي، إلى تاريخي، إلى الطين الذي لُعق من يدي. “بيرفيكت” كلمة هادئة، يقولها النمساويون كأنها صلاة صغيرة في الاتقان. “شايزي” كلمة قذرة، يقولونها كأنها تنفيس عن حياة خانقة. طفلي ينام في الغرفة المجاورة. أخشى أن يرث القذارة قبل أن يتمسك بالاتقان.

أدوّن في مفكرة صحية داخل جمجمتي، ثم أعيدها إلى رف النسيان. ثقتي بجسدي كانت تساوي ثقتي في قلي الباذنجان دون أن يتشرب نقطة زيت. الطبيب ابتسم بعد زرقة أبرة سيئة في مفصل القدم وقال: “آسف جداً”. خرجتُ متكئاً على إطار الباب، كأنني أحمل سيقاناً مضاعفة، وأنا أُفكّر: هل عليّ استخدام المصعد بدل الدرج؟ ومع ذلك، ما زال داخلي نسغ حياة، ورقة واحدة مؤجلة لعبور الشتاء إلى ربيع آخر.

ثمة ليلة لم ينم فيها ابني. جلستُ عند سريره أراقب عينيه المفتوحتين على الظلام. سألني: “لماذا لا نرى الله كما نرى القمر؟”. عجزتُ عن الجواب. أعدتُ البطانية فوق جسده الصغير وقلت له: “نم يا ملاكي، الله يرى بك”.

أشعر أنني أعيش على مقعد انتظار دائم. كل صباح أتهيأ لرحلة لا تبدأ. حقيبتي معبأة، تذكرة القطار مطوية في الجيب الداخلي للمعطف، والأحذية مصطفة عند الباب كجنود لا يُستدعون للمعركة. أحياناً أخرج إلى الشارع فأشعر أن الرصيف نفسه يراقبني: “لماذا لم تذهب بعد؟”.

أتذكر أول صباح لي في هذا البلد. فتحت النافذة فرأيت الأشجار مغطاة بالثلج كأنها عرائس بيضاء صامتة. كانت رائحة الخبز الساخن تصل من المخبز القريب. دخلتُ إلى طابور طويل، الناس صامتون، يضعون عملاتهم المعدنية على الطاولة ثم يأخذون خبزهم. كنتُ الوحيد الذي ابتسم للخباز، لكنه ردّ بابتسامة باردة.

في مطبخ يوناني صغير في قلب مدينة لينتز، الزيوت تفوح كما لو أنها تحاول تذكيري بالبحر الأبيض المتوسط. الزعتر والريحان يتصاعدان من القدور، يلتصقان بالجدران الباردة التي لم تعرف الشمس منذ سنوات. شعاع الضوء الخافت من النافذة يقطع الدخان، يرسم خطوطاً على بلاط أبيض متصدّع، يربط الماضي بالمكان الجديد.

أنا الطباخ واقف عند الموقد. يراقب الزيتون الأسود يغلي مع فصوص الثوم، ويحسب كل حركة كما لو كان يقرأ شريط حياته في فقاعة صغيرة من الزيت. صوت السكاكين يتناغم مع الموسيقى اليونانية الهادئة التي تبثها إذاعة محلية. كل قطعة فلفل أخضر أو باذنجان مقطع تروي حكاية غربة، وكل رشة ملح تهمس: “أنت بعيد، لكنك هنا أيضاً”.

نافذة صغيرة تطل على شارع هادئ، لم تظهر الثلوج بعد. السيارات تمر بخفة، مثل طيور غريبة تمر من عالم آخر، وكأنها تحاول ألا تزعج رائحة الزيتون. الطباخ ينقل القدور، يرش الزيتون على السلطة..  كوب القهوة الصغير على الطاولة أصبح مرايا: انعكاس الطباخ، انعكاس المدينة، انعكاس البحر الذي لم يأتِ. كل رشفة تقرّب الذكرى، وتبعد الغربة. الطباخ يضع يده على قلبه: كل شيء هنا، وكل شيء هناك، والأرض والهواء والماء والزيتون يجتمعون في حركة دائمة، مثل حياتنا التي لا تتوقف.

المطبخ يفتح فمه على شارع لينتز البارد. الزجاج متجمد قليلاً، والثلج يتجمع على العتبة كما لو كان يصر على الدخول. من الداخل، الزيتون يغلي مع الثوم والزعتر، رائحة البحر الأبيض المتوسط تحاول أن تصل إلى الشارع، لكنها تتردد في الهواء البارد. الطباخ يقف أمام الموقد، يراقب القدور بعين الكاتب والمخرج. كل فقرة من الزيت تتصاعد كجملة سينمائية، وفص ثوم يقفز في الزيت كإضاءة مفاجئة على وجه بطل الفيلم. السَّلَطة التي أعدها نص مفتوح. الطماطم مقطعة على شكل كتل صغيرة من ذكريات عراقية، البصل يشبه مشاهد من قصصه التي لم تُنشر، الزيتون… نصف دائرة منفوخة، ناقصة، رمز للمساكن والحياة والغربة. أصوات السكاكين تتناغم مع موسيقى إذاعة يونانية هادئة. كل حركة يدي الطباخ هي حركة كاميرا، كل رشة ملح هي تعديل في الضوء والظل. إنه لا يطبخ فقط، بل يكتب ويصور ويصنع حكاية مع كل طبق. الزبائن يجلسون على الطاولات، كل واحد في عالمه، لا يعرف أن خلف القدور يجلس طباخ شاعر يراقب حياته وكأنها فيلم قصير مستمر. كل شيء هنا، وكل شيء هناك، والطين والزيتون والماء يتقاطعون كما تتقاطع الشخصيات في روايته المقبلة. يلاحظ أن الضوء الصباحي على جدار المطبخ يُشكل ظل النافذة على البلاط كإطار سينمائي جاهز للتصوير. كل شيء صغير يصبح كبيراً: رشّة من الزيت، شرائح الباذنجان، حركة ساعي البريد الذي يمر من الشارع. كل حركة قابلة لأن تتحول إلى حكاية، إلى لقطة، إلى نص شعري.

يستيقظ الجسد قبل الروح. أفتح عيني على ألم في القدم. قبل أن أقول “صباح الخير”، أقول “أين العلاج؟ أين الحذاء الطبي؟”. الروح تأتي متأخرة، مثل قطار بطيء يجر عربته المتهالكة عبر الجليد.

كل ليلة أضع رأسي على الوسادة وأتوقع أن يأتيني حلم جديد. لكن الأحلام تعيد نفسها. شجرة تهتز بصمت. صوت يقول لي: “تفضل”. أستيقظ وأنا لا أعرف أن كان ذلك دعوة إلى الجلوس أم إلى الرحيل.

الطباخ واقف خلف الموقد، لكن عينيه ليست على القدور فقط. في رأسه، بغداد القديمة تتقاطع مع لينتز الباردة. شوارع المدينة تتبدل بمزاجه، الجدران تتنفس ذكريات سينمائية، كل ضوء يطرق الزجاج يتحول إلى مشهد محتمل. يسمع أصوات الزبائن، لكن كل كلمة تمر عبر مرشح داخلي: هي حوارات فيلم لم يُكتب بعد، أو فقرة قصة تنتظر الورق.

يتذكر نفسه طالب سينما في بغداد، يكتب قصصاً صغيرة عن الحواريين والليل والشهقات الخفية. الآن، بعد ثلاثين سنة في المطبخ، كل طبق يصبح مشهداً، كل رشة بهار لحن تصويري، كل صوت من الزبائن يتحول إلى موسيقى خلفية. الطباخ يبتسم لنفسه: ثلاثون سنة بين القدور لم تقتل الكاتب بداخلي، بل جعلته أكثر وضوحاً، أكثر حضوراً.

الزنجبيل يقطع الهواء، الزيتون الأسود يلمع، الرز يهمس في القدر. الطباخ يغمض عينيه للحظة، يتخيل مشهداً سينمائياً: فتاة شابة تضحك، طفل يركض بين الطاولات، والضوء ينعكس على وجهه. كل شيء جزء من نصه الداخلي، كل حركة قابلة لأن تصبح فقرة في رواية أو لقطة في فيلم.

يتذكر الموصل: السوق، الرصيف، صرخات الباعة، والنهارات الحارة. هنا في لينتز، كل شيء أبيض وبارد، لكن الذكريات تضيف اللون. الطباخ يحرك القدر ببطء، يراقب الفقاعات الصغيرة، ويقول لنفسه: “كل حركاتك وقراراتك الصغيرة هنا، كل رغبتك في الكمال… هي حكاية تستحق أن تُكتب”.

الزبائن يضحكون في الزاوية، لكنه يسمع في رأسه أصواتهم مفلترة: موسيقى، همس، ضحك، جملة شعرية محتملة. كوب القهوة على الطاولة يعكس وجهه، لكنه يراه مختلفاً: رجل يكتب في بغداد، شاب يحلم بالسينما، وطباخ في لينتز يقاتل الصمت بالذكريات والموسيقى.

الكُبة في الفرن، نصف دائرة مشدودة، لا تكمل الشكل. بالنسبة له، هي العراق، هي الماضي، هي كل قصصه المفقودة. يخرجها، يضعها على الطاولة، ينظر إليها: “هنا، في هذا الصمت والروائح، كل شيء حي، قابل للكتابة، حتى الكمون”.

يهمس الطباخ لنفسه: “كل ما أطبخه، كل ما أصنعه، ليس فقط طعاماً، بل نصوصاً، مشاهد، لحظات سينمائية… كل شيء هنا هو كتاب، كل طبق هو فيلم”.

الزائر الأول يصل عند منتصف الصباح، رجل مسن بعينين متعبتين، يجلس في الزاوية، يفتح الجريدة بصمت. الطباخ يراقبه من بعيد، يسمع صرير الصفحة، يلتقطه في ذاكرته كإيقاع قصيدة قصيرة. كل حركة منه، حتى رفع كوب الشاي، تتحول في رأسه إلى لقطة سينمائية: الضوء ينعكس على الزجاج، ظل اليد يمتد على الطاولة، الجسد ينحني بحذر. فتاة شابة تطلب ليمون، تضيف لمسة عصير الليمون كما لو كانت تعدل نصاً. الطباخ يلاحظ ترددها، ابتسامتها الخجولة، طريقة التحدث، يحوّل كل شيء إلى تفاصيل شخصية في قصة لم تُكتب بعد. الأصوات الصغيرة- حركة الملعقة في الطبق، ضحك طفل في الخلفية، طرق الباب- كلها طبقات صوتية تصنع موسيقى المكان. يسمع أيضاً الكلام المبعثر للزبائن، لكنه لا يتفاعل مباشرة. الحوارات تتحول في رأسه إلى حكايات، ربما مشاهد فيلم، ربما فقرات رواية: “الرجل في الزاوية، ماذا يفكر؟ ما سر تلك النظرة؟”، “الفتاة، هل تحب الطعام أكثر أم التفاصيل الصغيرة؟”. كل صوت يُصبح مادة، كل همس يُصبح نصاً.

بين القدور والروائح، يتحرك الطباخ ككائن مزدوج: يطبخ ويكتب في الوقت نفسه. يوزع البصل على السلطة، وكل حركة لها معنى. حتى أصوات التنظيف، خبط الملاعق على الطاولة، هدير الشفاط فوق الموقد، كلها إيقاعات تشد انتباهه، تصنع مشهداً داخلياً متكاملاً.

طفل صغير يركض بين الطاولات، ضحكته تتردد على الجدران. الطباخ يبتسم: كل حركة عفوية هي فقرة محتملة، كل همسة هي نص في روايته القادمة. الزبائن يأتون ويذهبون، لكنهم يتركون وراءهم طبقات من الأصوات والروائح والحركة التي يتحول فيها المطعم إلى ورقة فارغة، يمكن الكتابة عليها بلا توقف.

في هذه اللحظات، يعرف أنه، رغم كونه طباخاً، فهو في كل لحظة كاتب ومخرج ومصور، والزبائن، بلا علمهم، جزء من النص، جزء من الفيلم.

 

عطستُ كالعادة في سرحان الطهو. من أنفي، تطايرت ذرات فلفل أسود، تشبه بعرور تُطلقه بنادق صيد آدمية. اليوم، فاجأني نسياني لفصح مجيد، كغرفة معطوبة المصباح، كالسبانخ المحروقة في مقلاتي. غسلت مواعيد المكالمات المفترضة المقدسة في ماء العائلة، فكرت مع نفسي مثل رسالة قديمة لم أفتحها بعد. قطعت الثوم بحجم سنوات فأر يريني أسنانه، ثم البصل إلى مربعات تشبه شبابيك خاوية، وأضفت قليلاً من سمن البراءة، وحركت المغرفة الخشبية كالمجذاف الصغير هناك في المقلاة. معتقدًا أن اللون الأخضر وحده لا يكفي لمضاربي. كان السبانخ المحترق يخذلني…

آه منك، أيها الطاهي الأمهر!

قطعت لحم الدجاج وأضفته متفادياً زحام رصيف المعجون، أحاول أن أعيد خضرة السبانخ إلى الحياة، لكنني أعلم أن الأحمر من الشمندر هو الذي سينقذ الطبق من الوحدة، من الفراغ، من الصمت الذي يسكن خلف القدور.

يغمض عينيه للحظة، يسمع المدينة من نافذته، يرى بيتهم في حي المحطة الموصلي في رأسه، الصوت، الرائحة، الضجيج، الفراق والسكينة كلها تتداخل. كل هؤلاء، وكل أحاديثهم، تصبح نسيجاً داخلياً للطباخ، تتشابك مع أصوات الملاعق، وبخار القدور، وتتحول إلى نص موزاييكي طويل، حلمي وواقعي.

في مطبخ بيلا إيطاليا في لينتز، المعكرونة في القدر، الريحان يملأ الهواء، والمعكرونة تستعد لتصبح طبقاً ذا مذاق حي. النادل التشيكي يختفي في المرحاض ليقرأ الصحف الشعبية، ويعود محملاً بالنجوم الصغيرة من الأبراج، بينما يتلاشى بخار الأطباق التي أعدها الطباخ. كل شخصية هنا انعكاس لشيء أكبر: ذاكرة، فقدان، حلم، انتظار.

في مطبخ صغير في ليغنانو، الهواء أخف، الجنادب تصرّ في الحديقة، والبصل والثوم يقطّع بحرص. الطباخ يضيف الزيت، يحرك القدر، يستمع لصمت المطبخ.. صامت، ولكن مشبع بالمعاني. هنا، كل طبق هو حكاية، وكل رائحة، جملة من قصة.

يقف أمام آلة القهوة، يضغط الزر، ينتظر حتى تتجمع القطرات في الكوب. كل قطرة هي ذاكرة، كل رشفة، كل رغوة هي كلمة. بين القهوة، السبانخ، والبهارات، الماضي يلتقي الحاضر، بلاده بأوروبا، الواقع بالحلم.

 

الجرس المثبت أعلى باب الشقة يرن برنين مخيف، كإعلان تهديد من أعماق الأيام السحيقة. يشعر وكأن أحداً يترصده، بينما حامل السلم الصغير ورفاقه الملوثين ببقع الأصباغ يقفون في الممر. يحاول أن يفهم سبب حضورهم، لكنهم يبتسمون بلا سبب: كان المقصود باب جاره المغني السكير، المتوفي، الوحيد الذي ظل غامضاً، أغنية صعبة الفهم، بلغة خليطة، كان صوتها يراوده فجراً في قلب النوم، كأنه يذكره بماضي بغداد الضائع.

يتذكر بغداد: سوق العصرية، رائحة الخبز الطازج، صخب الناس، الأصوات، والجنادب في الليالي الحارة. يحلم بالجنادب التي تصرّ في الحدائق، بالصخور القديمة، بالمناظر المألوفة التي أصبحت الآن ذكريات بعيدة. كل مطبخ في أوروبا هو امتداد لذلك العالم: كل طبق نص، كل نص فيلم، كل فيلم حلم مستمر، وكل حلم حياة كاملة.

في مطبخ نمساوي آخر، الضوء خافت، الأدوات المعدنية تعكس حركة الطباخ المتأنية. كل حركة مغرفة، جملة لم تُكتب بعد. الطباخ يقطع اللحم للطبق الرئيسي، السبانخ تطفو في الزيت، يضيف الشمندر الأحمر. له طعم وذاكرة، رائحة تحمل فصلًا، حكاية.

يتذكر الطباخ أصوات الناس، أحاديثهم، قصصهم من الجزائر، العراق، باكستان، أمريكا، اليمن، مصر. تتشابك مع أصوات المطبخ، وتصبح لوحة موزاييكية شاسعة، فصل كامل من أطياف الطباخ، حيث كل مدينة، كل طبق، كل شخص، وكل ذكرى هي طبقة في الرواية الممتدة، حلمي وواقعي، غني بالتفاصيل، ممتع، ومعقد، وكأن الحياة نفسها تُروى داخل مطبخ واحد.

يوماً ما، هكذا بدأت أحلام اليقظة: مغادرة لينتز، رحلة مطوّلة عبر مطابخ العالم… أرى نفسي خلف المقالي، الأواني، والأطباق المتناثرة على الطاولات، أضيف لمساتي وأراقب الزبائن، كل واحد منهم يحمل نصاً، كل حركة تهمس بأحداث محتملة.

في مطبخ يوناني على ساحل أثينا، الزيتون يغلي مع الأعشاب البحرية، والجبن الأبيض يتفتت فوق الخضار. رائحة الريحان تهب من القدور، تتخلل شعوري بالحنين، كما لو أن البحر يحكي حكايات الأساطير القديمة. أراقب النادل الصغير، شاب موهوب لكنه خائف من الحديث مع الزبائن، أرى فيه نفسي في أول أيام تعلم الطهو، قبل أن يعرفني العالم كطباخ وأديب في الوقت نفسه.

أنتقل بعد ذلك إلى مطبخ فرنسي في باريس، الضوء الخافت ينساب من النوافذ العتيقة، والفرن المعدني يطلق حرارة رقيقة. أقطع السمك بحركة شبه شاعرية، أضيف الزيت بزمن دقيق، كل حركة متقنة، كأنها جملة في رواية طويلة. الزبائن يتحدثون بهمس، وكل طبق يحكي فصلًا عن مدينة لم أزُرها من قبل، عن حياة لم أعشها، عن قصص تتقاطع مع بغداد، لينتز، وبقية المدن التي زرتها.

في مطبخ ياباني صغير في كيوتو، أعيد تعلم الصمت. السوشي المتقن على الطاولة يبدو كلوحة، كل قطعة نودلز ملفوفة بعناية، كل رشة توابل قرار فني دقيق. أراقب الشيف الصغير الذي يمرر المقلاة بأصابع ثابتة، أفكر كم من قصصي يمكن أن تُروى في دقائق الطهي هذه. كل طبق هنا هو فيلم قصير، كل رائحة مشهد، وكل حركة حوار.

في مطبخ مكسيكي على أطراف مكسيكو سيتي، الفلفل الأحمر الحار والذرة تعانق بعضها في القدر الكبير، أرقب الشيف المحلي وهو يسكب الصلصات بعناية، كل رشفة حارّة هي صرخة طفولة نينوى، كل مذاق يقودني إلى رحلة عبر الزمن والمكان. الطباخ هنا ليس مجرد طباخ، بل كاتب يحفر في كل طبق فصلًا من أحلامه، في كل رائحة ذاكرة، في كل حركة تجربة سينمائية.

وفي مطبخ إسباني في برشلونة، رائحة الزيتون والثوم والبابريكا تملأ الهواء. أراقب حركة المقالي الكبيرة، الملاعق الخشبية التي تتحرك مثل راقصات في باليه الطعام، أسمع أصوات الزبائن في الخلفية، كل ضحكة، وهمسة وفلامنكو، جزء من نص لم يُكتَب بعد. أضيف الحروف إلى المذاق، والخيال إلى الرائحة، وكل طبق هو لوحة من الواقع والحلم.

هكذا، بين مطبخ وآخر، بين قارات مختلفة، تتداخل الأصوات، الرائحة، والحركة، لتتشكل أطياف الطباخ: نص خيالي، مليء بالطبقات والقصص، ليس مجرد طباخ بعد الآن، كاتب يعيش حياته من خلال الطهو، أحلام اليقظة، والناس الذين يلتقيهم على الطريق. الموصل. نهر دجلة يلمع تحت الشمس. المدينة القديمة تتنفس بين الأزقة الضيقة، الدكاكين المتهالكة، ورائحة القهوة العربية الممتزجة بالبهارات. الطباخ يقطع البصل على الطاولة الخشبية في مطبخه، يتذكر الجنادب التي كانت تقفز على البلاط في فناء جده. صوت الباعة والناس كحكايات تتناثر في الهواء، كل حرف جزء من نص. السبانخ تتطاير مع الزيت الساخن، كل حركة من يده هي ذكريات الطفولة، كل رائحة تُعيده إلى بغداد. بغداد. رائحة الخبز الطازج، القرنفل، الناس الذين يصرون على البقاء أحياء رغم كل شيء. الطباخ يرى نفسه صغيرًا يحمل جرة الزيت، يتجنب الزحام، يسمع أصوات الجنادب في الليالي الحارة، ويسترجع حكايات أمه وجدته. كل طبق يطبخه اليوم في أوروبا يحمل عبق بغداد، حكاياتها، صخبها، وحبها الضائع… العمادية. يتذكر الرحلات الصيفية، السمك المشوي على الفحم، ضحكات الأطفال، وصرخات النسور فوق الجبال. كل رائحة بصل مقلي في مطابخه الأوروبية الآن تعيده إلى مكانه الذي لم ينسه. قرية ديري… ضبابية وباردة، يربطها في ذهنه مع أيام الشتاء الطويلة في لينتز، والقدور التي تغلي على النار البطيئة. كل نافذة وشعاع ضوء يذكره بمطبخ صغير، حكاية عائلة حائرة، وجه قريب، وصوت ضحك ضائع بين الطيات. يعيد له صورة خالدة: جدته تفرم الثوم، يده تمتد إلى القدر، حُبه للطبخ بدأ هنا، تعلم أن الطعم هو لغة، أن الرائحة هي قصة، وأن كل طبق هو فصل من حياة كاملة… البصرة.. رائحة النخيل، أسماك الميناء، الهواء الرطب… لينتز. تجمع كل الرحلات، الأصوات، الذكريات. الأصابع التي تقلب الملاعق، كل شيء حي، كأنه فيلم سينمائي صغير داخل شقة صغيرة. الأصوات من الماضي والحاضر تتداخل، بغداد، الموصل، العمادية، البصرة كلها تتحدث من خلال الرائحة، المذاق، والحركة. فيينا.. فيينا.. القهوة الثقيلة، الماكينات المعدنية التي تصرخ بلطف، الرغوة التي ترتفع في الكوب، كل رشفة تأخذ الطباخ في رحلة داخلية، تلتقي فيها بغداد بالهضاب الأوروبية. النوافذ الكبيرة، ضوء الشمس البارد، صوت المارة، كل شيء أصبح جزءًا من روايته الداخلية.. براغ.. الشوارع المرصوفة، الأبنية القديمة، الجسور التي تحمل حكاياتها، والمقاهي التي تفوح منها رائحة الكراميل والشاي، كل شيء يذكّره بأن كل مطبخ هو نافذة إلى مدينة أخرى، وأن كل طبق يحمل ذاكرة، حلم، أو شخصية.. كورفو.. جزيرة يونانية صغيرة، البحر أزرق صافي، شجرة زيتون معمرة، رائحة البحر ممتزجة بالريحان والثوم. الطباخ يتذكر رحلته الأولى خارج أوروبا، أول طبق أعده هناك، أول زبون ابتسم له، وكل شيء بدأ يتحول إلى نص، فيلم، حلم، وواقع في الوقت نفسه.

أسترجع بغداد في كل لحظة والجنون الجميل الذي حملته معي إلى كل مطبخ بدل استوديو أفلام. وأضع لمسة أخيرة على نص. في كل مطبخ ألتقي بوجوه جديدة.. أصبح أكثر من طباخ، أصبح كاتباً على كل طبق، شاعر في كل رائحة، وصانع أفلام في كل حركة. كل طبق موزاييكي: رائحة البهارات مثل حوار داخلي، حركة الملعقة مثل مونولوج، المقلاة الساخنة ككاميرا تتبع الحركة، وكل المدن المترامية من بغداد إلى كورفو إلى لينتز تتقاطع داخلياً.

في محطة قطار الموصل، حيث تتلاقى خطوط السكك الحديدية مع خيوط الذاكرة، كانت القطارات تنطلق يوميًا نحو بغداد، حاملةً معها أحلام المسافرين وآمالهم. وكانت تُعد من أفخم محطات الشرق الأوسط، تضم فندقًا كاملًا ومرافق حديثة. لكن مع مرور الزمن، توقفت القطارات، وتُركت المحطة تنتظر عودة الحياة… في 3 يونيو 1943، تم افتتاح المحطة، وكانت تُعد من أفخم محطات الشرق الأوسط، وقد قام بتخطيطها جماعة من المعماريين البريطانيين… محطة قطار أربيل، التي شُيدت في أربعينيات القرن الماضي تحت إشراف المهندس الهندي محمد علي هندي، كانت تربط المدينة بكركوك وبغداد. كان القطار يصل أربيل في الساعة العاشرة صباحًا، وينطلق نحو كركوك في الخامسة مساءً … من خلال النوافذ في المطابخ، كنت أرى العالم يتغير. في الموصل، كانت النوافذ تطل على شارع المحطة، حيث كانت القطارات تصل وتغادر. أما في أربيل، فكانت النوافذ تطل على ساحة المحطة، حيث كان الناس يتجمعون وينتظرون رحلاتهم. وفي ديري، كانت النوافذ تطل على الجبال، حيث كانت الرياح تعزف ألحانًا قديمة. في مدينة لينتز، تطل على حياة تدب في كل زاوية. النوافذ تحمل في طياتها قصصًا عن الماضي والحاضر، عن الفرح والحزن، عن الأمل والخذلان. في ديري، قرية صغيرة تبعد ثلاث كيلومترات شرق قلعة العمادية شمال دهوك، كان الطباخ يذكّر نفسه بجدائل الضوء التي تتسلل بين الجبال عند الفجر. وخشونة الصخور العتيقة، كانت تحاصر أصابعه بينما يقطع الثوم والبصل لمطبخه الصغير هنا، في ذاك البيت القديم، حيث تعلم أن الطهو ليس مجرد طعام، بل لغة توازي الشعر والسينما. يتذكر كل زاوية في القرية: الطريق الترابي المؤدي إلى النبع، الأطفال يلعبون على حافة الحقول، صوت الحمام الذي يخرج من البيوت القديمة، ورائحة خبز العائلة التي تطوف فوق أسطح المنازل. هنا، في ديري، بدأت أولى أحلامه عن الطعام والقصص والرحلات، هنا بدأ حلم مفتوح، لا حدود له، لا زمن يحكمه. وبينما كانت الشمس تتسلق الجبال، تتردد في ذهني صور محطة قطار الموصل، حيث كان القطار القديم يغادر حاملاً معه رجالًا ونساءً وحكاياتهم المتشابكة: سائق القطار الذي يبتسم رغم ضجيج المحرك، وفتاة تلمع عينيها أمام نافذة القطار كما لو كانت ترى المستقبل بألوانه المشرقة والمخيفة معًا. وفي محطة أربيل، يقف الناس حول عربات القطار الصغيرة، يتبادلون الأحاديث عن الطموحات التي لم تتحقق، عن الخوف من الزمن الذي يمضي بلا رحمة. هناك، تعلم أن الناس يحملون في صدورهم مثل ما يحمل الطباخ في قلبه من توابل ونكهات، وجبات الحياة التي لم تُقدّم بعد. وبعد سنوات، بينما يجلس في مطبخ زيتون الشمال في لينتز، يرى أمامه كل هذه المدن ممتدة كخريطة في مخيلته: ديري شرق العمادية، الموصل، أربيل، بغداد، العمادية، البصرة، ثم أوروبا؛ لينتز، فيينا، براغ، كورفو. كل مطبخ هنا يحكي قصة، وكل طبق يحمل نكهة الماضي، ونسمة الحلم.

يتذكر محطة قطار الموصل: العربات القديمة تهتز على القضبان، الباعة ينادون على الخبز والفواكه، الأطفال يلوحون بيدهم للقطارات العابرة، والرياح تحمل أصوات المسافرين، حكاياتهم، وأحلامهم. هناك، في أصوات القطارات، كان يسمع الحكاية الأولى عن العالم، عن البعد بين الإنسان وهدفه، عن الشجاعة والخوف معًا. وفي محطة أربيل، يجد الزحام والهدوء في الوقت ذاته: رجل، امرأة، شاب ينتظر القطار، وكل واحد منهم يحمل قصة. الريح تداعب الأشجار، أصوات المدينة تتسلل عبر الزجاج، همسات الماضي تتسلل، الليل يمتد، والطباخ يسكب الشاي الأسود الثقيل، يرش الهيل على الكوب، ويجلس متأملًا في حبات التوابل الصغيرة، كنجوم في سماء مطبخه. هناك تتشابك الحكايات ويظل الطباخ، شاعرًا وروائيًا وسينمائيًا، ينسج كل شيء في مطبخه، في زيتون الشمال، في حكاياته وأطيافه، في الماضي والحاضر، في الغربة والأمل والحلم، في الطبخ والحياة، في أطياف الطباخ التي لا تنتهي، التي تتداخل فيها المدن والمطابخ والأشخاص والذاكرة في لوحة ضخمة، ممتدة، حية، تنبض برائحة الطعام ودهشة الحياة.

 

بولص آدم

69 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع