العدالة السردية في رواية “بياض على مد البصر” لمحمد عبد الرازق

بياض على مد البصر

د.سيد ضيف الله

“بياض على مد البصر” هي الرواية الأحدث للروائي المصري محمد عبد الرازق وقد صدرت  عن دار العين بالقاهرة. ترتكز الرواية على جريمة قتل أب(مسعد) لطفلته(ياسمين) البالغة أربعة عشرعامًا، بعدما ظن أن أخاها(رضا) البالغ من العمر خمسة عشر عامًا يمارس معها الفاحشة، يهرب الولد بالقفز من البلكونة، ويخنق الأب ابنته وهي بين اليقظة والنوم، ودون أن تعي بوجود الأخ؛ ومن ثم ماتت دون أن تدري سبب محاولة خنق الأب لها! ولا يعرف القاريء حقيقة ما حدث إلا في ختام الرواية!

ومن هنا كان إهداء الرواية إلى البراءة مفتاحًا لقراءة الرواية وفك اللغز الذي سعى المؤلف لنسج خيوطه ليجعل من روايته رواية فيها ما في الرواية البوليسية من إثارة وتشويق، لكن فيها ما هو أبعد من ذلك وهو القدرة على تشريح المجتمع نفسيًا واجتماعيًا وأسطوريًا.

تدور أحداث الرواية في قرية في أطراف الدلتا، بعد نقل جثة الطفلة من إحدى المدن القريبة التي كان يعمل بها مسعد ويعيش معه ولده وابنته بعد طلاقه لأمهم (هالة). ولا يتجاوز الزمن الفعلي للأحداث اليوم الواحد، فهي إن صح التعبير “رواية اليوم الواحد”. إن حصر الزمن الفعلي في يوم والمكان في بيت الجدة يجعل من استدعاء الزمن الماضي لكل شخصية من شخصيات الرواية وسواء في القرية أو المدينة بمثابة تحريك لمياه الأحداث الساكنة بالنبش في الذاكرة فتتحرك مشاعر القاريء في مسارات متباينة لاقتفاء أثر الجروح الغائرة في كل شخصية!

ومن هنا كان لهذه الرواية سمات تؤهلها للرواج الجماهيري، والتثمين النقدي في آن. فالاستفادة من تشويق ووإثارة موروث الروايات البوليسية ببناء الرواية على لغز مقتل ياسمين ونفي زعم والدها أنها انتحرت، كانت خطوة أولى لتقريب الرواية من الجماهيرية، لكن إضافة إلى ذلك، هناك أهمية خاصة لموضوع الرواية وهو ما لا يمكن التنكر لدوره في جذب القراء، فتقديم المسكوت عنه في المجتمع مثير ويستوجب التقدير في ذاته، لاسيما أنه شديد الواقعية وشديد التعقيد ولايمكن تناوله بموضوعية ونزوع إنساني في آن دون توفر حرفية روائية عالية،وقد توفرت هذه الحرفية الروائية بالفعل لدى محمد عبد الرازق.

 إن تناول الانتهاك الجسدي داخل العائلة أو ما يُسمى بزنا المحارم موضوع روائي كان ولازال يحفز القاريء للتخندق ضد شخصية والتعاطف مع أخرى، وغالبًا ما يكون هذا التخندق ناتجًا إلى حد ما عن استجابته للنص الروائي في ضوء مرجعيته الثقافية والاجتماعية! لذلك، كان التحدي الفني أمام المؤلف الضمني هو مقاومة هذا التخندق إلى أبعد حد ممكن، وذلك بالكشف عن الضعف البشري المشترك بين الشخصيات المتصارعة، فترتبك المشاعر لتعقد وتشابك زوايا النظر للموضوع، ويصعب أن نصل لعدالة ما في توزيع أنصبة السرد على  الشخصيات حتى لو منح المؤلف كل شخصية مساحة متساوية لسرد ما حدث من وجهة نظرها؛ ذلك أن الجميع يحملون نصيبًا من المسئولية عن وأد البراءة، فضلاً عن وجود تاريخ مشترك من الفضيحة مخبوء في الصدور بين أفراد العائلة وبقية شخصيات الرواية المنوط بهم إتمام إجراءات دفن الجثة!

ومع ذلك، كان بناء الرواية كرواية متعددة الأصوات، الحل الأسهل لو كانت الغاية استعراض دفاعات كل شخصية عن نفسها والسماح بتبرئة نفسها حتى لو كانت ذات خطيئة أو نزوع للشر في لحظة من لحظات الضعف البشري!  لكن المؤلف لم يلجأ لهذا الحل، واختار أن يخوض تحديًا فنيًا-من وجهة نظري- وهو تقديم موضوع معقد اجتماعيًا وثقافيًا، وتحقيق عدالة سردية بين الشخصيات ملموسة في توفر قدر من المشاعر لدى القاريء عن كل شخصية من الشخصيات المتصارعة وذلك باستخدام تقنية الراوي العليم فقط على مدار فصول الرواية. ومن هنا كان على المؤلف أن يوفر بدائل للحوارية الغائبة عن الرواية بتغييبه لأصوات الشخصيات المتصارعة. ويمكن أن نشير لوجود شكل آخر من الحوارية أوجده ذلك التماهي الوجداني بين الرواي العليم وكل شخصية مما سمح له أن يقيم حوارات داخلية بين اللحظة الحاضرة وماضي كل شخصية عبر استدعاءات منظمة وكاشفة عن صراعات داخلية. فعلى سبيل المثال، شخصية الأب مسعد، الذي خنق ابنته لتوهمه بوجود علاقة مع أخيها فور دخوله المفاجيء للشقة، هي شخصية نموذجية للشخص العادي المقهور، فيروي الراوي العليم تاريخ هزائمه والتي يؤرخها باقتلاعه من طفولته وهو يلعب في زراعات القطن ليتم تزويجه من هالة المقتلعة كذلك من طفولتها وهي تلعب في زراعات القطن،ولا ينجح (مسعد) في تجاوز التعليم المتوسط، ليعمل نجارًا، ثم يتوقف عن العمل لضعف في يده، وتتوالى الهزئم بعد الزواج فنجد أول طفلة تموت لعدم توفر تكلفة الحضانة الموجودة في المدينة وليس في القرية، ولم يستطع مسعد الحصول على ميراثه من إخوته، مثلما لم يستطع أن يملأ عين زوجته، وبعد انتقاله للعمل في مصنع نسيج يُصاب بقطع لحم كتفه، وفي ظل الآلام يناوله زميله أقراص الترامادول على أنها مسكن لآلامه، دون معرفة بأنه سيكون مدمنًا لها، وبعد إدمانه يبلغه شخص مجهول للقاريء بوجود علاقة بين زوجته ومشرفها في العمل في المشغل، فيجامعها انتقامًا لرجولته بعد تناول قرصين للترامادول ثم يربطها في السرير ويذهب لإحضار أمها ويطلقها بعد فضحها لتترك ابنها وابنته معه!

إن مسعد بدأ بزعم أن ياسمين انتحرت، وكان الراوي العليم يسرّب للقاريء الدليل على كذبه، إذ مرة يقول بأنها انتحرت بسلك التليفون، ومرة بسلك التليفزيون، ومرة بحبل الغسيل، مما يجعل زعم الانتحار لا يثبت منذ بداية الرواية، لكن استدعاءات انكسارات مسعد بصفته رجلاً عاديًا مقهورًا خائفًا من الأنثى في ثقافة تربط بين الأنوثة والفضيحة، سواء كان أبًا أو زوجًا، يجعل للعلاقة بين الاستدعاءات واللحظة الحاضرة علاقة تحاور لا تبرر العنف لكن تسوّغه فنيًا. إن إدارة المؤلف الضمني لهذه الحوارية بين الصور والمشاهد التي ترد إلى ذاكرة الشخصية، واللحظة الآنية /لحظة إجراءات الدفن هي ما عوّض غياب الحوارية بين الأصوات السردية ليجعل الصراع ليس فقط بين رجل وامرأة في قضية انتهاك الجسد، وإنما بين الرجل وثقافته، المختزنة في الذاكرة في مشاهد محفورة بشكل مؤلم.

“كانت المفاجأة أنّ ما أنساه الصداع هو تخيل وجه ابنته الهامدة في مندرة جدتها. يبدو أن البنت أرادت أن تنتقم منه، أو تخبره أنه لم يسترها في الدنيا كما قال حسن.تداعت إلى رأسه لتصارع الصداع وهي في فستان برتقالي قديم(..) بينما تردد صوت في ذهن مسعد، جملة بصوت خشن، أحدهم يقول”البنت دي لما تكبر هتبقى فتّاكة.. يا بخته اللي من بخته”، حينها التفت مسعد حوله، حاول التغلب على انقباضة قلبه وانسحاب الدم من تحت جلده. لم يُرد يومًا أن ينجب بنتًا، لكنه كان قد تورط وانتهى”(ص51).

ومن هنا يتفاوت التعاطف مع الشخصيات استنادًا لرصيد كل قارئ من القدرة على الإنصات لصوت الألم المحفور في صدر كل شخصية أو إدراك طبيعة العلاقة بين  الشخصية و الموروث الجمعي باعتباره سلطة رمزية واجتماعية قاهرة، دون الوقوع في فخ الأحكام الجندرية أو الأيديولوجية الجاهزة على قضية شديدة التعقيد اجتماعيًا وثقافيًا لاسيما أن الرواية لم تشهد أي علاقة زنا، وإنما قدمت توهمات الوقوع في الخطيئة، لكن ميراث الخوف من الفضيحة دفع الأب لوأد البراءة، دون أن تنفي الجدة (حليمة)استعدادها للقيام بالدور نفسه لو كانت مكانه! بل نجد لديها القدرة على تجاوز ثقل الموت والتفكير في الختان لجثة حفيدتها، في مشهد غرائبي بالغ الدلالة على نجاح الراوي العليم في التماهي مع لاوعي الجدة حامية الثقافة الذكورية ونقل مشاعرها المضطربة وهي تفكر في الإمساك بالمقص حتى لا يمنع عدم الختان دخول حفيدتها الجنة!

“لو انتظر عليها الموت عامًا واحدًا لصارت جنيّة تسكر عقول الرجال. رمت بنظرة طويلة بين فخذيها.دق قلبها بعنف، وتوترت يداها. البنت غير مختونة(..) كيف ستقابل ربها بهذا الشكل؟ ماذا ستقول له؟ ماذا سيقولون هم له؟ (..) فكرت لثانية أن تؤدي تلك المهمة لتخفف عن البنت بعضًا مما ستلاقيه في القبر. لمع المقص في يدها.”(ص77-78).

وفي الوقت نفسه، نجد الأم (هالة) متهمة من الزوج (مسعد) بوجود علاقة بينها وبين مشرفها في العمل لمجرد رؤيته لها وهي يتكلم معها بعد خروجهما من المشغل بناء على سماعه هذه المعلومة من مصدر مجهول للقاريء. الأمر الذي يترتب عليه طلاقها بفضيحة تجبرها على ترك ابنها وابنتها معه وحرمانها منهما، بل وكراهية ابنها (رضا) لها لأنها خانت أباه! إن الراوي العليم، يقترب من لاوعي (هالة) ليسرد لحظة ضعف بشري لأنثى حُرمت من طفولتها وتزوجت رجلاً لا تحبه ولا يملأ عينيها لأنه عاجز عن احتوائها كزوج، وعاجز عن التحقق كأب ورجل ناجح اجتماعيًا خاصة بعدما صار مدمنًا، وتستجيب (هالة) لسحر الكلام المعسول من المشرف فتدخل المخزن بإرادتها ويدخل وراءها، لكنها تفيق بمجرد لمسه له، ولا يحدث أي شيء بينهما سوى لمسة المشرف ليدها وكتفها، وتخرج (هالة) مسرعة من المخزن! لكن بعد أن تكون سمعتها قد تلطخت وصارت موصومة بالخيانة ووصل خبر خيانتها لزوجها في المصنع الذي يعمل فيه!

إن الراوي العليم لا يقرر الخيانة ولا ينفيها، وإنما يقررها حين يسرد حوار مسعد مع ذكرياته.

“وهالة كما خانته من قبل لن تتردد في قتله لو جاءتها الفرصة.”( ص94).

 ويخفف من وصمة الخيانة لدرجة إنكارها حين يسرد حوار هالة مع ذكرياتها.

“ظلت تهرب منه [المشرف] حتى تعبت من الهرب، ومن بلبعة مسعد للبرشام. سلمت في لحظة ضعف، لحظة لم تتخط لمستين وهمسات متفرقة، ثم تراجعت للخلف،(..) ولم تندم على شيء مثلما ندمت على شعورها الذي تنطط بداخلها ناحية مشرفها وتلك اللمسة الوحيدة التي لم تكن سوى سراب”(ص110).

إن عدالة الراوي العليم السردية تضع القارئ في قارب يموج ومع كل انتقال بالسرد من شخصية لأخرى تتغير مشاعره أو بالأحرى تنضج مشاعره حين يقترب من شاطئ الحقيقة متجاوزًا أنصاف الحقائق الموزعة على فصول الرواية. وربما الأحرى أن نقول إن الحقيقة ليست فك اللغز بالوصول إلى ختام الرواية كشاطيء وهمي للحقيقة، وإنما اكتشاف أن الأمواج محمّلة بالحقيقة وترفض أن تُلقي بها على شاطيء؛ لأن ما نلقاه على الشواطيء هو الزبد، والحقائق ليست زبدًا، وإنما أمواج من المشاعر المضطربة داخل النفوس المعذبة بأحوالها وتقلبات صراعها مع موروثها الثقافي ومحيطها الاجتماعي. ومن هنا كان انفتاح السرد على الأسطورة، وانتقاله من الواقع الأرضي ومنطق العلّية الحاكم لأحداثه سرديًا، بمثابة محاولة أخيرة من المؤلف الضمني لتبرئة الشخوص المتصارعة من الخطيئة دون نفي اشتراكها في الضعف البشري، ليتجاوز منطق الثنائية الحاكم للعدالة الجنائية (جانٍ ومجني عليه)، ويعود بالصراع لجذوره الأسطورية والمتمثل في النبوءة التي ارتبطت بالجدة حليمة منذ طفولتها حين خرجت وهي ترتدي جلباب أبيها لترى النداهة، فكُتب عليها بحسب الأسطورة أن ترث الفضيحة هي وأسرتها من بعدها؛ فالأنثى إن رأت النداهة كُتبت عليها الفضيحة، وإن سمعها رجلٌ عشقها وجُنّ بها!

إن الحرص على إبراز الميراث المشترك من الفضيحة بين عائلة الجدة حليمة، وأشخاص آخرين منوط بها فضح سر قتل الطفلة ياسمين سواء كان الضابط أو طبيب الصحة أو الممرض بالصحة، جعل تسويغ رضوخ هؤلاء الأشخاص لرغبة العائلة في عدم الفضح بمثابة تحدي فني يتعلق ببناء الحبكة التي تقنع القاريء بكيفية معرفة عائلة الحاجة حليمة بتاريخ الفضيحة لدى كل شخصية من هذه الشخصيات، وقد نجح محمد عبد الرازق في بناء حبكته فيما يخص معرفة نقطة ضعف الضابط وفضيحته، وكذلك فيما يخص نقطة ضعف الممرض وتاريخ فضيحته، لكن كان ثمة حاجة لجهد ذهني لتسويغ معرفة الخال حسن بنقطة ضعف الطبيب وتاريخه مع الفضيحة لأن تدبير لقائهما في مكان الكشف الطبي يتعارض مع ما قدمه الراوي العليم من معلومات جغرافية لمكان عمل الطبيب وهو مستشفى قليوب العام، ومكان قرية الجدة حليمة المنقول لها الطبيب بأطراف الدلتا. وبالتالي استخراج حسن لجواز سفره وعمل كشف طبي لا يكفل له لقاء الطبيب ومعرفة تاريخ فضيحته لأن مثل هذا الإجراء يتم بالضرورة في محافظتين مختلفتين من محافظات دلتا مصر.

 إضافة إلى هذه الهنّة من هنّات الحبكة في تلك الرواية الجيدة، فإن سؤال الأخ(رضا) للشيخ عبد النبي (شيخ المسجد) عن دخول المنتحرة الجنة من عدمه يعني أن رضا قد صدّق أن أخته انتحرت بحسب ما زعم أبوه أمام العائلة، بينما تورطه في خلع بنطال أخته، وضبط أبيه له، ثم قفزه من البلكونة وهروبه ليترك الأب مع أخته يجعله أقرب لإنكار زعم الانتحار لوجود الأب مع أخته في حالة غضب وعقاب ووعيد نجح هو في الهروب منه.

وفي الختام، هذه رواية توسلت ببساطة البناء الفني لتثير موضوعًا معقدًا على كافة الأصعدة الفلسفية والنفسية والاجتماعية والدينية والثقافية، وكانت هذه الإثارة العقلية أكثر فاعلية من إثارة الروايات المحسوبة على الرواية البوليسية، وقد عزز من استمتاع القارئ بها إدارة المؤلف الضمني للشخصيات وصراعاتها الداخلية وتطورها النفسي عبر فصول الرواية!

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع