سارة مرشوح
“حين ماتت أمي لم أبكِ.. خفت أن أفسد اللحظة”
تلك الكلمات التي قالها الشاعر سليم بركات تلخص عمق الفقد: حزن يتجمد في الصدر، لا يظهر في دموع، بل يتغلغل في الروح، ليصبح أعمق وأشد إيلامًا. هذا التجمد العاطفي هو ما يجعل لوحة الفنان النمساوي أوغست شينك “اليتيم” تحفة فنية لا تُنسى.
في لوحة “اليتيم”، لا نرى مجرد مشهد طبيعي، بل تجسيدًا للمأساة في أقصى صورها. إنها لوحة تتجاوز حدود الزمن، لتهمس لنا عن قسوة الوجود، وحجم الألم الذي يختبئ خلف صمت الأشياء. يعالج شينك فكرة الفقد المطلق عبر مشهد قاسٍ وواقعي: خروف صغير، لا يزال جسده غضًا، يقف إلى جوار جسد أمه المتجمد، بينما تحوم حولهما غِربان سوداء.
تلك الغِربان ليست مجرد طيور، بل هي رموز قاسية للموت الذي لا يبالي. تترقب وليمتها القادمة دون أي أثر للرحمة، وكأنها جزء من نظام كوني لا يعترف بقدسية الحياة. أما الخروف اليتيم، رمز البراءة والضعف، فيقف وحيدًا، وقد فقد كل دفء وحنان. لم يعد جسد أمه مصدرًا للحياة، بل أصبح كتلة من اللحم البارد، دليلًا على النهاية التي لا فكاك منها. عيناه الصغيرتان، اللتان كانتا تريان العالم من خلال حضن دافئ، تنظران الآن إلى عالم قاسٍ لا يرحم.
نحن لا نسمع صوت بكاء الخروف، لكن صرخة روحه المكلومة تصل إلينا. هذا الصمت المطبق هو ما يجعل اللوحة تراجيدية بامتياز. الفن هنا ليس عن الجمال، بل عن الحقيقة التي لا تُقال. هو ليس عن الدموع، بل عن الألم الصامت الذي لا يحتاج إلى صوت ليُرى.
تبقى هذه اللوحة شهادة على الوجع الذي لم نبكِه، وعلى الحقيقة التي نعجز عن مواجهتها. حين نكون في أحضان الأجداد والوالدين، تكون حياتنا دافئة، والعائلة مجتمعة، والأهل والجيران والأصدقاء يحيطون بنا. الأعياد تحمل معاني، والمناسبات تكتسي بهجة. نكون في عالم الخروف الصغير، محميين بدفء الجدة والأم، وننظر للعالم من خلال عينيهما الرحيمتين.
لكن لحظة الفقد هي لحظة انتزاع هذا الدفء، وكل الأمان، وكل المعنى. في تلك اللحظة، نتحول إلى هذا الخروف اليتيم، تجحظ عيوننا، وندخل في حالة من الذهول، لا نفهم شيئًا، وكأنّنا لا نعرف أحدًا. فمن كانوا بالأمس يحيطون بنا، يصبحون غربانًا يتربصون بنا.
الإنسان بلا عائلة ليس مجرد شخص وحيد، بل هو كائن عارٍ تماما أمام ريح الوجود، إنه ذلك الرعب الذي تشعر به حين تدرك أنك إذا تألمت في جوف الليل، فلن يهتزّ جفنٌ لأحد، وإذا غبت فلن يلاحظ الفراغ مكانك. في هذه الوحدة، ينكسر فينا شيء لا يجبره الوقت؛ إحساس مرعب بأننا أصبحنا “مشاعا” للغرباء، وأن الحزن لم يعد ضيفًا، بل صار هوية صاحب البيت. نصبح مثل ذلك الخروف في اللوحة، لا ننتظر النجاة، بل ننتظر فقط متى ستنتهي هذه البرودة، ومتى ستتوقف الغربان عن نهشنا. ندرك حينها أن اليتم ليس غياب الأب أو الأم فحسب، بل هو شعورك بأنك غريب حتى عن نفسك، وأن العالم الذي كان بالأمس رحيماً، صار غابة من الصقيع لا تعرف لغة العناق.
عندما تصل الوحشة إلى مداها، ويصبح العيش في الواقع نوعاً من الانتحار البطيء، يبدأ الإنسان في البحث عن مخبأ لا تصله ريح الفقد. حين لا تعود الأرض قادرة على احتواء انكسارنا، لا يتبقى لنا إلا أن نمد أيدينا نحو المستحيل. هناك، حيث يسكن العجز، يولد الاضطرار إلى التعبير كشهقة أخيرة قبل الغرق.
نهرع إلى الظلال، إلى الخيال، إلى المساحات التي لا يحاكمنا فيها أحد على ضعفنا، نبحث عن “أرواح مشبوهة” تشبهنا، عن وجوه رسمها الغرباء قبل مئات السنين لكنها تنظر إلينا بعيوننا ذاتها. فالفن والأدب هما ملجؤنا الأخير، المكان الذي يمكننا فيه أن نتجرأ على إخراج آلامنا في صمت، ونتركها تتجسد في صورة، أو كلمة، أو لحن. تمثل هذه اللوحة الوجع الذي لم نبكِهِ، هي مرآة لصقيع قلوبنا بعد أن رحل دفء الأحباء.











