رمضان جمعة
كيف يشتغل فعل الكتابة؟
لطالما شغل هذا السؤال عقلي، وقضيت ساعات وأيامًا في التفكير فيه، وحتى الآن لم أصل إلا لإجابة مُسكِّنة فقط، وهل في العالم إجابة شافية أصلًا؟ لا أظن ذلك، الكتابة أيضًا، لا تتركك تصل لإجابة شافية عنها.
كيف يشتغل فعل الكتابة، ما الذي يحرك هذه الملعونة الجميلة؟
بعد تمشية من الأزهر حتى الإسعاف، توقفت فجأة أمام مبنى دار القضاء العالي، وطرقعت بإصبعي، وصحت: بسؤال عن الكتابة نفسها.
كيف؟
قبل بدء الحوار، ما أقوله الآن هو إجابتي أنا في ليل 7 فبراير 2026، وقد أغير أنا نفسي هذه الإجابة بعد نصف ساعة من نشر هذا المقال في تمشية قصيرة من الهرم إلى فيصل، فالكتابة تغيرنا كل لحظة، واللعب مع الكتابة يقوم على القفز من مكان لمكان ومن فكرة لأخرى ومن زاوية لثانية مختلفة، وكل هذا اللعب والتنطيط يحدث كل ثانية، ربما لذلك فالكاتب يحب تلك البنت الشقية في الصباح وقد يكرهها في المساء، ويغضب منها بعد المغرب وربما يكون أكثر الراضين عنها قبل الفجر، وفي ندوة تجده خلوقًا مهذبًا خجولًا رومانسي الحديث، وقد تخرج بعدها لتتمشى معه فتجده وضيعًا حقيرًا سليط اللسان، لعنة الكتابة.
المهم، نرجع لكلامنا، كيف تأتي الكتابة من سؤال عن الكتابة نفسها؟
لما فكرت في كل مرة بدأت فيها كتابة، وجدت أني، دائمًا، كنت أمسك الفكرة، أدرك ما أود قوله، أعرف شخصياتي، أعرف حكايتي بصورة ما، وأرى المحطات التي سأمر عليها في أثناء الكتابة، وكل هذا أمامي على المكتب قبل أن أبدأ، لكنه قد يظل أمامي بجوار اللاب توب كثيرًا ولا أبدأ، وما بدأت مرة إلا بسؤال عن الكتابة نفسها، مثلًا.. كيف ينبغي أن تكون لغة هذه الرواية؟ كيف يمكن للسرد الروائي أن يعبر عن حالة الكذا؟
أسئلة بهذا الشكل أو ما يشابهه، كانت دائمًا هي بنزين فعل الكتابة، ومن غير سؤال حول الكتابة، كل شيء عطلان، حتى أني وجدت تعريفًا -يخصني- لما يسمى بسدة الكتابة: توقف الكتابة عن طرح أسئلة على الكاتب عن نفسها.
لأني اكتشفت أني حتى لو معي حكايات إلى الأبد، وأفكارًا بنت الآن، وكل ما تحتاجه الكتابة معي، كل هذا لا يفيد لو ليس معي سؤالًا واحدًا عن الكتابة، وسؤال واحد عن الكتابة ربما يكفي لكتابة عشرات الأعمال، يخلق الحكايات ويخترع الأفكار ويرش الحروف على الأوراق، سؤال واحد فقط.
ربما لذلك نقرأ أحيانًا نصوصًا، نجدها جيدة الصنعة، لكن نقول إنها بلا روح، ربما تلك النصوص هي التي توافر فيها كل شيء، إلا سؤال عن الكتابة؟ ربما.
حتى تلك اللحظة التي تضغط فيها على النقطة وتنفخ وتقول: خلصت، أظن أنها لحظة اقتناعك بأنك قدمت الإجابة التي لديك الآن عن ذلك السؤال الذي بدأت بسببه.
إذن يمكنني القول بأن الكتابة هي محاولة الإجابة على سؤال طرحته عليك الكتابة عنها، وربما تكرارنا للكتابة مرة ثانية وثالثة…، هو إما إجابة على سؤال جديد، أو إعادة إجابة على سؤال لم تكن إجابتك السابقة كافية أو ربما لم تكن مقنعة للكتابة نفسها، وقد تكون أحبت إجابتك وتناغشك لتقولها مرة أخرى.. كأن تسألك السؤال، فتجيب، تعجبها الإجابة، فتقول بدلع: “ما سمعتش”.
الكتابة تطرح أسئلة عنها، ثم تدعك تجيبها؛ تحب أن ترى نفسها في نظرك، تحب أن ترى كيف يبدو هذا الجزء من جسمها في عينيك؟ هي مناغشة دائمة بين الكاتب والكتابة، وحوار لا ينقطع، ثمة علاقة جنسية مكتملة الأركان، بين الكاتب والكتابة، تبدأ بسؤال تطرحه عليه، وتتركه بعدها بكل ثوراته للإجابة..
وكأنها تُعرّي إحدى ساقيها -مثلًا- وتمدها، وتسألك: “كيف تراها اليوم؟”..
أريد أن أعيد تعريف سدة الكتابة: توقف الكتابة عن إثارة الكاتب.
وكيف يشتغل فعل الكتابة؟
لما تثيرك هذه اللعوب الفاتنة.
7 – 2 – 2026



















