زهر الخريف: ربيع اللحمة الوطنيّة

زهر الخريف

القسّ عيد صلاح

بين همّ القرية الصغيرة—الإسماعيلية بمحافظة المنيا—وهمّ الوطن الأكبر، مصر، تتحرّك رواية “زهر الخريف” للروائي المصريّ عمَّار علي حسن، الصادرة عن الدار النشر والتوزيع عام 2009م، في 156 صفحة من القطع المتوسط. رواية تنطلق من الهامش الجغرافيّ والاجتماعيّ والثقافيّ لتلامس القلب الرمزيّ للوطن، حيث لا تعود القرية مجرد مكان، بل تصبح صورة مصغّرة لمصر في لحظات انكسارها وانتصارها، وخيباتها وآمالها المؤجّلة.

جاءت قراءتي لهذه الرواية متزامنة مع احتفالات الوطن بذكرى نصر السادس من أكتوبر، وهو تزامن أضفى على النص كثافة وجدانية إضافية؛ إذ تتقاطع في الرواية حالتا القرية والوطن في مسار واحد، يبدأ بالهزيمة والانكسار عقب نكسة 1967م، ويمتد عبر سنوات الصبر والمعاناة، وصولًا إلى لحظة الغلبة والانتصار في حرب أكتوبر 1973م، ثم ما بعدها حتى استرداد طابا ورفع العلم المصري عليها. في هذا المسار، لا يُقدَّم النصر بوصفه حدثًا عسكريًا فحسب، بل ثمرة لتضحيات إنسانيّة جسيمة بلغت حد الاستشهاد في سبيل الوطن.

يشكّل علي عبد القادر وميخائيل سمعان—رفيقا المسيرة والمصير—نواة البناء السرديّ في الرواية، وهما في الوقت نفسه بطلا القرية وشهيدا الوطن. ومن خلال شخصيتيهما، يقدّم الكاتب نموذجًا حيًا للتعايش المشترك، لا عبر خطاب مباشر أو وعظ دينيّ أو شعارات سياسيّة، وليست عبر خطاب مناسباتي لتجميل الصورة والكلام، أو سك عبارات استهلاكية لتخدير الضمير، بل من خلال الفعل اليوميّ والموقف الإنسانيّ الذي يجسد طبيعة اللحمة الوطنيّة بين أبناء الوطن الواحد. فالوحدة الوطنيّة هنا تُختبر في لحظات الخطر: في مقاومة اللصوص الذين يغيرون على القرية ليلًا، وفي الالتحام المشترك بمعركة الوطن ضد أعدائه، حيث تتراجع الفوارق الدينيّة والاجتماعيّة لصالح الانتماء الأوسع للأرض والمصير الواحد.

زمنيًا، تغطي الرواية فترة بالغة الأهمية في التاريخ المصريّ والعربيّ الحديث، غير أن عمَّار علي حسن لا يكتب التاريخ بقدر ما يكتب أثره في الناس. فالتحولات الكبرى تنعكس على تفاصيل الحياة اليوميّة، وعلى علاقات البشر ببعضهم، وعلى وعيهم بذواتهم وبوطنهم. ومن هنا تغدو القرية فضاءً رمزيًا مكثفًا، تُختبر فيه قيم التضامن، والصمود، والانتماء، كما تُكشف فيه هشاشة المجتمع في مواجهة الخوف والانكسار.

وتبرز العلاقات الإنسانية في الرواية بوصفها العمود الفقريّ لهذا التماسك الوطنيّ: علاقة عبد القادر بونيس سمعان، ووفاء بجورجيت، وأم علي بأم ميخائيل، فضلًا عن الحضور المتوازي للشيخ والقسيس داخل النسيج السرديّ. كما يستدعي النصّ آيات من القرآن الكريم ومقاطع من الكتاب المقدَّس في سياق روائي طبيعي، دون افتعال أو استعراض، بما يعكس عمق التداخل الثقافيّ والدينيّ في المجتمع المصريّ. هكذا ترسم الرواية صورة لعلاقة وطنية ناضجة، تشكّلت تاريخيًا في مجتمع متلاحم، قبل أن تتعرّض لاحقًا للتشويه تحت وطأة خطابات التمييز والفرز الطائفيّ.

هكذا لا تبدو زهر الخريف مجرد رواية عن زمن مضى أو حرب انتهت، بل نصًا يستعيد لحظة نادرة من الوعي الجمعيّ المصريّ، حين تخلّقت اللحمة الوطنية بوصفها فعل حياة لا شعارًا عابرًا. ففي قلب الخريف التاريخي القاسي، حيث الهزيمة والفقد والانتظار الطويل، تنبت أزهار صامتة من التضامن والمشاركة والمصير المشترك، لتعلن أن الوطن يُعاد بناؤه أولًا في الوجدان قبل أن يُسترد على الخرائط. ومن خلال القرية الصغيرة، يذكّرنا عمَّار علي حسن بأن الربيع الحقيقي لا يأتي دفعة واحدة، بل يتشكّل ببطء في العلاقات الإنسانيّة، وفي القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والانكسار إلى قوة، والاختلاف إلى طاقة جامعة. بذلك تغدو الرواية شهادة أدبيّة على زمن كانت فيه اللحمة الوطنيّة ممكنة وطبيعيّة، وزهر الخريف فيه وعدًا بربيعٍ لا يزال الوطن في أمسّ الحاجة إلى استعادته.

في المجمل، تقدّم “زهر الخريف” قراءة إنسانيّة للتاريخ الوطنيّ، من خلال عدسة القرية المصريّة، مؤكدة أن الوطن لا يُبنى فقط في ساحات القتال، بل في العلاقات اليوميّة الإنسانيّة البسيطة، وفي القدرة على تحويل الألم المشترك إلى معنى، والهزيمة إلى أفقٍ مفتوح على الأمل والانتصار.

 

راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس، القاهرة. باحث في التراث العربيّ المسيحيّ

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع