حامد محضاوي
عَرَبِيٌّ أَنَا
أُعْرِبُ عَنْ وَجَعٍ بِصِيغَةِ الجَمْعِ،
تَسْحَبُنِي الأَزْمِنَةُ المُعَلَّقَةُ فِي خُيُوطِ العَنَاكِبِ،
وَتَنْسَانِي كُلُّ اللُّغَاتِ إِذَا نَطَقْتُ اسْمِي..
لِي فَسَائِلُ كَانَتْ تَتَنَهَّدُ فِي التُّرَابِ،
أَتَاهَا الحَطَّابُونَ بِأَنَاشِيدَ مِنْ صَفِيحٍ،
ثُمَّ قَالُوا: هَذَا وَطَنٌ يُشْبِهُ القَبْرَ لَكِنَّهُ أَوْسَعُ
أَنَا العَرَبِيُّ الَّذِي نُفِيَ مِنِ اسْمِهِ،
وَعَادَ عَلَى هَيْئَةِ غَرِيبٍ يَحْتَطِبُ مِنْ فُتَاتِ الخَرِيطَةِ،
أَرَى نَشِيدَ البِلَادِ يُعَدُّ عَلَى لَحْنِ المَدَافِعِ،
وَتُرْقَعُ الأَيَّامُ بِشَظَايَا النَّجَاةِ…
هَذَا القَصِيُّ فِي جُرْحِي
يَتَّسِعُ كَأَرْخَبِيلٍ مِنَ الخُذْلَانِ،
كُلُّ سُنْبُلَةٍ تَسْأَلُنِي: أَيْنَ فَمُكَ؟
كُلُّ شَهْقَةٍ تَنْقُشُ جُرْحَهَا بِاسْمِي…
يَا صَدَى الشِّعْرِ،
خُذْ بَقَايَايَ إِلَى مَقَامِ الكَلِمَةِ،
وَاغْسِلْنِي بِمَجَازٍ لَمْ تَفْسُدْهُ النَّشَرَاتُ،
فَأَنَا مَا زِلْتُ أُعْرِبُ عَنْ أَسَفِي
بِفِعْلٍ نَاقِصٍ وَجُمْلَةٍ لَا تَنْتَهِي
أَنَا آخِرُ النَّاجِينَ مِنْ لُغَةٍ
تَتَلَعْثَمُ كُلَّمَا نَادَتْنِي أُمِّي،
كُلَّمَا كَتَبْتُ “سَلَامًا”
جَاءَنِي الرَّدُّ عَلَى هَيْئَةِ إِنْذَارٍ
أَوْ رَقْمِ مِلَفٍّ فِي وِزَارَةِ الصَّمْتِ
أَنَا الَّذِي لَا ظِلَّ لَهُ فِي التَّرْجَمَةِ،
أُعَلِّقُ تَعْرِيفِي فِي الهَوَاءِ:
“لَاجِئٌ”…
أَلْبَسُ اسْمِي كَمَا تَلْبَسُ البِلَادُ خَيْبَتَهَا
أَنَا العَرَبِيُّ، نَعَمْ
لَكِنِّي أَحْمِلُ أَسْمَاءَ الغَرْقَى
أَحْمِلُ مَفَاتِيحَ لَا أَبْوَابَ لَهَا،
وَصُوَرًا مُشَوَّشَةً لِأَوْطَانٍ صَارَتْ نَشَرَاتٍ جَوِّيَّةً
أَكْتُبُ الآنَ مِنْ مِنْطَقَةٍ رَمَادِيَّةٍ،
حَيْثُ لَا النَّصْرُ نَصْرٌ
وَلَا الهَزِيمَةُ هَزِيمَةٌ،
فَقَطْ هَذَا الارْتِبَاكُ الفَادِحُ فِي التَّنَفُّسِ
أَغْسِلُ وَجْهِي بِحِبْرِ العَنَاوِينِ،
أُرَتِّبُ خَيْبَتِي فِي جِرَارِ الذاكرة،
وَأَتْرُكُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ
ظِلًّا لِعِنَاقٍ أَجَّلَهُ الغَزْوُ
أُرِيدُ نَشِيدًا يَشْفِي،
لَا يُؤَذِّنُ بِالرَّصَاصِ،
قَصِيدَةً تَضُمُّنِي،
تَنْسَجُنِي مِنْ لُغَةٍ لَا تَسْأَلُ: مَا دِينُكَ؟
أُرِيدُ صَدِيقًا
يَرْبِتُ عَلَى أَحْزَانِي…
ثُمَّ يَمْضِي كَغَيْمَةٍ
لَا تُفَسِّرُ المَطَرَ
وَإِذَا سَأَلْتَنِي: مَنْ أَنْتَ؟
سَأَقُولُ:
أَنَا الَّذِي كَتَبُوا فِي جَبِينِهِ نَجَاةً،
ثُمَّ صَلَبُوهُ فِي تَقرِيرِ الهُوِيَّةِ
أَنَا العَرَبِيُّ،
تَقْرَؤُنِي الأَرْضُ كَمَا يُفَسِّرُ العَرَّافُ رَمْلَ النَّبَأِ المُبْهَم،
كُلُّ خُطْوَةٍ أَخْطُوهَا تَفْتَحُ كَهْفًا،
وَكُلُّ سُؤَالٍ يُورِثُنِي ضَيَاعًا
مِنْ حَلْقِ زَرْقَاءِ اليَمَامَةِ
أُبْصِرُ مَا لَا يُرَى،
وَلَكِنْ… مَنْ يُصَدِّقُ النَّاجِينَ مِنْ نُبُوءَاتٍ كُسِرَتْ؟
أَنَا ابْنُ جِلْجَامِشَ حِينَ أَضَاعَ عُشْبَ الخُلُودِ،
وَحَفِيدُ الحُسَيْنِ فِي المَفْرَقِ،
حَيْثُ يَتَشَابَكُ الدَّمُ وَالرُّؤْيَا.
أَنَا أَيُّوبُ الَّذِي تَخَلَّى عَنْ صَبْرِهِ،
وَاتَّخَذَ الشِّعْرَ سَبِيلًا
لِمُجَادَلَةِ اللهِ بِأَدَبٍ يَنْزِفُ
فِي دَفَاتِرِ ابْنِ رُشْدٍ
لِي هَوَامِشُ نَجَتْ مِنْ مِقَصِّ الرَّقَابَةِ،
وَفِي المُعَلَّقَاتِ…
أَجْرَاسٌ تَاهَتْ بَيْنَ قَافِيَتَيْنِ
لَمَّا انْقَلَبَتِ القَبِيلَةُ دَوْلَةً،
وَالشَّاعِرُ بَوْقًا لِإِنْذَارِ المَلِكِ
أَحْمِلُ سَيْفَ الزِّيرِ المُنْسِيِّ،
لَكِنِّي لَا أُقَاتِلُ
أُعَلِّقُهُ عَلَى جِدَارِ اللُّغَةِ كَذِكْرَى
لَا تُجِيدُ الحَرْبَ
وَلَا تُوَاسِي السَّلَامَ
وَفِي يَدِي لَوْحٌ مِنْ أَلْوَاحِ نُوحٍ،
أَكْتُبُ عَلَيْهِ أَسْمَاءَ مَنْ لَمْ يَصْعَدُوا…
وَأَبْكِي عَلَيْهِمْ بِصَمْتٍ
أُصَلِّي فِي ظِلِّ النَّخْلَةِ،
وَأَجْهَرُ بِسِرِّ المَحْوِ كَالْحَلَّاجِ،
أُكَفِّرُ عَنْ يَقِينٍ أَعْيَانِي،
وَأُجْلَدُ بِالقَافِيَةِ،
حَيْثُ تُصْدِرُ الفَتْوَى مِنْ فَمِ العَارِضَةِ
لَمْ يَكْتُبْ عَنِّي البُخَارِيُّ حَدِيثًا،
نِمْتُ طَوِيلًا عَنْدَ الفَجْرِ،
وَأَيْقَظْتُ المَسَاءَ بِأَسْئِلَةٍ
تَنْسِفُ مَا بَقِيَ مِنْ سُجُودِي
وَفِي “دَلَائِلِ الإِعْجَازِ”
لَمْ أَجِدْ بَلْسَمًا
لِقَصِيدَةٍ بَكَتْ
حِينَ رَتَّلَتْهَا البَنَادِق
أَنا العَرَبِيُّ،
آخِرُ الغارِقِينَ في رَسائِلِ الغُفْرانِ،
يَحْجُبُنِي السَّجَّانُ عَنِ المِعْراجِ،
ويُلَقِّنُنِي عِبادَةَ السُّلْطَةِ،
كَمَا عُبِدَتِ الأَصْنامُ
فِي جَاهِلِيَّةٍ تُعيدُ نَفْسَها بِبُذْخٍ مُعاصِرٍ
أَنا المُعَلَّقُ
بَيْنَ فَصاحَتِهِمْ… وَعُيِّي،
أَحْمِلُ شَكَّ الغَزّالِيِّ فِي صَدْرِي،
وأَخْطُو عَلَى جَمْرِ الكَلِماتِ
بِميزانِ التَّوْحِيدِيِّ،
كَأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ صِراطٌ،
وَكُلَّ اسْتِعارةٍ شُبْهَةٌ،
فَكَيفَ أَعْبُرُ
وَلا يَحْتَرِقُ لِسَانِي؟
فِي قَلْبِي نُسَخٌ مِن الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ،
لَكِنِّي لا أَفْتَحُ إِلَّا أَبْوابًا مُوصَدَةً،
وَلا أَلْقَى إِلَّا حُرّاسًا
يَخافُونَ الرُّؤْيا فِي عُيُونِ ابْنِ عَرَبِي،
وَيَرْفُضُونَ نُورًا
لا يَمُرُّ مِن “فَلاتِرِهِمْ”
أَنا العَرَبِيُّ،
لَكِنِّي لا أَعْلَمُ:
هَلْ أَنا…
أَمْ مُجَرَّدُ ضَمِيرٍ مَرْفُوعٍ بِالخُذْلانِ؟
كَأَنِّي صَدَى لِلسَّهْرَوَرْدِيِّ حِينَ قالَ:
“قَتَلَنِي النُّورُ”،
وأَنا…
قَتَلَنِي ظِلُّهُ،
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطِيقُوا ضَوْءَهُ فِي العَتْمَةِ،
مُنْذُ باعُوا الذَّاكِرَةَ فِي سُوقِ الأَنْدَلُسِ،
وأَنا أَبْحَثُ عَنْ قُرْطُبَةٍ لَمْ تَسْقُطْ بَعْدُ،
عَنْ غَزالٍ لَمْ يُذْبَحْ فِي حَدائِقِها،
عَنْ صَوْتِ زِرْيابَ
قَبْلَ أَنْ يُكَمِّمَهُ النَّفْيُ
أَنا العَرَبِيُّ،
وَلَمْ أَعُدْ أَبْحَثُ عَنْ خَلاصٍ
لا فِي الشَّرِيعَةِ،
وَلا فِي بَلاغَةِ الكُهّانِ،
وَلا أَرْجُو المَعْنَى
مِن نُدُبِ الأَنْبِياءِ،
أَوْ بَقايا الرُّواةِ
كُلُّ صَحْراءٍ مَشَيْتُها
أَنْجَبَتْ فَصاحَةَ الوَجَعِ
قالوا: “اُكْتُبْ عنِ البُطولَةِ”
فَكَتَبْتُ عن أُمٍّ
تَبيعُ الخُبزَ في وَجْهِ النّارِ
قالوا: “غَنِّ المَجْدَ العَرَبِيَّ”
فَغَنَّيْتُ قَلَقَ أَبِي،
وَهُو يُفَتِّشُ عن وَظِيفَةٍ
في دَوْلَةٍ بلا وِزارَةٍ لِلكَرامَةِ
أَنا صَوْتُ الَّذِينَ صَمَتُوا،
كَيْ لا يُوقِظُوا الوَحْشَ النَّائِمَ
في المِيتافِيزِيقَا
أَنا العَرَبِيُّ،
وَإِنْ مَزَّقُونِي إِلى “تَرِكَاتٍ”،
سَأَجْمَعُنِي في قَصِيدَةٍ
لا تَقْبَلُ التَّأمِيمَ،
وَلا تَمُوتُ في طَبَعاتِ الوِزارَةِ
أَنا العَرَبِيُّ،
لا أَخْتِمُ شِعْرِي إِلّا بِلَعْنَةِ البَدْءِ،
وَلا أُؤْمِنُ بِالنِّهايَةِ
إِلّا إِذَا جاءَتْ نَخْلَةً
تُثْمِرُ في المَعْنَى
أَنا العَرَبِيُّ،
خارِجُ النَّصِّ وَالمَنْفَى،
ابْنُ سُلالاتٍ
أَسْكَتُوها حينَ اخْتَرَعُوا التَّارِيخَ
لَمْ تَلِدْنِي “عَدَنٌ”،
وَلا “الحِيرَةُ”،
بَلْ وُلِدْتُ في الفاصِلِ
بَيْنَ نَشْرَتَيْنِ،
في صَمْتِ المُراسِلِ،
حينَ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ
عَدَدَ الشُّهَدَاءِ في الخَبَرِ العاجِلِ
أَنا الَّذِي سَقَطَ عن ظَهْرِ التَّارِيخِ
كَمَا يَسْقُطُ الحَرْفُ
مِن سُورَةٍ نُسِخَتْ على عَجَلٍ
أَرانِي في أُسْطُورَةِ “جِلْجامِش”،
لَكِنْ بِلا “إِنْكِيدُو”،
وفي المَلَاحِمِ،
لَكِنْ دُونَ سَيْفٍ
أَوْ وَتَرٍ يَبْكِي على بَوّابَاتِ “أُور”
أَنا العَرَبِيُّ،
أُدْمِنُ الأَسْمَاءَ كَيْ لا أُنْسَى،
وَأَحْمِلُ في قَلْبِي
خَرِيطَةً مُمَزَّقَةً
لِكُوفَةٍ لَمْ تُصَلِّ،
وَلِأَنْدَلُسَ
ما زالَتْ تُغَنِّي
في مَهَبِّ العُودِ الخائِفِ
دَعُونِي أُكْمِلُ اسْمِي كَمَا أَشَاءُ،
دَعُونِي أَكْتُبْ “أَنا”
دُونَ وِصَايَةٍ مِنَ القافِيَةِ،
وَلا رَقابَةٍ مِنَ الفِقْهِ
فَلَعَلَّ الرَّمْلَ إِذَا هَدَأَ،
تُولَدُ مِن هذا النَّصِّ مَدِينَةٌ
لا يُهَجَّرُ فيها الحَرْفُ،
وَلا تُنْفَى الفِكْرَةُ
أَنا العَرَبِيُّ،
الَّذِي سَكَنَ جِراحَ الذَّاكِرَةِ
كَمَا تَسْكُنُ الغُرْبَةُ في الجَسَدِ العَتِيقِ
أَنا الَّذِي أَراهُ فَتًى في دِمَشْقَ،
وَشَيْخًا في بَغْدَادَ،
وَلا أَبْحَثُ عن وَجْهِي في المِرْآةِ،
فَصَوْتِي تَكَوَّنَ في زَمَنٍ حَيٍّ
قَبْلَ أَنْ أَتَعَلَّمَ أَنْ أُصْغِيَ
أنا العَرَبِيُّ،
ما زِلْتُ أَبْحَثُ عنِ التَّكْوِينِ،
عن تَوْحِيدِ الْكَلِمَةِ
في جِدٍّ لا يَدُومُ،
وفي عَبَثٍ لا يُشْفَى
أَتَمَنّى أَنْ تَنْشَقَّ الأرْضُ
وَتَنْبَثِقَ مِنْها أَجْنِحَتِي،
لَكِنَّنِي أَظَلُّ مُعَلَّقًا
في أُفُقٍ يُعِيدُ تَكْرارَ نَفْسِهِ
أُكْمِلُ سَيْرِي في الظِّلالِ،
في أُفُقٍ لا يُراوِدُنِي،
أَحْمِلُ نَفْسِي على ظَهْرِي،
وأَقْتاتُ مِنْ حُرُوفٍ
ما زالَتْ تَلْمَعُ
مِنْ بَيْنِ الرَّمادِ،
وكُلَّما رَفَعْتُ رايَةً،
تَساقَطَتْ عَلَيْها
أَمْطارُ الدِّماءِ
أنا الَّذِي حَمَلْتُ بَغْدادَ في دَمِي،
كَمَا يَحْمِلُ النَّخْلُ جُذورَهُ
في عَصْفِ الزَّوابِع
وسَمِعْتُ صَدَى الْحَلّاجِ
يُرَتِّلُ في قَلْبِي:
“أنا مَن أَهْوَى، ومَن أَهْوَى أنا”،
فَهَمَسْتُ:
لَعَلِّي ما زِلْتُ حَيًّا
في رَغِيفٍ لَمْ يُخْبَزْ بَعْدُ،
وفي آيَةٍ لَمْ تُنْزَلْ
أنا العَرَبِيَّ،
ورَأْسِي ما زالَ
يُنْشِدُ في ساحَةِ الْحَلّاجِ:
“اقْتُلُونِي يا ثِقاتِي”
لَكِنْ لا أَحَدَ يَسْمَعُ
إِلَّا الصَّدَى،
ولا أَحَدَ يَرْجُمُ
إِلَّا الْقَصِيدَةَ
في ضُلُوعِي
حِبْرٌ مِنِ ابْنِ عَرَبِيٍّ،
يَمْشِي إِلَيَّ
بِسُؤَالِهِ الْعارِي:
“الرُّؤْيَةُ، أَهِيَ الْمَرْئِيُّ
أَمِ الرَّائِي؟”
فَأَهْمِسُ لَهُ:
نَحْنُ الْمِرْآةُ الْمَكْسُورَةُ،
والضَّوْءُ التّائِهُ
في شَظايَاهَا
مَفاتيحِي
مَصْلوبَةٌ على أَسْوارِ حَيْفا،
وصُورَتِي شَمْسِيَّةٌ
تَتآكَلُ في جَيْبِ غائِبٍ
أَوْصانِي أَنْ لا أَنْسَى،
لَكِنِّي نَسِيتُ
كَيفَ تُنْطَقُ الذَّاكِرَةُ
أَخَذْتُ لُغَتِي
مِن أَفْوَاهٍ جَفَّتْ،
وَاسْتَعَرْتُهَا مِن أَنْدَلُسٍ
عَلَّقَهَا زِرْيَابُ
عَلَى وَتَرٍ
لَمْ تُلَامِسْهُ الأَصَابِعُ
مُنْذُ أَلْفِ عَامٍ
فِي جَوْفِي
بَقَايَا ابْنِ رُشْدٍ،
يَشْرَحُ لِي
كَيْفَ يُحَاكَمُ النُّورُ
فِي حَضْرَةِ الظِّلِّ،
وَيَقُولُ:
“الْحَقُّ لَا يُضَادُّ النَّقْلَ،
لَكِنَّ النَّقْلَ
كَثِيرًا مَا يُصَادِرُ الْحَقَّ.”
أَحْمِلُ فِي دَفْتَرِي
رُؤَى السَّهْرَوَرْدِي،
وَأَرَى نَفْسِي
أَمْشِي بَيْنَ أَنْوَارٍ
تَفِرُّ مِن أَصَابِعِي،
كَأَنَّ الْحَقِيقَةَ
طَيْفٌ
لَا يُمْسَكُ إِلَّا بِالشَّوْقِ
أُرَتِّلُ مَعَ رَابِعَةَ
عِشْقًا بِلَا سَبَبٍ،
وَأَقُولُ لِلْهَوَى:
مَا عَبَدْتُكَ خَوْفًا وَلَا طَمَعًا،
بَلْ لِأَنَّكَ النَّارُ
الَّتِي تُطَهِّرُنِي
مِنَ الْمَعْنَى الْفَارِغِ
لُغَتِي
مَشْقُوقَةٌ بَيْنَ سَيْفٍ وَكَفٍّ،
كُلَّمَا كَتَبْتُ حَرْفًا
خَرَجَتْ مِنْهُ بِلَادٌ مَكْسُورَةٌ،
وَصَرْخَةُ أُمٍّ
لَا تُتَرْجِمُهَا الْقَوَامِيسُ
كُلَّمَا نَادَيْتُ بَيْتًا،
أَجَابَنِي الْخَرَابُ
مِنْ خَلْفِ الْجِدَارِ،
فَأَبْنِي عَلَى الرُّكَامِ مَنَارَةً،
وَأُعَلِّقُ فَوْقَهَا
قَمِيصَ يُوسُفَ،
وَآيَةً مِنْ طهٰ
أَنا العَرَبِيُّ،
وفي حَنجَرَتي شَيءٌ مِن مَحمودٍ،
يُرَتِّلُ: “سَجِّلْ، أَنا عَرَبِيٌّ”،
لكِنَّ الحِبرَ تَغَيَّرَ،
والسِّجِلَّاتِ الآنَ
تُبصِمُها آلاتُ المُراقَبَةِ
مَنفاَيَ يَتلُوهُ سَعدي يُوسُف
كَغَيمٍ لا يَتَّجِهُ،
يَكتُبُ لي مِن لَندَن:
“يا هذا… مَتى تَعودُ؟”
ولا أَعرِفُ إِن كُنتُ يَومًا
قَد ذَهَبتُ
في ضُلُوعي تَنهِيدَةُ فَدوَى،
كُلَّما رَفَعتُ رَأسي،
صَفَعَني جِدارٌ أَو جُنديٌّ،
فَأَكتُبُ على الهَوَاءِ:
“وَطَني أَكبَرُ مِن قَفَص”
في أَورِدَتي بَقايَا غَسَّان،
رَأَيتُهُ يَنفُثُ قَصيدَةً في بُندُقيَّةٍ،
ثُمَّ يَقولُ:
“لَستُ حالِمًا… لَكِنَّني لا أُسَلِّم”
في جُيُوبِي فُتاتُ نَصٍّ
نَسِيَهَ أَدُونِيسُ عَلَى دَرَجِ الحَدَاثَةِ،
يَمْشِي بِلا زَمَنٍ،
ويَقُولُ لِي:
“كُلُّ شَيءٍ بَدَأ… وَلَمْ يَبْدَأْ”
أتَعَثَّرُ بِنُونِيَّاتِ نِزَارٍ،
وبِدَفَاتِرِ مُظَفَّرٍ
الَّتِي تَشْتُمُ الصَّمْتَ كَأَنَّهُ خِيَانَةٌ،
كُلُّ شَاعِرٍ فِي دَمِي
هُوَ مِندِيلُ وَدَاعٍ
أُلَوِّحُ بِهِ لِنَفْسِي
أنا العَرَبِيُّ،
وفي شَرَايِينِي دِمَاءُ إِخْوَةٍ،
تَصْرُخُ فِي وَجْهِ الحِينِيِّ:
“نَحنُ أَبْنَاءُ مَوَاعِيدَ لَمْ تَأْتِ”،
فَأَجْمَعُ الخُذْلَانَ
كَمَنْ يَجْمَعُ الحَطَبَ لِعَشَاءٍِ لَنْ يُطْبَخَ
في صَوْتِ رِيمِ البَنَا
أَبْحَثُ عَنِّي،
فَتَدُلُّنِي عَلَى خَرِيطَةٍ مِنْ نُدَبٍ،
مِنْ بُيُوتٍ انْهَارَتْ
وأَسْمَاءٍ لَمْ تَكْتَمِلْ
إِلَّا عَلَى لَوْحِ قَبْرٍ
أنا العَرَبِيُّ… الإٍنْسَانِيُّ
وفي ذَاكِرَتِي صَرْخَةُ لُورْكَا،
يَسْتَفِيقُ فِيهَا الغِيتَارُ
عَلَى طَيْفٍ مِنَ الدَّمِ،
يَرْقُصُ عَلَى جَسَدِ إِسْبَانْيَا
كَمَا تَرْقُصُ أَوْطَانُنَا عَلَى حَدِّ البُنْدُقِيَّةِ
وفي دَاخِلِي مَشْهَدٌ مَسْرَحِيٌّ نَاقِصٌ
أَعَادَهُ دَارْيُو فُو
وحَرَّرَهُ آرْتُو بِالنَّارِ،
فَصَعِدْتُ عَلَى الخَشَبَةِ،
أَبْحَثُ عَنْ جُمْلَةٍ أُولَى
وَلَا يَسْبِقُنِي إِلَّا الصَّمْتُ وَالعَرَقُ
أَنَا العَرَبِيُّ… الإِنْسَانِيُّ
وَفِي جَيْبِ سُتْرَتِي خَرِيطَةٌ رَسَمَهَا كَافْكَا،
مَتَاهَةٌ بِلَا مَخْرَج،
وَلَكِنَّ “جْرِيجُورْ سَامْسَا”
كَانَ صَدِيقِي فِي العُزْلَة،
نَتَبَادَلُ الصَّمْتَ…
وَنَتَقَاسَمُ الهَزِيمَةَ
أَنَا العَرَبِيُّ… الإِنْسَانِيُّ
وَفِي سَقْفِي نَرْدٌ رَمَاهُ إِيتَالُو كَالْفِينُو،
فَتَبَعْثَرَتِ الِاحْتِمَالَات،
وَصَارَ المَعْنَى لُعْبَةً
تَلْعَبُهَا المَدِينَةُ
عَلَى جُثَّةِ الشِّعْرِ
أنا العَرَبِيُّ،
قَصِيدَتِي تَتَعَثَّرُ بِالحَوَاجِزِ،
تُفَتَّشُ مِثْلَ جَسَدِي،
ويُسْأَلُ الحَرْفُ فِيهَا:
هَلْ تَحْمِلُ سِلَاحًا؟
فَأَقُولُ: نَعَمْ،
وَلَكِنَّهُ مُجَرَّدُ سُؤَالٍ
أنا العَرَبِيُّ،
وعلى جَبِينِي وَصِيَّةٌ مِنَ الخُرْطُوم،
ودَمٌ لَمْ يَجِفَّ عَلَى جِدَارٍ
كَانَ اسْمُهُ بَيْتًا
وَصَوْتُ دَرْوِيشَ فِي أُذُنِي:
“عَلَى هٰذِهِ الأَرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ”،
وَلَكِنِّي لَا أَرَاهَا…
أَيْنَ هِيَ؟
فِي أَيِّ سَطْرٍ
أُخْفِيهَا؟
أَنَا العَرَبِيُّ،
وَفِي مِعْطَفِي صُورَةُ خَلِيلِ حَاوِي،
انْتَحَرَ عَلَى دَرَجِ بَيْرُوت،
حِينَ خَانَتِ القَصِيدَةُ القَذَائِفَ،
وَقَالَ الرَّصِيفُ:
لَيْسَ لِلأَنْبِيَاءِ بَعْدَ الآنَ غَيْرُ الخَسَارَةِ
أَنَا العَرَبِيُّ،
أَخْطُو فَوْقَ جُثَّةِ المَعْنَى،
أَقُولُ لِلْقَصِيدَةِ:
كُونِي خَيْمَةً
أَوْ شَاهِدَ قَبْر،
وَلَكِنْ لَا تَكُونِي نَشِيدًا يُنْسَى
عَلَى أَفْوَاهِ الجُنُودِ
أَنَا العَرَبِيُّ،
أَغْسِلُ اسْمِي كُلَّ صَبَاحٍ
مِنْ شَوَائِبِ التَّارِيخِ،
أُنَشِّفُهُ عَلَى حَبْلِ الغُفْرَان،
ثُمَّ أُعَلِّقُهُ عَلَى كَتِفِ اللُّغَةِ
كَثَوْبٍ لَمْ يُفَصَّلْ لِقِيَاسِ المَوْتَى…
أنا العَرَبِيُّ،
أَخْجَلُ مِن ظِلِّي
لِأَنَّهُ يُذَكِّرُنِي أَنَّنِي ما زِلْتُ واقِفًا،
أَتَنَفَّسُ بِاسْمِ قَوْمٍ
باعُوا آخِرَ فاصِلٍ بَيْنَ القُدْسِ وَالمِيلادِ
أنا العَرَبِيُّ،
وفي ذاكِرَتِي مِلْحُ غَزَّةَ،
وَغُبارُ صَنْعاءَ،
وَصَرْخَةٌ عَلَّقَتْها شيرينُ أَبو عاقِلَةَ
في الهَواءِ الأَخيرِ،
لِتَكونَ نَشيدَ مَنْ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ
أنا العَرَبِيُّ،
ولي في كُلِّ جُرْحٍ نَصٌّ مُؤَجَّلٌ،
وفي كُلِّ مَنْفًى نايٌ يَتيمٌ،
وفي كُلِّ قارِبٍ
عَيْنٌ تَتَرَقَّبُ…
وقَلْبٌ يُسْقِطُ الحُدودَ
لِيَصيرَ هُوَ البَحْرَ
أنا العَرَبِيُّ،
لا أَمْلِكُ سِوى هَذا الدَّمْعِ
لِأَغْسِلَ بِهِ شَوارِعَ يافا،
ولا أُغْنِيَةَ لِي
إِلّا نَشيدٌ مَبْتورٌ
يَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ في سُلَّمٍ ناقِصٍ
أنا العَرَبِيُّ،
وفي رِئَتَيَّ غُبارُ مَرْفَأِ بَيْروتَ،
ذاكَ الَّذِي لَمْ يُفَجِّرِ الميناءَ فَقَطْ،
بَلْ فَجَّرَ القَصائِدَ
أنا العَرَبِيُّ،
ولَمْ أَنْسَ نَكْسَةَ [سَبْعَةٍ وَسِتِّينَ]،
لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكْتُبَ عَنِ الهَزيمَةِ
دونَ أَنْ أَطْلُبَ الصَّفْحَ
الهَزيمَةُ صارَتْ دَفْتَرِي،
وأَكْتُبُ عَلَيْها أَسْماءَ الَّذِينَ
قُتِلُوا في زِنْزانَةٍ بِلا قَمَرٍ
أنا العَرَبِيُّ،
ورَأَيْتُ أَطْفالَ سورِيَا
يَكْبُرونَ في خِيامٍ
لا تَقِيهِم مِنَ الذِّكْرَى.
واستَمَعْتُ إِلَى الأَنْدَلُسِ،
وَهِيَ تُسْقِطُ مَفاتيحَها في النَّهْرِ،
وَتَقولُ:
“الذَّاكِرَةُ لا تَموتُ.. لَكِنَّها تَبْصُقُ عَلَيْنا أَحْيانًا.”
أنا العَرَبِيُّ،
وسَمِعْتُ عَن فَرَجِ فُودَةَ،
وكَيْفَ أُطْفِئَتْ فِيهِ شَمْعَةُ العَقْلِ
في شارِعٍ اسْمُهُ الحُرِّيَّةُ،
وسَأَلْتُ نَوالَ السَّعْداوي
إِنْ كانَتِ النّارُ تُحْرِقُ الفِكْرَةَ؟
قالَتْ: أَبَدًا.
لَكِنَّها تُطَهِّرُها
أنا العَرَبِيُّ،
وفي دَفاتِرِي القَديمَةِ
ما يَكْفِي لِصِياغَةِ نَشيدٍ بِلا عَلَمٍ،
ولا نَشيدَ لِي
إلّا ما رَقَصَتْ عَلَيْهِ النِّساءُ
في دَيْرِ ياسِين…
والرِّجالُ مَوْتَى عَلى أَعْتابِ المَنافِي
أنا العَرَبِيُّ،
وأَعْرِفُ عَدَدَ الطَّلَقاتِ في ظَهْرِ ناجي العَلِي،
كُلُّ رَصاصَةٍ مِنْها
كانَتْ تَوْقيعًا
مِنْ حاكِمٍ بِلا وَجْهٍ
أنا العَرَبِيُّ،
مَرَرْتُ مِن هُناكَ،
حَيْثُ وُلِدَتْ فِلَسْطينُ
في مَنْديلِ أُمِّي،
وحَيْثُ اخْتَبَأَ العاشِقُ في صَوْتِ فَيْرُوز
كَيْ لا تَعْتَقِلَهُ العَناوِينُ
أنا العَرَبِيُّ،
وأَحْفَظُ سِيَرَ الثَّوْراتِ المَهْزُومَةِ
كَمَا تَحْفَظُ الجَدّاتُ سورَةَ الكَهْفِ،
وفي حَنْجَرَتِي غُصَّةٌ
مِنْ عَهْدِ الحَلّاجِ
إِلَى اسْتِشْهادِ شكري بلعيد،
وفي قَلْبِي قَلَقٌ
مِن سَقيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ
إِلَى نقاش في ساحَةِ التَّحْرِيرِ
أنا العَرَبِيُّ،
أَعُدُّ العُمْلَاتِ قَبْلَ رُكُوبِ الحافِلَةِ،
أَخْشَى أَنْ يَنْقُصَنِي دينارٌ
فَأُهَانَ في نَظَرِ السّائِقِ
وتُسْرَقَ مِنِّي آخِرُ بَقايا كَرامَتِي
أنا العَرَبِيُّ،
أَقِفُ في الصَّفِّ
أَمامَ مَصْلَحَةٍ حُكُومِيَّةٍ
كَأَنَّنِي أَقِفُ عَلى حُدودِ “سايكس-بيكو”،
أُراجِعُ أَوْراقِي،
كَأَنَّ اسْمِي تُهْمَةٌ
أنا العَرَبِيُّ،
أُشاهِدُ الأَطْفالَ يَلْعَبُونَ
بَيْنَ الرُّكامِ،
واحِدٌ يَصْنَعُ دَبّابَةً مِن طِينٍ،
وآخَرُ يَرْسُمُ عَلَمًا
بِالطَّباشِيرِ فَوْقَ قَبْرِ أَخِيهِ
أنا العَرَبِيُّ،
أُراوِغُ شُرْطِيًّا في ساحَةٍ،
لا لأَنَّنِي مُذْنِبٌ،
بَلْ لأَنَّنِي أَنْتَمِي لِلظِّلِّ،
والظِّلُّ مُشْتَبَهٌ بِهِ دائِمًا
أنا العَرَبِيُّ،
أَنْزِعُ اللَّافِتاتِ القَديمَةَ
مِن فَوْقِ جِدارِ غُرْفَتِي،
وأَكْتُبُ مَكانَها:
“شُغْل، حُرِّيَّة، كَرامَة وَطَنِيَّة”،
ثُمَّ أَضْحَكُ…
كَأَنَّنِي أَقْتَرِفُ نُكْتَةً مَمْنُوعَةً
أنا العَرَبِيُّ،
أَنْقُشُ اسْمِي عَلى جَسَدِي
ثُمَّ أَدْفِنُهُ في الرِّمالِ،
فَحينَ أَنامُ،
أَجِدُ كَلِماتِي بَيْنَ يَدَيَّ،
كَما لَوْ أَنَّها أَهْدَتْنِي الحُلْمَ
قَبْلَ أَنْ تَذُوبَ في المَدى
أنا العَرَبِيُّ…
… ولكن
أَرى في عُيُونِ الأَجْيالِ الجَديدَةِ
صُوَرًا ضَبابِيَّةً لأَزْمِنَةٍ ضاعَتْ،
لَكِنَّهُمْ يُمْسِكُونَ بِالسَّماءِ
كَمَا يُمْسِكُ الطِّفْلُ بِالكَلِمَةِ الأُولَى،
ويُؤْمِنُونَ أَنَّ الحُلْمَ لا يَسْقُطُ
حَتّى وإِنْ غابَتِ الشَّمْسُ
أنا تونِسِيٌّ…
أَنا العَرَبِيُّ بِدَمْعَةٍ جامِعَةٍ،
لَنْ أَنْسَى
أَنَّنِي مِنْ هَذا الطِّينِ،
هَذا المَدى،
وَهَذا الصَّوْتِ الَّذِي يَعودُ بَعْدَ أَنْ تَنْتَهِيَ الكَلِماتُ
…………….
*كاتب وناقد فنّي وشاعر تونسي












