طيف أروى.. وترميم الكينونات المتصدعة

mona al assasy

ماجد سنارة

الخجل من الألم، أكثر إيلامًا من الألم نفسه، فلا يمكن قراءة الأدب النسوي المعاصر بمعزل عن سياقات التهميش التي شكلت وجدان المرأة لقرون، ولا يمكن التغاضي عن حالات الصمت المستمرة عبر سنين طويلة عن الإفصاح عن الألم، باعتباره قد يؤدي للعار أو الفضيحة، خاصة في ظل مجتمع يضع المرأة في مرمى الاتهام دومًا، ليطرح النص الروائي الذي نحن بصدده بشجاعة وجرأة، تساؤلات وجودية حول ماهية الهوية الأنثوية في ظل العنف والتغييب، فالرواية ترصد وقائع الاضطهاد وتظهر كم المعاناة والتضييق المفروضين على الأنثى، وتتعمق وتغوص في أزمة الكينونة، وفي كيفية شعور المرأة بوجودها حين يكون التهميش هو قدرها المحتوم، فنحن نقف أمام تشريح دقيق لبنية القمع الاجتماعي، تنطلق الكاتبة من خلاله نحو التفاصيل الصغيرة حتى تصل للانفجار والمواجهة العنيفة بين الذات المقموعة والمجتمع الأبوي، لتكشف كيف يتحول العنف من فعل مادي ملموس إلى منظومة كاملة تفرض الحصار على المرأة وتدفعها نحو هوامش الحياة.

طيف أروى صالح:

اختيار أروى صالح الكاتبة المصرية التي انتحرت عام 1997م لم يكن بمحض الصدفة، وإنما كان تجسيدًا حيًا لشخصيات الرواية، تقاطعت حيواتهم معها، وكأن طيف أروى انبثق فيهم واختلط بواقعهم المعاش، فالكاتبة التي حاولوا إرغامها على الصمت رغم نضالها الكبير، قررت في النهاية الصراخ، الاعتراض، التمرد في وجه الجميع، وإن كانت تخلصت من جسدها، فقد بعثت روحها في ثنايا الرواية، لتمارس فعل الاعتراض مرة أخرى، ولتثبت أن فعل الصمت يذهب كل الحقوق، بما فيهم حق التنفس والوجود.

من الهامش إلى العنوان

جميع الشخصيات الروائية النسائية تقريبًا فرض عليهن الهامش، الاستمرار في الظل والخلفية، حيث يرتبط وجودهم بالرجل، وربما الكثيرات منهن كان من الممكن أن يرتضين بالوضع تحت دافع الحب أو الأمان أو كليهما، لكنهن أدركن الحقيقة: “حين تتخلى المرأة عن حريتها، تتخلى عن وجودها”، لذلك بدأت كل واحدة منهن في البحث عن الخلاص، بداية بشخصية “طيبة” الفنانة التشكيلية، التي ارتبطت بمراد، وارتضت في البداية أن تكون مثل الجرم الذي يدور في فلكه، أن تعيش دور التلميذة المخلصة لأستاذها والمحبة له كشريك، وقد مثلت الشخصية الكثير من التناقضات وعاشت في تخبطات كثيرة، خاصة إنها صورة معبرة لخيبة يناير، وما نتج عنها من إحساس بالعجز والتخبط والاكتئاب، وصل مع الوقت لحالة مازوخية نفسية تتماهى مع الواقع العاجز عن تغييره، وبما أن حبيبها رؤوف استشهد في الثورة، فقد ارتبطت بالنقيض منه، فإن كان رؤوف يمثل الملائكية والطهر، فمراد يعبر عن الدنس والشيطانية، ربما يعود ذلك في أعماق نفس طيبة أنها أرادت الانتقام من نفسها لإكمالها الحياة دون حبيبها، أو ربما أنها أرادت أن تمسخ نفسها وتعيش داخل دائرة العنف، لكن الصحوة تأتي دومًا من خلال الفن، وقد كان الفن بوصلتها وطريقها نحو التحرر من سطوة مراد والعودة إلى نفسها..

كذلك نموذج أنثوي آخر تمثل في فريدة، وهي نموذج حي وصادق عن معاناة المرأة التي لم تصل لشهادة عليا في الريف، حيث الحبس والاستغلال والعنف والاضطهاد، فريدة التي ذاقت الأمرين من زوجها عطية، الذي ينظر إلى المرأة كمتاع، أراد أن يكون صورة كاشفة للذكورية البغيضة من خلال التعامل مع زوجته كبهيمة، كأنه يعود بالزمن قرونًا وقرون، حتى تقرر فريدة الهرب، والقرار هنا نبع من حالة اليأس والاقتراب من الهلاك، هروب غريزي مرتبط بغريزة حب البقاء، قادها لأقاربها، وهم أهل “طيبة” بالمناسبة، لتوقظ طيبة الثائرة من سباتها، فأحيانًا عندما ترى نموذجًا تعرض لأسوأ مما تتعرض له، تتحول من حالة العجز والاستسلام، لحالة الثورة ودعم الأضعف وإيقاظ قواك الداخلية.

عبرت أيضًا الكاتبة عن نموذج “جيهان”، وهو النموذج الذي يطبق مقولة: “أكبر عدو للمرأة، المرأة”.

وهذا النموذج شائع في المجتمعات الجاهلة، نموذج تغذى وكبر على قيم عقيمة وأفكار مخزية، فذلك النموذج هو الذي يبرر عنف الرجل على المرأة بحجة أنه أخوها أو زوجها، وهو الذي يبرر تحرش الرجل بالمرأة بحجة لبسها، وهو الذي يبرر كل شيء قد يقتص من المرأة التي تقرر أن تختار حياتها وتكون المتحكمة فيها دون وصاية، نموذج ينفي الأهلية على بنات جنسها في التصرف واتخاذ القرار، بالتالي فهو نموذج يشرعن لبعض الأفعال الدنيئة، على الرغم أن هذا النموذج ضحية، ضحية التنشأة والوعي، ضحية الجهل والغباء، ضحية الاستغلال، فجيهان ضحية أخيها الذي زوجها لمراد، وضحيته عندما أعادها إليه بعد أن اعتدى عليها مراد، لكنها ضحية غارقة في الأذى، أذى نفسها، وأذى الآخرين، خاصة بعد هجومها وكراهيتها ليوسف الذي اقتص من الأب المعتدي/ مراد.

أما نموذج راما، فإن كانت تجسد الوجه القبيح للمرأة المستغلة، المرأة السلعة التي تستغل جمالها وأنوثتها في الشهرة وتحقيق المال والترقي الاجتماعي دون أي مبادئ أو قيم، لكنها من وجهة نظري تمثل الضحية من منظور آخر، فكون المرأة هنا تتعامل مع نفسها كسلعة وتتعايش مع ذلك فهذا يفرغها روحيًا ويجردها من إنسانيتها، ويخلق حالة من الخوف الدائم والقلق المزمن لأن هذا الجمال مرتبط بزمن، بالإضافة لانعدام ثقتها في الجنس الآخر الذي يتعامل معها كأداة، لذلك فهي ضحية لمجتمع يراها سلعة ويتعامل مع المرأة كجسد، ولو كان الجنس الآخر لا يرى ذلك في المرأة أو يتعامل معها من خلال هذا المنظور لما كانت هذه السلعة رائجة وما انطلقت من خلالها راما، لذلك فالوصف لراما اقتصر على الوصف الخارجي، المظهر الخداع والفرحة الزائفة دون النفاذ لروح ربما تتعفن من الداخل وقلب يرتعش من الخوف وعقل يحاول طوال الوقت أن يوقف الزمن قبل أن يحتل الجسد التجاعيد ويشيخ.

مراد والذكورية المطلقة

“لم يحتمل مراد شعوره بالدونية، وقف يدور حول نفسه، يهرب منها، كان السكين العاج الذي ورثه من والده يغازل عينيه من فوق رف المكتبة، الشيء الوحيد في التركة الذي لم يضطر إلى أن يتشاجر عليه مع بقية الورثة”.

أزمة مراد الحقيقة والأولى تنبع من إحساسه بالدونية والرفض، وهي أزمة الذكورية بشكل عام، الإحساس بالنقص وعدم اكتمال الذات، وعدم التصالح مع الضعف الإنساني أو الإخفاق بشكل عام، وعندما يخفق الرجل في علاقة ما فإنه يشعر بالتضاؤل، وربما يلعن كل الأسباب الخارجية، لكنه من الصعب أن يتصالح مع فكرة أن الخلل ربما صادر منه، حتى يستطيع تعديل سلوكياته والسمو بأفعاله، لذلك فهذا النموذج عندما يمتلك القوة أو السلطة، فإنه يفرغ كل عقده في الآخر، يضطهده ويعذبه ويحاول إذلاله، فأحيانا يكون الجلاد ضحية، ضحية نفسه أولًا، فمراد منذ البداية شخص يبدو مهزومًا، وتعرض لخذلان متكرر، حتى في زواجه من سارة، المرأة التي قدسها وجن بها، حتى وإن كان ذلك قد ارتبط بمفهوم الرفض، إلا أن المشاعر المتدفقة والتذكر المستمر ربما يظهر أن سارة كانت تمثل الفرصة الوحيدة لمراد لكي يتصالح مع ذاته ويشعر أنه مرغوب ويتخلص من العقد التي تراكمت داخله عبر السنين، ومع كل مرة يصادف فيها الرفض من سارة، كان يتحول لكائن همجي متوحش، كائن ينتقم من الحلقات الأضعف منه ويمارس عليهم كل أنواع السادية والاستغلال، سواء في زواجه من جيهان التي عاملها باحتقار وقسوة، أو حتى طيبة، وإن كانت علاقته بطيبة مثلًا من وجهة نظري إسقاطًا سياسيًا، لأن اسم طيبة مستمد من أشهر عاصمة في تاريخ مصر القديمة، ومراد اسم الغازي العثماني، وكأن الكاتبة أرادت إسقاط اسم مراد على السلطة بعنجهيتها وقسوتها، واسم طيبة هو تمثيل للوطن الضعيف العاجز.

التيه والخطيئة الأولى

“الخطيئة الأولى هي أهم لحظة في تاريخ البشرية، هي المسؤولة عن صنع كل هذا التيه، هذا الصراع الذي لا ينتهي، هي سبب كل الجمال والقبح داخلنا، وكأننا مرهونون جميعًا لنسدد ثمنها”.

فالإنسان يسدد تكاليف خطيئة لم يرتكبها بنفسه، لكنه ورثها عبر التاريخ، لم يتخلص منها، أو يتطهر بشكل كامل، وإنما في كل يوم يعاد إنتاجها، لتثبت أن أصل الحياة يتمثل في الخطيئة والصراع، الخطيئة التي يحملها آدم لحواء، كإشارة إلى تعلق مفهوم الخطيئة بالمرأة، رغم أن ذلك لم يثبت بأي شكل من الأشكال، لكنه تراث الذكورية للهيمنة على المرأة، ومن هذه الخطيئة الأولى التي وصمت بها حواء يتولد الصراع، وكأنها أيضًا هي سبب الصراع، لينتهي البشر في النهاية إلى التيه، لكن هل يوجد أي سبيل للخلاص غير قتل يوسف لأبيه؟ أو حبس فريدة لعطية؟

ربما في زمن آخر نجد الإجابات.

في نهاية المطاف، لا تبدو هذه الرواية مجرد سرد لحكايات نساء معذبات، لكنها بمثابة صرخة احتجاج، تجسدها روح أروى صالح التي لا تزال تحوم فوق صفحاتنا، تذكرنا بأن الصمت موت مع وقف التنفيذ، لقد استطاع النص الذي كتبته الأديبة مني العساسي” والصادر من خلال دار “بيت الحكمة” أن ينقلنا من ضيق الهامش إلى رحابة المواجهة، كاشفاً أن صراع طيبة مع مراد، وفرار فريدة من عطية، وحتى ضلال راما في بريق الزيف، ليست إلا محاولات فردية لترميم كينونة تهشمت تحت مطرقة مجتمع أبوي لا يرى في الأنثى سوى جسد أو تابع، وإن قتل يوسف لأبيه، أو تمرد النساء على سجانيهن، ليس حلاً جذرياً للخطيئة الأولى بقدر ما هو إعلان عن نهاية زمن الانصياع، فإذا كان التيه هو قدر الضحايا في واقع مأزوم، فإن الرواية تمنحنا بصيصاً من الضوء، مفاده أن الحرية تنتزع بالوعي، والفن، وبقدرة المرأة على استعادة اسمها من قبضة العدم، وكأن الكاتبة تقول لنا في الختام، إن طيف أروى بعث من جديد ليحثنا على استرداد حقنا في الوجود، وفي التنفس بملء الرئتين.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع