مراجعة وترجمة نصوص من كتاب: “نزهات مع روبير فالزير”

روبير فالزير

للصحافي والكاتب السويسري كارل سيليج

تقديم وترجمة: عثمان بن شقرون

يشرفني أن أقدّم للقارئ العربي ترجمة لمختارات من كتاب “نزهات مع روبير فالزير” (Promenades avec Robert Walser)  للكاتب والصحفي السويسري كارل سيليج karl Seelig  (1894-1962). هذا العمل ليس مجرد سجلٍّ للذكريات، بل نافذة فريدة على حياة وفكر أحد أبرز كتّاب الحداثة الألمانية في القرن العشرين، روبير فالزير (1878-1956)، الذي اختار الصمت الأدبي والعزلة الطوعية في مصحة الأمراض العقلية بهيريساو بسويسرا منذ عام 1933.

التقى كارل سيليج بروبير فالزير سنة 1936، حين كان هذا الأخير قد توقف عن الكتابة وخضع دون مقاومة للعلاج، وسرعان ما أصبح صديقه ووصيَّه القانوني، ثم المتحدث باسمه والمروج لأعماله. ومنذ ذلك اللقاء الأول وحتى وفاة فالزير سنة 1956، رافقه كارل سيليج في جولات طويلة سيرًا على الأقدام عبر الريف السويسري، من رورشاخ إلى سان غال وجوساو، في جميع الفصول وتحت مختلف الظروف الجوية. وأثناء هذه النزهات التي كانت تنتهي عادة في مطعم صغير أو متجر للحلويات، كان يدور بينهما حوار عميق عن الأدب والحياة والسياسة والفن، يطلّ منه فالزير – على الرغم من صمته الخارجي – بصوت حاد البصيرة، ساخرٍ ونافذ.

وتتجلى خصوصية هذه الرحلات في كون المشي والمكان جزءًا جوهريًا من الكتاب نفسه، لا مجرد إطار للحوار. فالنزهات الأحدية، التي تبدأ من مصحّة هيريساو أو من محطة القطار، وتمتد عبر الحقول ومسالك الغابات والطرق الريفية، تمنح المحادثات إيقاعًا وجسداً. تتجاور فيها الخطى مع الكلمات، والصور الفوتوغرافية مع السرد، ويظهر فالزير بقبعته ومظلته وربطة عنقه المرتخية قليلًا، كأن المشي ذاته أسلوب تفكير وطريقة وجود. في هذا المعنى، يصبح المكان شريكًا في صناعة النص، وتتحوّل النزهة إلى شكل من أشكال الكتابة في الهواء الطلق، حيث تولد الأفكار على إيقاع الخطى، ويغدو المشي احتفاءً صامتًا بالعالم، حتى في قلب العزلة.

ويزداد عمق هذه الشهادة عندما ندرك أن فالزير، رغم شهرته المبكرة خلال فترة توهجه في بداية القرن العشرين، اختار الانسحاب الأدبي والعزلة الطوعية، مما أدى إلى أفوله تدريجيًا في الحياة العامة والثقافة الأدبية. إن الرحلات الطويلة التي خاضها مع صديقه ووصيه، وزار خلالها مواقع مختلفة، والنُزُل والمقاهي التي توقّفا عندها، لم تكن مجرد خلفية للحوار، بل وفرت للكاتب مساحة للتأمل والانسجام مع العالم حوله. وفي كل ذلك، يظهر فالزير كشخصية حيّة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين التواضع والذكاء الساخر، بين الصمت والانفتاح، مما يجعل هذه النزهات أكثر من مجرد ذكرى؛ إنها انعكاس لطريقة وجوده الخاصة وطريقة تفكيره، وتؤطر الصورة التي وصلتنا عنه عبر سيليج.

ومع ذلك، يضعنا الكتاب أمام سؤال إضافي دقيق حول الوساطة والتمثيل الأدبي: فالزير، الذي يرفض الكتابة في مصحّته ويصر على أن إنتاجه الأدبي مرهون بالحرية، يُقدَّم عبر وسيط صادق ومهتم، لكنه اختار بدوره ماذا يروي وكيف يروي، وما يبقى خارج السرد. بعض العبارات الشهيرة المنسوبة إليه، مثل “أنا لست هنا لأكتب، بل لأمارس جنوني”، قد تكون نتيجة لتحوير لاحق أو ترجمة متباينة، ما يذكّرنا بأن كل شهادة، مهما بدت أمينة، هي أيضًا بناء سردي، وكل وساطة تمنح الصوت شكلًا وتمنح الشكل تأويلاً. بهذا، تتضح قوة فالزير في التمسك بالتحكم في نفسه، حتى داخل حدود العلاقة مع سيليج، ويبرز جدل الصمت مقابل الكلمة، والتحكم في الظهور الأدبي مقابل تصويره من قبل الآخر.

تحوّلت هذه الأحاديث التي دوّنها كارل سيليج لاحقًا إلى شهادة فريدة تمتد لعقدين، تُضيء ما كان يُظن أنه ظلمة الصمت. فهي تكشف عن وعي سياسي وثقافي وفلسفي دقيق، وعن فلسفة في التواضع والانسحاب يرى فيها فالزير شكلًا من أشكال الصفاء والرضا بالوجود الهادئ. ومع أن الكتاب يُعدّ مصدرًا أساسيًا للتعرّف على فالزير في سنواته الأخيرة، فإنه يثير جدلًا نقديًا دقيقًا حول دور سيليج نفسه: أهو شاهدٌ أمين، أم صانع صورة أدبية أراد بها إنقاذ الكاتب الصامت من النسيان؟ لقد دوّن هذه المحادثات بعد وقوعها، مما أتاح له أن يصوغها بلغة مصقولة ويؤطرها في هيئة كاتب هادئ وفيلسوف نقيّ، ربما أكثر مما كان عليه فالزير في واقعه اليومي. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل نحن إزاء فعل إنقاذ لذاكرة كادت تبتلعها العزلة، أم أمام صناعة سردية تشكّلت بوعي لاحق؟ فكل شهادة، مهما بدت بريئة، هي أيضًا بناء سردي، وكل وساطة تمنح الصوت شكلًا، وتمنح الشكل تأويلًا. وبين الإنقاذ وصناعة الأسطورة تتكوّن صورة فالزير التي وصلتنا، لا بوصفها معطى خامًا، بل أثرًا مرّ عبر يدٍ كاتبة اختارت ما تقول وكيف تقول.

ولعل أصدق تعبير عن هذه الوساطة القلقة، وما يشوبها من انتقاء واختيار، هو ما يعترف به سيليج نفسه في ختام تدويناته، حيث يقول بنبرة لا تخلو من حيرة:

« هنا تنتهي ملاحظاتي بخصوص نزهاتنا المشتركة. لقد ضاعت مني بعض الأوراق التي كانت تسجل لقاءاتنا الأولى، ولم أدوّن شيئًا بعد نزهاتنا الأخيرة. هل كنت أستشعر غريزيًا أن النهاية كانت وشيكة؟ هل أردت أن تُمحى هذه الآثار في صمت؟ لا أدري. لا جدوى من محاولة تفسير هذه التصرفات أو الامتناع عنها بعد فوات الأوان. وكذلك لا فائدة من رسم صورة منقحة لروبير فالزير لا تعكس حقيقته. كان هدفي أن أعيد إليه كيانه الأصلي ورؤيته للعالم بأمانة كاملة، وكانت هذه القاعدة التي تبرّر وحدها نشر هذه الشهادات الحميمة والسيرة الموثقة التي رافقتها أيضًا».

ومهما يكن، فإن “نزهات مع روبير فالزير” تظل وثيقة استثنائية عن لقاء نادر بين الصمت والكلمة، بين المراقِب والمراقَب، وعن صداقةٍ أنقذت كاتبًا من النسيان وجعلت من الصمت نفسه شكلًا آخر من أشكال القول.

***

I

عتبة الدخول إلى عالم فالزير الصامت.

يشكّل النص الأول من كتاب نزهة مع روبير فالزير، الذي دوّنه كارل سيليج، عتبة أساسية لفهم ما سيلي هذا اللقاء التأسيسي من محطات سردية ونفسية وفكرية. فهذه الرحلة الأولى لا تمثل فقط بداية سلسلة النزهات التي ستجمع الرجلين على مدى عشرين عامًا، بل تُعدّ كذلك بمثابة مخطَّط أوليّ للطيف النفسي الذي يتحرك فيه فالزير بعد انقطاعه عن الكتابة ودخوله فضاء العزلة الاختيارية داخل المصحة.

فالزير، كما يقدمه هذا النص، ليس مجرد شخصية طيفية تُستعاد من العدم، بل كيان مراوغ، وحاضر بذكائه وفكاهته وتردده، متوغل في صمته من جهة، ومتواطئ جزئيًا مع من جاء ينقله إلى الخارج من جهة أخرى. وهنا تتجلى أهمية كارل سيليج لا بوصفه مجرد مرافق وصديق، بل باعتباره وسيطًا سرديًا ومُعينًا تأويليًا، يضطلع بمهمة إعادة إدراج فالزير في الأفق الثقافي، لا من خلال الكتابة الأدبية، وإنما من خلال الكتابة عن النزهة – بوصفها ضربًا من الإنصات والمرافقة والتوثيق العاطفي.

ولعل هذا اللقاء الأول هو ما يُضفي على باقي الكتاب قوة دلالية مركبة؛ إذ يصبح المرجع النفسي والزمني الذي يُقاس عليه التحوّل البطيء الذي طرأ على فالزير بين البدايات والنهايات. ومن هنا، فإن إدراج هذا النص ضمن مشروع ترجمة عربية لفالزير لا ينبع فقط من ترتيب زمني، بل من قناعة بأن النص الأول يحمل البذور التأويلية لكل ما سيأتي لاحقًا، ويُعين القارئ على تلمّس الفروق الدقيقة بين فالزير المُبتدئ في نزهاته، وفالزير الذي يقترب بصمت من نزهته الأخيرة.

**

نزهة  26 يوليوز 1936

بدأت علاقتنا ببضع رسائل نثرية؛ أسئلة وردود واقعية وموجزة. كنت أعلم أن روبير فالزير قد أُدخل إلى مصحة فالداو ببيرن مطلع عام 1929 بوصفه مريضا نفسيا، ثم نُقل في يونيو 1933 إلى هيريساو، إلى مركز الرعاية الصحية الكانتوني أبنزل رودس الخارجية. كانت تراودني رغبة في أن أفعل شيئًا من أجل نشر أعماله، ومن أجله هو بالذات. بدا لي روبير فالزير، من بين جميع الكتاب السويسريين الأحياء، أنه الشخصية الأكثر أصالة. لقد وافق أن أزوره. لذا، في وقت مبكر من ذلك الأحد، امتطيت القطار من زيورخ إلى سانت غالن؛ تجولت قليلًا في المدينة، وداخل الكنيسة الديرانية استمعت إلى عظة  “عن مَثَل الوزنات”. عند وصولي إلى هيريساو، كانت الأجراس تدق. قدمت نفسي إلى رئيس الأطباء في المؤسسة، الدكتور أوتو هينريخسن، فحصلت منه على إذنٍ بالذهاب في نزهة مع روبير.

تناولنا الغداء في لوخلِيباد. بدأ الجليد يذوب بفعل نبيذ بيرنيك الأحمر القاني والجعة. حدّثني روبير أنه، قبل مطلع القرن، كان قد اشتغل في زيورخ لدى بنك كريدي سويس والبنك الكانتوني. لكن فقط من شهر إلى آخر، ليستعيد حريته في الكتابة. فمن المستحيل خدمة سيِّديْن في آنٍ واحد. ففي تلك الفترة كتب عمله الأول، مقالات فريتز كوشير، الذي نشرته دار إنزل سنة 1904 مرفقًا بأحد عشر رسماً من إنجاز شقيقه كارل. لم يتلقَّ قط أي مقابل مادي عن هذا العمل، إذ لم يحقق رواجًا في المكتبات، وسرعان ما انتهى به المطاف إلى رفوف التخفيضات. إن ابتعاده عما كانت تضجّ به الأوساط الأدبية من حمى التكتلات ألحقت به ضررًا كبيرًا من الناحية المالية. أما التزلف، ذلك الداء المنتشر في كل مكان، فكان يثير فيه ببساطة شعورًا بالغثيان. أن يُجبر كاتب على هذا السلوك، فذلك أمر لا يُحتمل، إذ يُرغم على النزول إلى مرتبة ماسح أحذية. نعم، كان يشعر أن زمنه قد ولى، لكن ذلك لم يكن يثير فيه أي انفعال. حين يقترب المرء من الستين، يجب أن يكون قادرًا على تصور وجود آخر. كان يكتب كمثل ذلك الفلاح الذي يزرع ويحصد، ويُطعم حيواناته، وينثر السماد بدافع الواجب، ومن أجل كسب لقمة العيش. «كان ذلك بالنسبة إليّ عملاً كأي عمل آخر.»

كانت أكثر فترات حياته الإنتاجية كثافة تلك التي قضاها في برلين لمدة سبع سنوات، تلاها سبع سنوات أخرى في بيين. هناك، لم يكن هناك من يؤنبه أو يكبح جماحه. كان كل شيء ينضج في هدوء وسلام، مثل التفاح على شجرة التفاح. على المستوى الإنساني، كانت السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى سنوات مخزية لمعظم الكتاب. فقد كانت كتبهم تفيض بالكراهية والسُمّ. بيد أن الأدب يجب أن يشعّ بالحب، ويكون ملتزمًا ومتسامحًا. ولا ينبغي أن تصبح الكراهية هي المحرك الأساسي له. لم يكن من المفترض أن تصبح الكراهية المحركَ الأساسيَّ للأدب. كانت الكراهية عنصراً عقيمًا. وفي تلك الحقبة، وسط هذه الولائم الحزينة، بدأ تدهوره الفني… كانت الجوائز الأدبية تُمنح لأناس يدّعون الإنقاذ زورًا أو لأول معلم وافد. لم يكن بوسعه حينها أن يفعل شيئًا ليعترض على ذلك. لكنه لم ينحنِ لأحدٍ قط حتى وفاته. علاوةً على ذلك، فإن نظام التكتلات والمحسوبية لا يمكنه إلا أن يعمل لصالح انهياره الخالص.

من بين هذه الأحاديث، كانت هناك تعليقات إعجاب بخصوص رواية «الأبله» لدوستويفسكي، و«حياة الوغد» لأيشندورف، والشعر الرجولي الجريء لغوتفريد كيلر. أما ريِلْكه، فكانت كتبه تحتل مكانًا على منضدة سرير العانسات. أما عن جيريمياس غوتتسلف، فكان أقرب ما يكن له هو مجلدان قصص «يولي»؛ بينما كانت هناك قصص أخرى كثيرة اتسمت بطابعها الحادّ والأخلاقي المفرط الذي لا يروق لذوقه.

***

II

تقديم:

تشكل هذه الرحلة الثانية، التي يوثقها كارل سيليج في 4 يناير 1937، فاصلاً زمنياً ونفسياً مهماً بعد الرحلة الأولى التي كانت تميزت بتوتر وحذر واضح في تعامل فالزير مع صديقه ومرافقه سيليج. هنا، نرى فالزير وقد انفتح أكثر، وتعمق في التعبير عن ذاته وأفكاره، مما يعكس مسافة معنوية تتجاوز الانكشاف الحذر إلى مشاركة أكثر صدقاً وحرية.

يأخذنا النص في جولة عبر مناظر سويسرية مألوفة للكاتب، لكنه لا يكتفي بوصف الأماكن، بل يكشف عن بُعد نفسي وفكري يتداخل فيه الماضي بالحاضر، والذات بالمكان. ليس فالزير مجرد راوٍ، بل هو كاتب يُفصح بجرأة عن صراعاته الداخلية، مواقفه من الأدب، ووجهات نظره النقدية تجاه المجتمع والحياة.

تتجلى في النص مفاهيم حرية التعبير والإبداع، وحساسية تجاه القيود الاجتماعية والثقافية، مع إطلالة نقدية على الأدب السويسري التقليدي، وتقدير لأدب عالمي يمتاز بالثراء والبساطة في آنٍ معاً. كما يظهر تأمل فالزير في علاقته بالكتابة وواقع الناشرين، ورغبته في استقلالية فنية تعبر عن ذاته دون مساومات.

من الناحية الأسلوبية، يبرز النص بصوته المباشر والحميمي، محتوياً على تناقضات بين النثر اليومي واللغة الشعرية، وبين الواقعية والخيال، مما يمنحه حيوية وعمقاً متميزاً.

إن هذا النص، الذي يمثل مرحلة متقدمة من الانفتاح الذاتي والتعبير النقدي، يُعد مدخلاً أساسياً لفهم شخصية فالزير وأدبه، ويجسد التوترات التي يعيشها ككاتب هامشي يواجه المجتمع والفنون، مما يثري التجربة الأدبية الحداثية السويسرية والعالمية.

**

نزهة 4 يناير 1937

مررنا عبر سانت غالن وشفايخر، ومضينا في طريقنا حتى تروغن، التي أعرفها جيدًا لأنني تابعت فيها دراستي الثانوية. تناولنا الغداء في مطعم شيفلي. طلبتُ زجاجة من نبيذ بوخبيرغر الثقيل تكريمًا لأسلافي من جهة الأم، الذين امتلكوا لقرون كرومَ العنب في بوخبيرغ، بوادي الراين. في الخلفية، كان المذياع يجلجل على نحو متواصل؛  مسرحية هزلية باللهجة الشوابية. بعد الظهر، وفي مشهد ثلجي تلفه الكآبة، صعدنا إلى جبل غابريس، حيث كنت قد عرّضت نفسي للسخرية حين كنت ملازمًا في صفوف الكشافة، كنت أجرُّ خلفي سيفًا هائلًا أعارني إياه طبيب القرية. ريح شرقية عاتية تهبّ في زوابع حادّة. روبير بلا معطف.  في قطار العودة: كان وجهه يشعّ الآن بنور روحي، كشعلة متقدة. تمتدّ تجاعيد عميقة ومؤلمة، من أصل أنفه حتى فمه الممتلئ، الأحمر بشكل مدهش. على رصيف محطة سان غالن، كانت الحصى الصغيرة تتلألأ. عينا روبير مغرورقتان بالدموع. كانت المصافحة قوية ومستعجلة. مقتطفات من محادثاتنا:

استمرت إقامة روبير في زيورخ من خريف 1896 حتى ربيع 1903، مع فترات انقطاع؛ فقد كان أحيانًا يشغل غرفة في منطقة تسورخبرغ، وأحيانًا في شبيغلجاسه أو شيبفه، وأحيانًا أيضًا في حي أوسرزيل. كما قضى سبع سنوات أيضًا (من 1906 إلى 1913) في برلين، ثم سبع سنوات أخرى في بيين. كثيرًا ما لاحظ عودة الرقم 7 بشكل متكرر في حياته. في برلين-شارلوتنبورغ، كان يشغل غرفتين مع أخيه كارل، ثم وحده بعد ذلك. في النهاية، سحب الناشر برونو كاسيرير دعمه المالي عنه. ثم توقّف الناشر برونو كاسيرير عن دعمه المالي، فحلّت محلّه سيدة ثريّة رحيبة الصدر، تكفّلت بروبير لمدة عامين. وبعد وفاتها سنة 1913، عاد إلى البلاد مفلسًا.

ظل يفكر، لفترة طويلة، في الجمال الصامت لغابات المارش. في برن، حيث عاش منذ عام 1921 لمدة حوالي ثماني سنوات، كان الإطار التقليدي أكثر ملاءمة لإنتاجه الأدبي. إلا أن ميوله للشرب وحبه للراحة كان لهما تأثيرات سلبية.  قال: «في برن، كان يستبدّ بي أحيانًا شعور أشبه بالمسّ. كنت أطارد المواضيع الشعرية كما يطارد الصياد طريدته. وكانت أكثر اللحظات خصوبةً أثناء جولاتي في الشوارع ومشيي الطويل على أطراف المدينة؛ وما إن أعود إلى البيت حتى أودِع الأفكار التي جنيتها في الورق. كل الأعمال الجيدة، حتى أكثرها تواضعًا، تحتاج إلى إلهام فني. وأنا على يقين من أن شؤون الكُتّاب لا يمكن أن تزدهر إلا في جوّ من الحرية. أفضل ساعات عملي كانت في الصباح والليل. أما فترة بعد الظهر وحتى المساء فكانت تترك فيّ أثرًا مُثبِّطًا. » وأضاف: «في تلك الفترة، كان أفضل زبون لي هو صحيفة براغر برس، وهي يومية ممولة من الدولة التشيكية، وكان مديرها الثقافي، أوتو بيك، يقبل كل ما أرسله إليه، حتى القصائد التي كانت صحف أخرى تعيدها إليّ كما لو كنت ترمي حجرا فيعود إليك.  قبل ذلك، كنت أتعاون كثيرًا مع صحيفة سيمبليسيسيموس. كانت ترجع إليّ في مرات عديدة مقالاتٍ بعثتُ بها، متذرعةً بغياب الحسّ الفكاهي فيها. أما النصوص التي كانت تحتفظ بها، فكانت تؤدي لي عنها أجرًا مجزيًا. خمسون مارك على الأقل لكل قطعة نثرية، وكان ذلك بمثابة غنيمة صغيرة لجيبي.»

أنا: « لعلّ بيئة دار المسنين، بنزلائها، تُوفّر لك يومًا ما موضوعًا لرواية أصلية؟» أجاب روبير: «أشك في ذلك. ما أنا متأكد منه هو أنني سأعجز عن تطوير فكرة كهذه طالما أعيش هنا بنفسي. صحيح أن الدكتور هينريخسن خصص لي غرفة للكتابة، لكنني أبقى هناك ملتصقًا بكرسيّ، دون أن أنجح في إنتاج أي شيء. ربما لو عشتُ خارج دار المسنين سنتين أو ثلاثًا بحرية، قد تحصل القفزة الكبيرة.» أنا: «كم تحتاج تقريبًا لتتمكن من عيش حياة ككاتب مستقل؟» أجاب روبير، بعد تفكير قصير: «حوالي 1800 فرنك سنويًا. — ليس أكثر؟ — لا، هذا يكفيني. لقد اضطررت كثيرًا للتدبير بأقل من ذلك في شبابي! يمكن العيش بلا رفاهية مادية. لكنني لا أستطيع الخضوع لأي قيود، سواء من صحيفة أو ناشر. لا أريد أن أقطع وعودًا لا أستطيع الوفاء بها. كل شيء يجب أن ينمو فيّ بشكل طبيعي وعفوي.»

في وقت لاحق قال: «لو كان بإمكاني إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، والعودة إلى عمر الثلاثين، لما كتبت بعد ذلك عشوائيًا كمتخبّط رومانسي، متقلب ومستهتر. لا ينبغي إنكار المجتمع. يجب أن نعيش فيه، ونناضل معه أو ضده. هذا هو عيب رواياتي؛ مفرطة في التأمل إلى حدّ كبير،  وغالبًا ما تكون مترهلة في تركيبها. لقد عزفت ببساطة موسيقاي الخاصة، غير مبالٍ بقواعد الفن. ولو كان الأمر يتعلق بإعادة الإصدار، لكنت حذفت من “الإخوة طانير” سبعين أو ثمانين صفحة؛ فأنا اليوم أرى أنه لا يحق لأي أحد أن يصدر، علنًا، حكمًا حميميًا إلى هذا الحد عن إخوته.

أنا: «لقد قرأت معهد بنجامنتا بشغف كبير. بالمناسبة، أين كُتب؟» روبير: «في برلين. في جوهره، هو ضرب من الخيال الشاعري. فيه شيء من الجرأة، أليس كذلك؟ من بين كتبي الطويلة نسبيًا، هو المفضل لديّ.» ثم، بعد توقف: «غالبًا ما يكون الكاتب أكثر عظمة كلما استطاع الاستغناء عن الحبكة، وكلما اكتفى بإطار محلي صرف. أنا، من حيث المبدأ، أتحاشى أولئك الكتّاب الذين يبرعون في حَبك المتاهات السردية ويحتاجون إلى العالم كلّه لخلق شخصياتهم. الأشياء اليومية كافية بجمالها وثرائها لأن تتفجر منها شرارات شعرية.»

دار الحديث عن الكاتب المسرحي أوغوست فون كوتسِبو، الذي كان روبير يُعجب برشاقته وأناقة حضوره الاجتماعي. وتذكّر أنه أمضى، في مطلع القرن التاسع عشر، عامًا في المنفى بسيبيريا، استقى منه مذكرتين في مجلدين. حتى وفاته لم تخلُ من طابع درامي: إذ اغتاله الطالب القومي المتطرف كارل لودفيغ زاند، أحد أعضاء اتحاد بورشِنشافت الطلابي. وإزاء شيلر وغوته، كان كوتسِبو يُعدّ بمثابة حجر عثرة رجعي. لا يؤمن روبير بإمكانية تطور الأدب السويسري ما دام منغلقًا ضمن إطار قروي. عليه أن ينفتح على العالم، على آفاق أرحب، وأن يتحرر من افتتانه المحدود بالبدائية القروية الملتصقة بتراب الأرض.

أثنى روبير على أولي براكر، “الرجل الفقير من توغنبورغ”، وعلى مقالاته عن شكسبير، يا لها من مثُل مختلفة، وأعظم بكثير من تلك التي لدى كتّاب اليوم، تلك التي كان يعتنقها غوتفريد كيلر، والذي استشهد روبير بقصيدته “أسطورة جميلة تتناقلها الألسن” من أولها إلى آخرها. أما روايته هاينريش الأخضر، فما تزال — في نظره — كتابًا جديرًا بأن يُقرأ ويُحبّ عبر الأجيال، بما له من أثر تربوي بديع.

قال روبير: «قبل أيام، حاولت إحدى موظفات دار الرعاية أن تُجبرني على قراءة رواية “فيتيكو” لشتيفتر. لكنني أوضحت لها أنني لا أرغب في التعامل مع رواية طويلة إلى هذا الحد. إنني أكتفي بـ “دراسات من الطبيعة” لشتيفتر، تلك التأملات التي تفيض برهافة لا تضاهى، حيث وضع فيها الإنسان بتناسق وانسجام عميق. ثم أضاف: «ولكن ماذا تقول عن توماس مان وثلاثيته الضخمة عن يوسف؟ كيف يمكن لأحد أن يتجرأ على إطالة موضوع توراتي بهذا الشكل؟»

فيما يخص الثورات، قال: « من العبث أن يدّعي أحدهم إمكانية إشعال التمردات خارج المدن. من لا يسيطر على المدن، لا يسيطر على قلب الشعب. كل الثورات الناجحة انطلقت من المدن. ولهذا السبب، فأنا أعتبر الأمر مؤكدًا أن الحكومة ستنتصر في نهاية المطاف في الحرب الأهلية الإسبانية. »

«لقد شجّعت الحقبة الفيليبويلمية الفنانين على التصرف بطرق فريدة وغريبة الأطوار. نعم، لقد دلّلت الغرابة بشكل واضح. ولكن القوانين تنطبق أيضاً على الفنانين. فلا يجب أن يتحولوا إلى مهرجين.»

***

III

تقديم:

بعد مرور عام أو أكثر على النزهة الأولى، ننتقل إلى فترة جديدة في حياة روبير فالزير، حيث يبدأ التحول العميق. سنوات من الصداقة المتينة مع سيليج وانفتاحه عليه، التي كانت بمثابة الخروج من صمته الداخلي، تثمر عن تغييرات جذرية في نظرته إلى الحياة والفن. هذه المرحلة الجديدة تكشف عن فالزير أكثر تأملًا ونضجًا، تعكس رحلته النفسية والفكرية في مواجهة الذات والعالم.

**

نزهة  15 أبريل 1938

إنه عيد ميلاد روبير فالزير الستّون. وحسب معرفتي به، فإن التهاني لا تزيده إلا انزعاجًا. وللاحتفال بلقائنا، تناولنا في مطعم محطة هيريساو شريحة ملتهبة من الڭيش بالجبن، مع كأس من الشراب، فعقّب روبير قائلاً: “منذ رأس السنة لم أشرب شيئًا أشعل دمي!”  ثم انطلقنا بخطى حثيثة نحو ليختنشتايغ، العاصمة الصغيرة لمنطقة توغنبوغ، الواقعة على بُعد ثلاثين كيلومترًا.

نسلك طرقًا جانبية، ضيقة ومنعزلة، حيث لا نلتقي إلا بنادر من المشاة المتوجهين لتأدية القداس. كثيرًا ما يتوقف روبير ليتأمل انحناءة تلة رشيقة، أو واجهة نُزُل أنيقة، أو لون اللازوردي ليوم عيد الفصح هذا، أو التناغم الهادئ لزاوية من المنظر الطبيعي، أو البني-الأخضر لفتحة في الغابة. لا يتوقف روبير عن العُطاس، إذ كان على اتصال بشخص مصاب بالأنفلونزا في الأسبوع السابق.  نمرّ على قرية ديغرشايم، الخلابة بأناقتها الريفية. ثم نعبر تلّة باتجاه ليختنشتايغ، التي نصلها بعد أربع ساعات من السير. نتناول غداءً دسِمًا قرب ساحة القرية، ثم ندخل متجرًا للحلويات، نخرج منه كلٌ منا بكيس صغير من البِيسكويت.

عودة إلى هيريساو بالقطار. نشرب جعة في مطعم المحطة، ثم كأسًا من نبيذ نوشاتيل الفوّار في نُزُل “لا كروا فيديرال”، حيث يشعر فالزير براحة خاصة. يعبّر عن رضاه التام بهذا اليوم الجميل، الشهي، ويبدأ بالفعل بوضع خطط للّقائنا القادم: نزهة باتجاه مدينة ويل قد تكون جديرة بالعناء. أخيرًا في المحطة، أتقدّم إليه بتهانيّ بمناسبة عيد ميلاده. يصافحني ويشد على يدي مرّات عدة، ويركض بمحاذاة القطار مُلوّحًا بيده حتى غاب القطار عند المنعطف. مقتطفات من أحاديثنا:

في برلين، التحق روبير لمدة شهر بمدرسة لتعليم مهنة الخدم. يصف لطف العديد من الخدم التي تُذكر برقة وجوه الغلمان في العصور القديمة. كان خادمُ غرفة لدى أحد الكونتات قد وظّفه في قلعة تقع على تلة في سيليزيا العليا، وهناك كانت القرية بأسفل التلة. كان على روبير تنظيف القاعات، وتلميع الملاعق الفضية، ونفض السجاد، وتقديم الخدمة مرتديًا بدلة رسمية تحت اسم «السيد روبير». استمر على هذا النحو لمدة ستة أشهر. لاحقًا، في يوميات معهد بنجامنتا، وصف مدرسة الخدم تلك، لكنه نقلها في الكتاب إلى معهد للفتيان. يقول: «لكن مع مرور الوقت، لم تكن بلادتي السويسرية تتناسب مع مهام الخادم.» شهدت القلعة زيارة أحدثت ضجة قامت بها البارونة إليزابيث فون إيليكينغ، مؤلفة كتاب ناجح آنذاك بعنوان «رسائل لم تصلها قط».

عند عودته إلى برلين، قدّمه شقيقه الرسام كارل إلى الناشرين صموئيل فيشر وبرونو كاسيرر. كان كارل قد نال شهرة  آنذاك من خلال تصميمه لعدد من ديكورات المسرح بناءً على طلب ماكس راينهاردت، خصوصًا في عروض «حكايات هوفمان» و«كارمن». كثيرًا ما كان يرسم في هولندا أو على شواطئ بحر البلطيق برفقة ماكس ليبرمان. شجع برونو كاسيرر روبير على خوض تجربة كتابة الرواية، فكانت «الإخوة طانير» التي لم تحظ بإعجاب كاسيرر كثيرًا، إذ وصفها أحد النقاد بأنها مجرد مجموعة متفرقة من الملاحظات. ثم انحرف الحوار وانصبَّ على ماكسيميليان هاردن، الذي كان روبير يكتب له من حين لآخر في مجلته «ديه زوكونفت» (المستقبل). كان يمدح شخصية هاردن الأرستقراطية وقدرته الفريدة على التقاط روح العصر في مقالاته المتألقة، بل ويعتبره أعلى مكانة من لودفيغ بومي، الذي يعجب بلغة مقالاته الموسيقية. أما أعظم صحفي ألماني، فيرى أنه هاينه، الذي تميز بجانب المشاغب البارع في هذه المهنة. يصف سقوط هاردن، الذي بدأ بشكل منطقي مع اقتراب انهيار ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى.

في زيورخ، عمل روبير لبضعة أسابيع في مكاتب مصانع البناء الميكانيكي «إشير- ويس»، ثم لفترة أيضًا كخادم لدى سيدة يهودية من طبقة المجتمع الراقي. ومع ذلك، كان أكثر سعادة في بيين. يقول: «لم أكن أتواصل كثيرًا مع أهل بيين». كنت أتبادل أطراف الحديث مع السياح الأجانب الذين ينزلون في محطة كرويس- بلو، حيث كنت أقيم في علية تحت الأسقف. كانت الغرفة رقم 27 تُؤجر بعشرين فرنكًا، أما الإقامة الكاملة مع الطعام فكانت تُكلّف تسعين فرنكًا. كانت الخادمات يقمن في كل مكان حولي، كُنَّ ثلة  قليلة من الناس الطيبات اللواتي  يحملن في طباعهن لمسة فرنسية استهوتني. –  فلماذا إذًا غادرت بيين؟ –  كنت أعيش في فقر مدقع حينها. ثم إن الموضوعات والمشاهد التي كنت أستلهمها من بيين ومحيطها بدأت تفقد وهجها شيئًا فشيئًا. كنت في هذا الوضع حين أرسلت لي أختي الصغرى فاني رسالة تخبرني بأنها سمعت عن وظيفة لي شاغرة في برن، في الأرشيفات الإقليمية. لم يكن بوسعي أن أرفض. للأسف، وبعد ستة أشهر، نشب خلاف بيني وبين مديري، بعدما أثرت حنقه بملاحظة وقحة. فطردني من العمل، فعدت لممارسة مهنة الكاتب. وتحت إغراء هذه المدينة القوية، النابضة بالحياة، شرعت أكتب بأسلوب رجولي، وبطابع أكثر انفتاحًا على العالم، وأقل رعوية مما كنت أفعله في بيين، حيث كنت أستخدم أسلوبًا عاطفيًا رقيقًا. في البداية — ربما بفضل هيبة اسم العاصمة الفيدرالية — توالت عليّ الطلبات والتكليفات من صحف أجنبية. وكان عليّ الآن أن أبدأ رحلة البحث عن موضوعات وأفكار جديدة. غير أن كل تلك الاجترارات الذهنية بدأت تُلحق الضرر بصحتي. ففي سنواتي الأخيرة في برن، كانت تحاصرني الكوابيس الرهيبة فتعذبني: رعد وصرخات وأصابع تشد الخناق على رقبتي وأصوات هلوسية، حتى إنني كنت أستيقظ في كثير من الأحيان صارخًا من شدة الفزع. –  ذات مرة، خرجت من البيت عند الثانية صباحًا، وانطلقت سيرا على الأقدام من برن إلى ثون، ووصلتُ في السادسة مساءً. عند الظهيرة، كنت على قمة نييزن، حيث استمتعت بقطعة خبز يابس وعلبة سردين. في المساء، عدت إلى ثون، وعند منتصف الليل كنت في برن — سيرًا على الأقدام، طبعًا. —  وفي مرة أخرى، مشيت من برن إلى جنيف ذهابًا وإيابًا، مع ليلة قضيتها هناك.  كانت إحدى أولى كتاباتي الوصفية عن «غريفنزي»، وقد نشرها يوهان فيكتور فيدمان في صحيفة بوند. حتى في ذلك الوقت، كنت أجد من الصعب جدًا أن أُبدع سرديات سفر مُقنعة.

«النص الشعري يجب أن يكون كبدلة أنيقة، تُطري من يشتريها.»

«بيتر ألتنبرغ؟ نقانق صغيرة من فيينا، شهية. لكنني لا أستطيع أن أخلع عليه صفة شاعر.»

«لو أن النمساويين وضعوا على رأس دولتهم تنورة صغيرة جذابة، لما تمكن النازيون من ضمّهم. كانوا سيهرعون جميعًا للاختباء تحتها، حتى هتلر وموسوليني! فكّر في الملكة فيكتوريا، وفي الوصيّات على العرش في هولندا!  الدبلوماسيون يعشقون خدمة النساء. فما بالك بالنمساويين، أولئك الذين يضعفون أمام كل ما هو أنثوي!»

«أفضل ألا أقرأ كتّاب عصري ما دمتُ في وضع يشبه حال المريض. من الأنسب أن أُبقي مسافة بيني وبينهم.»

«ما جدوى أن يمتلك الفنان موهبة، إن لم ينعم بالحب؟»

« جيريمياس غوتلفيلف: أشعر تجاهه بنفس الشعور الذي عبرت عنه المرأة التي جعلها هاينريش بيستالوتزي تقول في روايته “ليونارد وجيرترود”: حقًا، إنه السيد القسيس الذي أثار اشمئزازي من الكنيسة. »

يحدثني بمزاج متردد عن سيدة تُدعى مدام (أ)، يعرفها منذ شبابه، وهي الآن متزوجة من موظف بريد يتمتع بمكانة جيدة. يروي روبير أنها تسخر منه الآن، فتمطره من جهة بحصص من الشوكولاتة الفاخرة، ومن جهة أخرى برسائل وقحة: «ما زلت لا أستطيع أن آخذك على محمل الجد!»  وفي هذا السياق، وجدت حليفًا في شخص توماس مان، الذي وجه له في رسالة وصفًا مباشرًا مهينًا، حين سماه «طفلًا ذكيًا».

***

IV

تقديم:

في 15 أبريل 1943، يعود كارل سيليج ليزور روبير فالزير في عيد ميلاده الخامس والستين، كما فعل تمامًا قبل خمس سنوات. غير أن نزهة هذا العام تجري في ظل وطأة المرض وتقدم العزلة، بعد تشخيص مقلق وإصرار فالزير على رفض العملية. يقاوم بلطافة باردة أي اقتراب عاطفي أو تدخل خارجي، ويتمسك بطقوس يومية صارمة في المصحة، حيث يفرز الحبوب، ويطالع المجلات الباهتة، ويشيح عن الفن والحياة السابقة. ومع ذلك، فإن خروجه القصير رفقة صديقه، وتوقفه لتأمل ضوء الربيع، وشراهته العابرة في التهام ثماني فطائر صغيرة، توحي ببصيص من الابتهاج الصامت. في نهاية اليوم، وبين وداعين هادئين، يُطلق فالزير جملة تأملية تختزل رؤيته الوجودية الأخيرة: لا بد من وجود ما هو غير سار، حتى نعرف ما الجمال. فالقلق، في نهاية المطاف، هو أعظم معلّم.

**

نزهة 15 أبريل 1943

عيد الميلاد الخامس والستون لروبير!

حديث مطوّل مع الدكتور هـ. أو. فيستر، كبير أطباء مصحّة هيريساو، بشأن الحالة الصحية لروبير. في منتصف مارس، نُقل إلى مستشفى المنطقة في هيريساو بسبب انسدادٍ معوي. ويشتبه الأطباء في وجود ورم سرطاني في الجزء السفلي من الأمعاء الغليظة، لا يمكن استئصاله إلا بعملية جراحية لا تخلو من المخاطر. أما روبير، فقد استقبل تأكيد إصابته بالمرض بقدر من اللامبالاة، كما لو أن الأمر لا يعنيه، بل يعني شخصًا آخر.  أما إلحاح الأطباء وشقيقتيه على إقناعه بالخضوع للعملية، فقد قوبل برفض قاطع لا رجعة فيه. وبما أن حالته شهدت تحسنًا بعد بضعة أيام من الاستشفاء، فقد أُعيد إلى المصحّة، حيث بدا أن صحته تتحسّن بوضوح. في الصباح، يساعد الممرضات مجددًا في تنظيف الجناح، وفي فترة بعد الظهر، خلال ساعات العمل المحددة، يساعد في فرز العدس والفاصوليا والكستناء، أو في لصق الأكياس الورقية.
يحرص على ترتيبها في أكوام عالية قدر الإمكان، ويُبدي انزعاجًا واضحًا إن قاطعه أحد.. في أوقات فراغه، يفضّل مطالعة مجلات مصوّرة قديمة شاحبة أو كتب عتيقة. لم يُظهر قطّ أي ميل لاستئناف أي نشاط فني — يقول الدكتور فيستر.  يُبدي فالزير، حيال الأطباء وطاقم التمريض والمرضى الآخرين، قدرًا عميقًا من الريبة، يحاول إخفاءه بمهارة خلف تهذيب رسمي متكلّف. أما من يخلّ بمسافة التحفّظ، فسرعان ما يتلقى ردًّا جافًا وصادمًا.

أحضرتُ لروبير بعض الهدايا بمناسبة عيد ميلاده، فرفضها ببرود. حالما ابتعدنا عن محيط المصحة، سألني عمّا كنت أفعل طوال تلك المدة مع الدكتور فيستر. أجبتُ، تحدثنا عن معارف مشتركة، على وجه الخصوص عن بعض الأطباء من زيورخ. بدت إجابتي تطمئنه قليلاً، إلا أن رحلتنا الصباحية نحو ديغرشايم وموغيلسبيرغ، في منطقة توغنبورغ السفلى، كانت صامتة إلى حدّ كبير. لا يجيب على سؤالي المتحفظ حول العملية، فأغير الموضوع فورًا حتى أتجنب انزعاجه. بعد الغداء، نصعد تلة بالقرب من هيريساو، ونحتسي ثلاث قنينات من الجعة على شرفة نُزُل تحت أشعة الشمس، الأمر الذي يسعده، ونتبادل أطراف الحديث مع صاحب النُزُل فيما تستمر آلة الخياطة في نقرتها المتكررة. وفي الختام، نتوقف عند محل حلويات حيث يلتهم ويستمتع بثماني فطائر صغيرة. قال عند لحظة الوداع، مشيرًا إلى مرضه: «لا بد أن تكون هناك أيضًا أمور غير سارة في حياة الإنسان، كي يبرز ما هو جميل بوضوح أعمق من ما هو غير جميل. فالقَلَق هو أعظم معلم لنا.»

***

V

تقديم:

تأملات عميقة حول الطبيعة والجمال والزمن والسياسة، مصحوبة بحوارات متبادلة مع صديقه ومرافقه سيليج. النزهة ليست مجرد تنقّل في الفضاء الخارجي، بل هي رحلة في أروقة الذات، حيث تتداخل المناظر الطبيعية مع ذكريات وأفكار تعكس موقف فالزير من الحياة والحرب والعزلة التي اختارها طوعًا.

نجد في هذا النص تأملات فلسفية في معنى العزلة والارتباط بالواقع اليومي، ورفضًا للسفر المتكرر الذي يراه نوعًا من التمادي في السطحية، مقابل تمسكه بالسفر الداخلي عبر الخيال والتأمل. كما يُلقي الضوء على العلاقة المتينة التي تربطه بسيليج، التي تقوم على الاحترام المتبادل، والتواصل الصامت الذي يفوق الكلمات.

يُعد هذا النص إضافة قيّمة لسلسلة “نزهة مع فالزير”، إذ يبرز تداخل الحسي والروحي في تجربة فالزير، ويُجسّد أسلوبه الفريد في مزج السرد بالمونولوج الداخلي، والحوار الفلسفي.

ندعو القارئ إلى قراءة هذا النص بتمعّن، والاستمتاع بكل صورة وتفصيل، متأملًا كيف ينقل فالزير عالمه الخاص برقة وسخرية هادئة.

**

28 دجنبر 1944

في صباح شتوي صافٍ بلا غيوم، كان البرد لاذعًا. في بهو المبنى، كنا نتباحث في وجهة نزهتنا. روبير، بلا معطف، يداه مزرقتان ووجنتاه محمرتان، وشعيرات بيضاء تكسو ذقنه، سألني بنبرة تجمع بين الجد والهزل إن كان لدي خطة بالفعل: « هل فكرت في وجهة محددة للنزهة؟ لا، أبدًا! ربما إلى أبنزل؟… لكنها بعيدة جدًا لهذا اليوم! يمكننا أن نصعد نحو المرتفعات، أو نمضي إلى سان غال؟ قلتُ: هل تستهويكم فكرة الذهاب إلى المدينة؟ فأجاب: نعم، ولمَ لا! ــ إذن، هيّا بنا! وبعد بضع خطوات، قال روبير: ــ فلنُبطئ قليلًا! لسنا في عجلة للقاء الجمال… ينبغي للجمال أن يسير معنا، مثل أم تسير إلى جانب طفلها. قلتُ له: »لكن كان عليكم أن ترتدوا ملابس أكثر دفئًا، يا سيد فالزير! أجابني مبتسمًا: أنا مبطّن بملابس داخلية دافئة. قال روبير، وهو يبتسم وقد وضع يده على صدغه كمن يسترجع مشهدًا قديمًا: لطالما كرهتُ المعاطف. بل إنني امتلكت واحدًا يشبه تمامًا ذاك الذي ترتديه اليوم – كان ذلك في برلين، حين كنتُ أتوهم أنني أعيش حياة رجل من نخبة المجتمع. ثم، لاحقًا، عندما عدتُ إلى بيين، وأقمتُ مجددًا في الغرفة العلوية نفسها بفندق “الصليب الأزرق”، لم أكن أدفئ الغرفة تقريبًا، حتى في أشد أيام الشتاء قسوة. كنت أرتدي معطفي العسكري وأعمل، لا أفضل ولا أسوأ من غيري، جالسًا إلى جوار الموقد. كنتُ ألبس في قدميّ نوعًا من النعال صنعتها بنفسي من أسمال قديمة. ثم أضاف بنبرة هادئة كمن يهمس لنفسه: في رأيي، إن الإنسان الحديث مفرط في مطالبه. قال روبير: للحرب فضلٌ واحد على الأقل، أنها تجبرنا على التقشف. هل كنا سنتمكن من الحديث هكذا، وسط الطريق الرئيسي، دون رائحة البنزين الكريهة ودون إهانات سائقي السيارات، لو لم يكن البنزين مقننًا؟ يسافر الناس أكثر مما ينبغي هذه الأيام. يرحلون جماعات إلى بلدان أجنبية، ويتصرفون بدون تحفظ مطلقا، كأنهم في ديارهم.

 نتجه نحو أبتفيل. تبدو الأسيجة المكسوة بالصقيع كأنها شباك صيد هوائية معلّقة في لوحة طبيعية رُسمت بحبر صيني. يكاد المرء يظن أن الأشجار ستطير في أي لحظة، مثل البالونات. من حين لآخر، يلوح في الأفق فلاح أو فلاحَة، يتقلصان في المدى حتى يبدوان كقزمين ضئيلين، يلفّهما سكون عميق. أحيانًا، ينسدل الضباب فيغمرنا لدقائق معدودات، كأنه كفن يلفنا، ثم ما نلبث أن نستعيد وهج الشمس في الجنوب، تتجلى ككرة متلألئة لا تمسها المادة. ممر فسيح تصطف على جانبيه أشجار الحور الشاهقة. وعلى شجرة سرو، تتوهج حبات التوت بلون المرجان الأحمر الفاتن. على قمة تلٍ دائري، بدأت نوافذ بعض المزارع تضيء ما إن شرع الضباب يتلاشى؛ كأنها عيون فضّية تشعّ بجاذبية مغناطيسية أثّرت في روبير. راح يكرر السؤال، كمن تحدوه رغبة لا يملك لها تفسيرًا: هل نصعد إلى هناك؟ قلت له: « ولمَ لا؟ ما يسعدك يسعدني أيضًا». فأجاب روبير بعد لحظة صمت: « فلنبقَ في الوادي، أفضل. لنؤجل هذه المغامرة الساحرة إلى وقت آخر. أليس هناك لذّة أيضًا في أن نكتفي برفع أبصارنا نحو الجمال، دون أن نطاله؟ حين نكون شبابًا، نكون متعطشين للفرح، ننظر إلى الحياة اليومية بنوع من الجفاء، بل بشيء من العداء أحيانًا. » ومع التقدّم في العمر، يصبح المرء أكثر اطمئنانًا لما هو يومي، أكثر منه لأيام العطل. يصير المألوف أحبّ إلى النفس من الغريب، الذي يثير الريبة. هكذا يتطور الإنسان، ومن الجيد حقًا أنه يتطور.

نمر بجانب شلّالات متجمدة، بدت كما لو أن يد ساحر قد لمستها، فتوقفت عن الجريان. وبينما كنا نتسلق عبر غابة كثيفة، استبدّ بروبير فجأة مزاج المغامرة، فقرر أن يترك المسار والنزول مباشرة، عابرًا الأدغال والجداول، ثم تحت سفوح منهارة بلون المغرة، مغطاة بجذوع أشجار ميتة، اتجه نحو الأسفل ليبلغ نهر السيتر. أصبح الآن مفعمًا بالطاقة، مبتهجًا كطفل؛ يتوقف بين الفينة والأخرى ليهمس بانبهار:
كم هو لطيف! كم هو جميل! » مرورًا بوينربيرغ، انحدرنا مجددًا نحو سان-غال، حيث وصلنا تمامًا في وقت الغداء، فتناولناه في فندق “شيف”. أمام كأس من نبيذ بيرنك الأحمر، حدّثني روبير عن السياسي الديمقراطي روبير بلوم، الذي أُعدم رميًا بالرصاص سنة 1848: رجل مسالم، كان يعمل موظفًا في مسرح لايبزيغ. أما بسمارك، فعلى العكس، لم يكن سوى الكلب الوفي للإمبراطور غيوم الأوّل. ورأى روبير أن الحلفاء لن تكون مهمتهم سهلة حين يخوضون القتال على الأراضي الألمانية:  « المعركة الدفاعية تُنبت في الصدر كبرياءً فجائيًا».  من يقاتل دفاعًا عن وطنه، يستمدّ من ذلك قوى خفية. الدفاع أكثر نُبلًا بكثير من الهجوم، الذي لا يكفّ عن الإغارة والإيذاء، وهو في الوقت نفسه مضطرّ إلى أن يعمي بصيرته، حتى يُمعن في دفع نفسه بأوهام لا طبيعية! ثم أضاف، بنبرة لا تخلو من ازدراء: ــ « لا أرى في الشعب، كما هو اليوم، شيئًا يُعوّل عليه. مجموعة من الرعاع والتافهين. من دون سيّد حقيقي، لا يصلحون لشيء».

في الشهور الأخيرة، قرأ روبير باهتمام بالغ كتابين استعارهما من مكتبة المصحّة. الأول رواية سيّد مصانع الحديد لجورج أونّي، وهو عمل عاطفي بعض الشيء ويميل إلى الرقة الزائدة، لكنه يعالج موضوعه بطريقة مميزة، وقد ذكّره بالرسام غوستاف كوربيه. أما الكتاب الثاني فكان كوخ العم توم لهارييت بيتشر ستو، وصفه روبير بأنه “عبقري في بساطته”.  وقد ساهم هذا العمل، كما قال، في إشعال فتيل حرب الانفصال بأمريكا الشمالية. في مقهى “فونت” وحين كنا نحتسي قهوة بالحليب، سخر روبير من أنديتنا الأدبية ومن بعض الطلاب الذين حاولوا دعوة شاعر معروف بميوله النازية لإقامة قراءات استعراضية. لقد أحسنت السلطات صنعًا حين منعته من دخول سويسرا. قال: « ثم أيّ فكرة حمقاء هذه: أن نأتي بكاتب تابع، من بلد آخر، لمجرّد استعراضه هنا!  إنه لا يمثّل حتى ألمانيا.  مرة أخرى، استطاع الرايخ الثالث أن يمرّر إلينا دجّالاً من العيار الثقيل، بتواطؤ مع صحافتنا ومجتمعنا المخملي. وستجدون، بالمناسبة، الغباء نفسه وغياب الخيال عينه لدى معظم المؤسسات الأدبية. إنها دومًا الزمرة نفسها من التيوس الصغيرة، تتزاحم حول المعالف«. عدنا إلى هيريساو مشيًا على الأقدام. كانت الشمس قد بدأت تبعث دفأها فوق الممرات الضيقة المُعشوشبة التي تقود إلى وينكلن. وفي الطريق، أخبرني روبير أن الناشر كاسيرير كان قد أرسل شقيقه كارل في رحلة إلى اليابان برفقة الكاتب برنارد كيلرمان، بغرض رسم توضيحات لمؤلفاته الرحلية. وفي موسكو، وسط ساحة عامة، صفعه كارل صفعة مدوّية لأنه تصرّف بتعالٍ، على حدّ قوله. بعدها، استدعاه الناشر صامويل فيشر وسأله: « هل تودّ أن تذهب إلى بولندا وتكتب كتابًا عن رحلتك؟«  فأجابه روبير: « ولمَ أفعل؟ أحبّ برلين كما هي! أوَ تفضل الذهاب إلى تركيا؟
لا، شكرًا! يمكن العثور على أشياء تركية كثيرة في أماكن أخرى، وبعضها أكثر تركيةً حتى من تركيا نفسها.
أنا لا أريد الذهاب إلى أيّ مكان. ما حاجة الكتّاب إلى السفر، ما دام لديهم خيال؟« أضفتُ، بنبرة عابرة: «لقد صادفت هذا الرأي من قبل في أحد كتبك، حيث تقول: وهل تسافر الطبيعة؟ أنا أنظر إلى الأشجار وأقول لنفسي: إنها لا ترحل، فلماذا لا أبقى أنا أيضًا؟« فأجاب روبير: « نعم، المهمّ هو الرحلة التي نقوم بها في اتجاه أنفسنا«. ثم أخذ يتحدث طويلاً عن امرأة مسنّة، طيبة النفس، كانت تربطها صداقة بأخته ليزا، ولا تزال تزوره من وقت لآخر في المصحة. ابنها، رجل فاضل ومهندس بارع، يعيش معها في بازل. قال روبير:
« كثيرًا ما نقلّل، حين نكون شبابًا، من شأن هذه الشخصيات الصامتة والخفية! ومع ذلك، فهي المادة اللاصقة التي تربط البشر بعضهم ببعض. إنها تنشر القوة التي تُبقي شعبًا على قيد الحياة. «

*** 

VI

تقديم:

مع اقتراب صفحات نزهات مع روبير فالزير من نهايتها، يأخذ السرد منعطفًا أكثر هدوءًا وتأملًا، يشفّ عن إحساس داخلي بأن الرحلة، التي لم تكن يومًا مجرد مشي، تمضي نحو خاتمتها. في هذا المقطع الأخير، لا يعود كارل سيليج مجرد مرافق لصوت فالزير، بل يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى من يصغي إلى الصمت الذي بدأ يحيط به. بعد أن كانت النزهات فسحة للكلام، ونافذة تطلّ على ذكريات أدبية وشذرات من الماضي، تتحوّل هنا إلى أثر يُخشى عليه من الاندثار. تبرز في هذا النص ملامح تغيرٍ خفي، لا يطال مزاج فالزير فقط، بل نبرة الكاتب نفسه، الذي يُقرّ — بكثير من الشفافية — بأنه تعمّد أحيانًا نقل ما قد يبدو عابرًا أو مُربكًا، باسم الأمانة التي رأى أن فالزير وحده يحتملها، بل يستحقها. وفي ختام هذه الرحلات المتتالية، حيث أصبح كل مشوار بمثابة هدنة في صراع الصمت والعزلة، يهمس سيليج للقارئ باعترافه الأخير:  لم يكن في كل تلك السنوات رفيق نزهات أكثر إخلاصًا من فالزير.

**

عيد الميلاد 1955

صباح مغيَّم بالمطر، ينحو عند الظهيرة أكثر إلى الليل منه إلى النهار. لا يُرى في الأرجاء سوى بعض المسافرين النادرين، إذ إنّ المروج والغابات، بخضرتها التي تكاد تكون ربيعية، لا تُغري كثيرًا بمزاولة الرياضات الشتوية. على طريق سانت-غال، دخلنا في حديث معمّق عن كلايست، بعدما كنت قد شاهدت قبل أيام مسرحيته الجرة المكسورة على خشبة مسرح زيورخ. شرعت أروي لروبير تفاصيل الرهان الذي عقده كلايست مع تْشوكِّه وفيلاند في برن، والذي أدى إلى ولادة هذه الكوميديا، ثم أبرزت رأي غوته السلبي بشأنها، والعرض الفاشل لها في فايمار، الذي أثار صفيرًا وصيحات استهجان. تذكّر روبير أنه كان قد شاهد “أمير هومبورغ” في شتوتغارت، حين كان يتدرّب على مهنة بيع الكتب. – وقد قرأ مؤخرًا “ويتيكو” لأدالبرت شتيفتر، ووجده «مملًّا على نحو ميؤوس منه». كانت الطاقة الإبداعية لدى شتيفتر قد تراجعت إلى حدّ بعيد في تلك المرحلة على ما يبدو.

أما بالنسبة للمنح الواسعة لجوائز الشعر للمبتدئين، التي أصبحت اليوم أمرًا شائعًا، فإنه يدين ذلك قائلاً: «إذا دلّلناهم منذ الصغر، فسيظلون صبية إلى الأبد. لكي تصبح رجلاً، لا بد أن تعاني، وأن يُساء فهمك، وأن تناضل. لا يجب على الدولة أن تتحول إلى قابلة تنجب الشعراء.»

أضحك موقف الشاعر الأيسلندي هالدور لاكسنِس، الحائز على جائزة نوبل في الأدب لهذا العام، روبير فالزير كثيرًا. لم يقرأ أيًا من أعماله قط، لكنه رأى له صورة في مجلة اعتبرها معبرة عن شخصيته. حتى الآن، لا يزال يضحك بشدة على الجرأة التي أبداها لاكسنِس خلال الحفل في ستوكهولم، حينما كان يراقص الأميرة السويدية. وعلى ممر غابي، أرانِي كيف كان يرتدي بذلة رسمية ويُدوّرها بها كما في رقصة قروية، في استعراض لانتصاره قائلاً: « وها أنا ذا، بعد الشرق، أضم الغرب أيضًا إلى صدري ! » فقد كان لاكسنس قد نال قبل ذلك بوقت قصير جائزة من السوفييت أيضًا. أمام هذه الجرأة الفائقة، تبدو جوائز نوبل الألمانية والسويسرية مجرد زمرة صغيرة من المتحفظين والكسالى.

هنا تنتهي ملاحظاتي بخصوص نزهاتنا المشتركة. لقد ضاعت مني بعض الأوراق التي كانت تسجل لقاءاتنا الأولى، ولم أدوّن شيئًا بعد نزهاتنا الأخيرة. هل كنت أستشعر غريزيًا أن النهاية كانت وشيكة؟ هل أردت أن تُمحى هذه الآثار في صمت؟ لا أدري. لا جدوى من محاولة تفسير هذه التصرفات أو الامتناع عنها بعد فوات الأوان. وكذلك لا فائدة من رسم صورة منقحة لروبير فالزير لا تعكس حقيقته. كان هدفي أن أعيد إليه كيانه الأصلي ورؤيته للعالم بأمانة كاملة، وكانت هذه القاعدة التي تبرّر وحدها نشر هذه الشهادات الحميمة والسيرة الموثقة التي رافقتها أيضا.

إذا كانت نزهات مع روبير فالزير تتطرق كثيرًا إلى موضوعَي الأكل والشرب، وإذا كانت بعض الثيمات تعاود الظهور في تنويعات قد تبدو أحيانًا متناقضة، وإذا كان في بعض المقاطع ما قد يثير استهجان بعض القرّاء، فقد اخترتُ أن أتحمّل هذه المجازفة باسم الصدق، ذاك الصدق الذي يمكن لشخصية متفرّدة مثل روبير فالزير أن تحتمله، حتى وإن ألقى ذلك شيئًا من الظلال على صورته. وأستمد عزاءً صامتًا من فكرة أن نزهاتنا قد منحت شيئًا من التنويع والانتعاش لرتابة العشرين عامًا التي قضاها في المصحّة؛ ولن يُقدَّر لي أبدًا أن أجد رفيق نزهات أكثر مثابرة ووفاء.

***

VII

تقديم بنبرة الختام:

ها نحن نقف أمام ذلك الصمت الأخير، حيث يلتقي الموت مع ثلوج الغابة، حيث ينسل الجسد المتعب بين أشجار التنوب بصمتٍ أبدي. موت روبير فالزير، كما رسمه في مخيلته قبل رحيله، ليس مجرد نهاية لحياةٍ مادية، بل هو انتقالٌ إلى حالة أخرى من الوجود، حيث تتلاشى حدود الزمن والمكان، وتصبح الطبيعة نفسها شاهدةً على عبور الروح.

في عزلة الغابة، حيث يتراقص الثلج كأجنحة ملاك، يتوقف المشي، وتذوب الخطى في السكون. الموت هنا ليس عدوًا، بل هو لحظة الانصهار مع الكل، لحظة العودة إلى البساطة الأولى، حيث تكون الروح كزهرة تسقط بتلاتها بهدوء، كنسمة عابرة في هواء الشتاء البارد.

فالزير، الكاتب الذي عشق الصمت ونقاء الثلج، يرحل بهدوء، وكأنّه يحفر نهاية نزهته على صفحات الطبيعة، ليترك لنا إرثًا من الصمت والتأمل، دعوتنا لنفهم الموت ليس كفناء، بل كبوابة إلى حضورٍ أعمق، وأصدق، في عالم لا يُرى بالعين، ولكن يُحس بالقلب.

وفي هذه اللحظة، ونحن نغلق هذا الكتاب، لا نودع روبير فالزير كإنسان، بل نحتفي به كرفيق رحلتنا نحو المجهول، كمشّاء أبدي، يمشي في الظلال البيضاء، حيث لا شيء سوى الهدوء والسلام.

**

النزهة الأخيرة

عيد الميلاد، 1956

بعد صباح هادئ من صباحات الخامس والعشرين من دجنبر، كان الغداء في هذا اليوم الاحتفالي أوفر من المعتاد. روبير، وسط نزلاء الدار الآخرين، أولاه اهتمامًا كبيرًا؛ رنين الشوكات والملاعق والسكاكين يتناهى إلى أذنه كأنه موسيقى بهيجة. ثم يحسّ بنداء الخارج، نداء النزهة. يخرج مرتديًا ملابس دافئة، إلى النور البلوري للحقول المكسوة بالثلوج. يبتعد عن المصحّة، ويعبر ممرًا معتما تحت الأرض، يقوده إلى المحطّة، حيث طالما انتظر صديقه. قريبًا سيتنزهان معًا، في يوم رأس السنة، مهما يكن الطقس. الآن، يرغب في الذهاب إلى روزنبرغ، حيث تنتصب أطلال قديمة. لقد زار ذلك المكان أكثر من مرة، وحده أو برفقة صديقه. من القمة، يطلّ المرء على منظر رائع لسلسلة جبال آلبشتاين. بداية هذا الظهيرة تبعث على السكينة: يمتد الثلج، ثلج ناصع البياض، يمتد بقدر ما تستطيع العين أن ترى. أليس هو نفسه من كتب ذات يوم قصيدة تنتهي بهذه الكلمات: «يتساقط الثلج، فنستحضر اللمسة الحرّة لوردة تتساقط بتلاتُها»؟ أبيات لم تكن موفقة تمامًا. لكن في الحقيقة، هكذا يجب على الإنسان أن يتساقط: كزهرة الورد.

يتنفس المشّاءُ الوحيدُ الهواءَ النقيَّ بملء رئتيه. هذا الهواء، يكاد يكون قابلا للقضم، إنه مثل جسد الشتاء. هناك هيريساو أسفل التل، والمصانع والبيوت والكنائس ومحطة القطار. يعبر بين الأماكن وأشجار التنوب، ويصعد شوشنبرغ، ربما بسرعة تفوق قليلاً ما يناسب عمره. لكن شيئًا ما، نبضة قلب غير مألوفة، تدفعه إلى أبعد، إلى أعلى. وهو يخرج من روزنوالد، ليصل إلى فاختينيغ، القمة الغربية لروزنبرغ، ومن هناك، مخترقًا منخفضًا صغيرًا، يصل إلى التل المقابل. تأخذه الرغبة في إشعال سيجارة. لكنه لا يستسلم لها. إنه يدّخر هذه المتعة لوقت لاحق، عندما يصل إلى المنجم. — النزول إلى المنخفض شديد الانحدار. يضع قدميه على نحو متباعد ويتقدم خطوة خطوة، دون أن يتمسك بالسياج الخشبي، حتى يصل إلى المنخفض الصغير، الواقع على ارتفاع 860 مترًا، حيث سيستريح لبضع دقائق. بضعة أمتار أخرى، وسيصل إلى الهضبة المستوية. يجب أن تكون الساعة نحو الواحدة والنصف بعد الظهر. الشمس شفافة كالفتاة الشاحبة قليلاً. لا شيء قوي أو منتصر، بل هناك حنان حزين متردد، كأنه على وشك أن يسلم المشهد اللطيف للّيل مبكرًا.

في تلك اللحظة، توقف نبض المشّاء فجأة. أصابه دوار. كان ذلك علامة على تصلب الشرايين، وهو ما أخبره به طبيبه، موصياً إياه بتخفيف وتيرة مشيه. في لمح البصر، تذكّر التشنّجات التي عذّبته في نزهاته الأخيرة. هل سيصاب بتشنّج جديد؟ آه، كم هي مؤلمة هذه الأمور، كيف تفرض نفسها بغباء! لكن — لكن ما هذا؟ يتهاوى  على ظهره ممددًا بالكامل، يضع يده اليمنى على قلبه ويخمد. إنه سكون الموت. يرقد الذراع الأيسر بجانب الجسد الذي يبرد بسرعة. اليد اليسرى مشدودة قليلاً كما لو أرادت أن تسحق في كفها الألم الحادّ، الوجيز، الذي قفز على المشّاء كالنمر. سقطت القبعة قليلاً نحو الأعلى. الرأس مائل قليلاً إلى الجانب، والمشاء الصامت يقدم الآن صورة من الصفاء المطلق، سلام عيد الميلاد. فمه مفتوح؛ كأن هواء الشتاء النقي والبارد لا يزال يعبره.

هكذا، سيكتشفه تلميذان بعد قليل، إذ انزلقا على زلاجتهما من مزرعة بورغ هالدن، المملوكة لعائلة مانسر، والتي تبعد بالكاد مائة وخمسين مترًا من هناك، من أجل أن يذهبا ليريا من يرقد في الثلج. صعدت امرأة من الوادي برفقة كلبها لزيارة أهلها في يوم عيد الميلاد هذا، روَت أن كلبها “بلاس” كان مضطربًا على نحو غريب. كان ينبح ويجذب مقوده ليندفع نحو المنحدر حيث بدا شيء غير مألوف وغريب. ماذا عساه أن يكون ذلك؟ اذهبا وألقيا نظرة أيها الصبيان! الميت الممدد في الثلج على المنحدر هو شاعر أَسرتْه شتاء الطبيعة ورقصة الثلوج المرحة والخفيفة — شاعر حقيقي، كان كطفل يتوق إلى عالم من الصمت والنقاء والحب. عُثر في جيبه الداخلي، على ثلاث رسائل وبطاقة بريدية، موجهة باسمه:     روبير فالزير.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع