قطار الصعيد: رواية بطعم الألم

القسّ عيد صلاح

لي مع قطار الصعيد حكايات كثيرة؛ قطار كثيرًا ما تأخر عن مواعيده، وقليلًا ما صدق فيها، وكأنه يعكس في مساره المختل علاقة مأزومة بالوقت والإنسان معًا. في إحدى رحلاتي الأخيرة إلى المنيا، تأخر القطار ساعة كاملة دون تفسير، في مشهد يومي يتكرّس فيه الإهمال بوصفه قاعدة لا استثناء. وحتى التفاصيل الصغيرة—كشراء جريدة يُفترض أن يكون سعرها معلومًا—تتحول إلى علامة على اختلال منظومة أوسع، لا يُحاسَب فيها أحد، ولا يُحترم فيها شيء.

بهذا المعنى، لا يبدو قطار الصعيد مجرد وسيلة نقل، بل يتحول إلى مكان رمزي يصلح لأن يكون فضاءً سرديًا، وهو ما التقطه الروائي يوسف القُعَيِّد في روايته التي حملت الاسم ذاته. صدرت الرواية عن دار الشروق ضمن إصدارات مكتبة الأسرة عام 2009م، وتقع في 219 صفحة من القطع المتوسط، وتُعد—بحسب كثير من النقاد—من أبرز أعمال الكاتب وأكثرها كثافة وجرأة.

تنطلق الرواية من خبر صحفي عن جريمة صادمة: امرأة تُدعى مريم تقتل زوجها المسيحي وعشيقها المسلم في واقعة واحدة. يكلف رئيس تحرير صحيفة في القاهرة صحفيًا بالسفر إلى الصعيد لتغطية الجريمة بهدف رفع التوزيع، فيتحول القطار إلى وسيلة عبور مكاني ومعرفي في آن. وعلى امتداد الرحلة، ومن خلال الحوارات مع ركاب القطار ومن يلتقيهم الصحفي خارجه، يقوم يوسف القُعَيِّد بتشريح المجتمع المصري، ولا سيما الصعيد بوصفه فضاءً مهمشًا ومعزولًا.

لا تنشغل الرواية بالجريمة بوصفها حدثًا جنائيًا معزولًا، بل تقدّمها باعتبارها جزءًا من أزمة وطنية عامة. فجريمة مريم ليست سوى عَرَضٍ لانهيارات أعمق، تتقاطع فيها أزمات الأحوال الشخصية، والعجز الزوجي، والاختناق الاجتماعي، ولا سيما في السياق المسيحي، حيث تُغلق السبل أمام المرأة في حالات مماثلة، بما يفتح الباب أمام مآلات مأساوية. من هنا، تلامس الرواية—ولو ضمنيًا—إشكاليات قانونيّة ودينيّة شديدة الحساسيّة، جعلت الجريمة نفسها ممنوعًا نشرها داخل منطق السلطة.

وفي أثناء البحث عن ملابسات الجريمة، تتكشّف أزمات أخرى لا تقل فداحة: التطرف الديني، والثأر، والفتنة الطائفية، وهي المشكلات الثلاث التي يرصدها القُعَيِّد بوصفها نتاجًا تاريخيًا واجتماعيًا تصاعد خلال سبعينيات القرن الماضي. يتداخل الخاص والعام، وتتشابك المصائر، ليصبح الجميع شركاء في الهم، وإن اختلفت مواقعهم.

المفارقة الكبرى تأتي في نهاية الرواية، حين يعود الصحفي إلى القاهرة محمّلًا بملفات وقضايا شديدة الجدية، ليصطدم برئيس تحريره—الذي تصفه الرواية بالتعصب—رافضًا نشر كل ما كُتب، ولا يوافق سوى على نشر حكاية هامشية عن اغتصاب رجل على يد مجموعة نساء. هكذا تُفرغ الحقيقة من مضمونها، ويُكافأ الابتذال، وينتهي الصحفي متهمًا بالجنون، مطرودًا إلى الشارع.

تأتي هذه النهاية القاسية لتؤكد أن الجنون الحقيقي ليس في قول الحقيقة، بل في نظام يرفض سماعها. وبذلك تترك “قطار الصعيد” قارئها أمام رواية موجعة، بطعم الألم، تكشف كيف تتحول الكتابة، حين تلامس الجرح الحقيقي، إلى فعل إدانة، وكيف يصبح القطار—مرة أخرى—رمزًا لوطن يسير، لكنه لا يصل.

في الختام، تظل رواية “قطار الصعيد” ليوسف القُعَيِّد أكثر من مجرد قصة جريمة؛ فهي مرآة المجتمع المصري بكل تناقضاته، حيث يتشابك العام مع الخاص، وتتقاطع السياسة مع العادات، ويتضح أثر التطرف الديني والثأر والفتن الطائفية على حياة الإنسان العادي. من خلال رحلة الصحفي على متن القطار، ينجح القُعَيِّد في تحويل مكان السفر إلى فضاء روائي رمزي، يعبّر عن صراعات الوطن وأزماته المزمنة، وعن صعوبة قول الحقيقة في مجتمع يرفضها، وعن الألم الذي يتركه الصمت والتجاهل على الواقع.

إن الرواية، بنهايتها المفزعة وغير المتوقعة، تؤكد أن الكتابة الأدبية قادرة على كشف الجرح الوطني، وعلى طرح الأسئلة الكبرى حول العدل، والمجتمع، والهوية، لتبقى بذلك “قطار الصعيد” عملاً روائيًا بطعم الألم، ودعوة مستمرة للتفكير، والتأمل، والحوار حول وطنٍ لا يزال يبحث عن نفسه.

راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس، القاهرة. باحث في التراث العربيّ المسيحيّ

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع