فصل من رواية “شباك المنور”

fatema al sharnouby

فاطمة الشرنوبي

أكتوبر ١٩٩٢

​حدوتة «الشاطر حسن» هي آخر ما جمع بين رقية وجدّتها، قبل أن يرتجّ البيت بعنف ويتحرّك كل ما فيه، كانت أمها قد اصطحبت «ص» و«س» خارج البيت، بينما أمضت رقية الوقت مع جدتها الحنون، بعدها بساعتين اهتزّ الأثاث وتراقصت النجفات وتساقطت بعض أجزائها الزجاجية الصغيرة محدثة صوتًا مدويًا متداخلًا مع صرخات نساء وأطفال في الشارع، هرع الجميع إلى الطرقات ولم يبدُ أن الرَّجّة ستتوقف قريبًا، لاذت رقية بحضن جدتها التي أطبقت على رأسها بين ثدييها المتهدّلين، استر يا ستّار… نجّنا يا الله! همسات العجوز زادت من خوف الفتاة ذات الستة أعوام، استمرّت في الصراخ بصوت مكتوم يمتصُّه جسد العجوز الواهن، وكأنها استجابة للصرخات التي تأتي من الخارج، سمعت رقية صوتًا مدويًا تبعته شهقة متحرجة، ارتخت الذراعان اللّتان تضمنها، وتساقط الجسد الذي كانت تحتمي به، رفعت رأسها بحذر وخوف شديدين، وتعلّقت عيناها بعينيّ العجوز المرتخيتين…

​وربما كانت هذه اللحظة هي باكُورة سلسلة جولات لرقية في بحر بلا قرار.

​علمت رقية بعد هذه الواقعة بأربعة عشر عامًا أن النساء خرجن في هذا اليوم إلى الشوارع عرايا، متجرّدات من ملابسهن إلا من بعض قطع تشفُّ عمّا تحتها، هرعن فرارًا من موت محقّق لا تسترهن إلا عيون مرتعبة، وألسنة لاهجة بالدعاء، وقلوب متوسّلة إلى ربّ الزلازل والمصائب بالستر والحماية، علِمَت أن جدتها كانت تحمل بين أضلعها قلبًا ضعيفًا لم يقدر على فزعة كتلك، كانت تتناول أدويةً للقلب والضغط والسكر، وأدويةً أخرى لعلاج الروماتيزم – والذي يبدو أن أمها قد ورثته عنها – فتركها قلقة من المشي خارج المنزل أو التنقل دون عكاز وغير قادرة على الانتظام في الخياطة كما السابق، فقد اعوجَّت بعض أصابعها وسُمِعت طقطقات مفاصلها، وزاد أنينها طيلة الليل من وخزٍ وتنميل يسري في يديها.

وكأن الأمس هو اليوم، ذرفت رقية الدموع لما تذكرت الفساتين التي خاطتها لها ولدميتها، وتحسّرت على كل هذاالحب والدفء الذي ذهب ولم يعد، وبقي التساؤل يتردد في رأسها، كيف يولد هذا القبح من بطن ذاك الجمال؟!

​سرعان ما كفكفت رقية دموعها وضحكت، وحمدت الله أن جدتها لم تخرج إلى الشوارع عريانة مثل هؤلاء النسوة اللاتي سمعت عنهن، لم تملّ أمها وخالتها عن الحديث عن (زلزال ٩٢) كما تسمّيانه، في كل مرة تلتقيان، تكرران نفس الحكايات، وتسخران من أمّ أماني التي خرجت وقتذاك إلى الشارع كما ولدتها أمها، تتساقط منها قطرات مياه الاستحمام والصابون، يا عيني عليها ده اتخضّت خضة وحشة! تقولها خالتها ثم تنفجران في الضحك مثل كل مرة، يتضاحكن طويلًا ثم يستغفرن الله أنهنّ ما قصدن غيبتها، وإنما يذكُرن أنفسهن بها وبغيرها عبرةً واتِّعاظًا، «نحمده على ستره، ما اتفضحناش!»، «ده ما كانتش تطلع البلكونة من غير الطرحة على دماغها! شوفي بقى في كم واحد شاف كل حاجة يوميها!»، «لَهُ في ذلك حِكَم يا أختي!». تسمع رقية هذا الحديث في كل مرة وهي تحبس الدموع وتتذكر الحدوتة والدمية والفستان، تتذكر همسات جدتها وهي تضع يمناها المرتجفة على رأسها، كانت تتلو قصار السور بصوت متهدِّج خفيض وتردد «تحصنت بذي العزة والجبروت واعتصمت بربِّ الملكوت». تتذكر رقية هذه اللحظات العصيبة كل مرة، وكأنها نجت للتوّ من موت محقق تحت السقف أو بين تشققات الأرصفة.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع