د. فريال غزول
أطروحة سيد إسماعيل ضيف الله بحث جريء ودقيق ورائد؛ جريء لأنه يتناول شاعرًا فذًا لا يمكن توصيفه بكلمات معدودة؛ فكل توصيف لجوانبه المتنوعة اختزالٌ وابتسار. فؤاد حدّاد بتعدده الإنساني يتجاوز الأنماط السائدة من الهويات. تنصهر فيه روافد مختلفة، أيديولوجية ووطنية تتحدى التنميط الأحادي، وربما نجد فيما قاله أحد مريديه عنه دليلًا على جرأة من يتناوله موضوعًا للبحث: “لا مفتاح لاستيعاب هذا الرجل والإحاطة به سوى المجاهدة؛ أن يحتويك نصُّه”. (حسين الحاج في “المصري اليوم” بتاريخ 1/11/ 2012). وبالرغم من حضور الشاعر في حياته وبعد رحيله في الوجدان الشعبي والأرشيف الفكري فإن القليل واليسير من الدراسات تناولته بما يستحقه من البحث، فهو في حقيقة الأمر ظاهرة. فؤاد حدّاد مهمش نقديًا وإن كان مركزيًا في الساحة الشعرية، وتحديدًا في ساحة الشعر المكتوب بالعامية المصرية.
والبحث دقيق لأنه قراءة متمعِّنة وفاحصة للغة فؤاد حدّاد بظلالها ومجازاتها. تستبطن قراءة الباحث مواقف الشاعر في أدق تفاصيلها ومجازاتها. تستبطن قراءة الباحث مواقف الشاعر في أدق تفاصيلها وتشرّح مكنوناته وتفسِّر تحولاته إن لم يكن تناقضاته الظاهرية ذات الطابع البرادوكسي (paradox). إنها قراءة تسعى إلى استكشاف هواجس الشاعر في مراحل مختلفة من حياته وأساليب التعبير عن قناعاته، عن تطلعاته وانكساراته في عقود متتالية.
وأما ريادة البحث فتحديدًا تكمن في توظيف نهج نقدي أصبح يعرف بالنقد الثقافي. وأطلق عليه مصطلح “نهج” أو “مسار” عوضًا عن “منهج” أو “مدرسة”؛ لأنه يعتمد على علوم معرفية متعددة تتداخل فيما بينها لتضيء النص، فالنقد الثقافي أقرب ما يكون إلى مساحة تتسع لتشمل توجهات نقدية وفكرية تتقاطع فيما بينها. إنه ميدان تتحاور فيه منطلقات نظريّة معقدة لتشريح نصىّ مركّب.
ويبدو لي أن النقد الثقافي برحابته وإمكانياته المتعددة مناسبة لرحابة فؤاد حدّاد وهوياته المتنوعة والمتضافرة. وربما كانت مرونة النقد الثقافي عاملًا في توظيفه عند بعض النقاد باستسهال شديد، وأحيانًا بتبسيط مُخلٍ أو بنقل تقليدي لمصادر وافدة، إلا أن البحث الذي نحن بصدده يقدم نموذجًا رائدًا للتعامل العلمي الجاد مع النقد الثقافي. ولهذا يستهلّ الباحث أطروحته بتقديم المصطلحات الرئيسية في بحثه معرّفًا لها وراصدًا مراجعها وأعلامها. ويركز الباحث على أربعة مفاهيم بدءًا بمصطلح التمثيل (Representation) الذي كان الحجر الأساسي في نقد الاستشراق عند إدوارد سعيد، والذي تناوله العديد من المفكرين بعده مفصّلين الدور السلبي للتمثيل المشوِّه للآخر، وبالتالي دور التمثيل المستلِب في القمع والإقصاء. وأما مفهوم الموقع الثقافي (Cultural Location) فيرتبط بتفكيك مفهوم الهوية الثابتة والجوهرية. فالهوية في هذا المصطلح تشير إلى تشكِّلها وتحولها المستمرين والمرتبطين بموقع صاحبها، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، عندما يصبح المعارض مسؤولًا في السلطة يؤثِر موقعه الثقافي على هويته.
وكما أن التمثيل والهوية الثقافية المرتبطة بالموقع مفهومان مترابطان، كذلك مفهوما الخطاب الاستعاري (Metaphorical Discourse) والسنّة الأدبية (Literary Canon) اللذان يطرحهما الباحث يتشابكان. الخطاب الاستعاري هو الاستراتيجية البلاغية في خطاب ما سواء كان الخطاب أدبيًا أو سياسيًا أو حتى دردشة يومية. فمما لا شك فيه أن الاستعارة والمجاز لا يقتصران على اللغة الأدبية، بل نجدهما في اللغة اليومية وفي الخطبة الرئاسية، ومن ثمّ يمكن مقارنة الخطاب الاستعاري أو المجاز الاستعاري في قصيدة ما وفي بيان سياسي ما. وأما السنّة الأدبية أو ما يصنّف كأمهات الكتب وعيون الأدب، فهو مصطلح لا يشير في منظور النقد الثقافي إلى الجودة الإبداعية مطلقًا، وإنما إلى الجودة كما تجسدها السلطة الثقافية المهيمنة، وبالتالي فهي ليست توصيفًا جامعًا مانعًا للإبداع، وإنما هي تعبير عن خيارات تيارات سائدة في مرحلة ما. وهذا التعريف للسنّة الأدبية بدوره يفكك المفهوم من سلطانه المعرفي، من قدسيته وتعاليه.
ويبدو أن الباحث اختار هذه الرباعية من المصطلحات من النقد الثقافي ليعيد القارئ النظر فيما هو فصيح وما هو عامي، ما هو رفيع، وما هو شعبي، وليؤكد على هشاشة التمييز بين ما هو أدبي وما هو غير أدبي، ويكشف عن تسييس النماذج الجمالية بتراتبياتها في الوعي النقدي، (وطبعًا بدأ رولان بارت بأسطرة اليومي والعامي قبل أن يتبلور النقد الثقافي كما نعرفه، ولهذا فهو أب غير شرعي إن صح التعبير لحقل الدراسات الثقافية). وكل هذا يصب في مشروع الباحث ألا وهو المقارنة وأحيانًا المفارقة بين مفهوم الشعب باستعارته وصوره عند الشاعر وعند السلطة متمثلة في الرئيس.
وفي حقيقة الأمر، فمسألة البنية الفوقية كما جاءت في الأدبيات الماركسية على اختلاف تفسيراتها ركن هام في النقد الثقافي، وإن كانت تنطلق تحديدًا من منظور أنطونيو غرامشي الماركسي، فقد نشر هذا المفكر الإيطالي مفهوم الهيمنة وارتباطه بالبنية الفوقية وقدرته على التحكم في الجماهير. فالهيمنة عند غرامشي هي القمع والتحجيم عن طريق القوة الناعمة، عن طريق الثقافة بأبعادها المتعددة؛ الأدب والإعلام والمأثورات والعادات والتقاليد والشعائر التي تشكّل فيما بينها إطارًا للهوية تحدَّد من تمكين الفرد والجماعة المقموعة، وبالتالي تغلّ يد الثورة، بل تجعل الفرد والجماعة ترى نفسها في مرآة السلطة؛ أي أن هناك علاقة بين الهيمنة والتدجين.
وتأتي دراسة بنديدكت أندرسن القيّمة عن الجماعة المُتخيَّلة لتضيف بعدًا آخر في أدبيات النقد الثقافي، فهي ترى أن الصحافة والأدب عاملان أساسيان في تخيل أو تصوّر الشعب لذاته الجماعية، حيث يشكّلان شبكة من العلاقات غير الملموسة، والتي تتجاوز المعرفة العينية بالآخر كما في القرية، لتصبح علاقة “ثقافية” بالمعنى الأنثروبولوجي. وبذلك يصبح الشعب مجموعة من أفراد تنتسب له وإن كانت غير مرتبطة عن طريق العرق أو الدم ببعضها. والتخيل عند أندرسون لا يعني على الإطلاق الشعر الخيالي أو الفانتازي، وإنما الشعور الذي تبثه الثقافة المشتركة في الجماعة الواحدة. ومع أن أندرسون يعتمد أساسًا على الثقافة المكتوبة والرواية والصحف اليومية تحديدًا في خلق هذا الإحساس بكوننا ننتمي إلى شعب واحد على الرغم من اختلافنا، فالباحث سيد ضيف الله يركز على الشعر والشعر المكتوب بالعامية؛ وتحديدًا شعر فؤاد حدّاد، وذلك عبر تمثله لمفهوم الشعب وتوصيله لهذا المفهوم لأبناء الشعب.
التمثيل، إذن، ذهني أو مُتخيل والقرابة الثقافية بين أبناء الشعب وبناته ليست إلا الناتج الحتمي للخطابات المتقاطعة في مجتمع ما. وعليه فتجانس الشعب ليس مسألة عرقية، وإنما مسألة ثقافية بامتياز تجعل الفرد يشعر بالانتماء إلى هوية جماعية ما دون أن يعرف الآخرين عينيًا. فتقديم الشعب باعتباره عائلة – كما فعل السادات – استعارة. إن أهمية ما قام به الباحث هو ربطه بين خطاب فؤاد حدّاد بمجازاته وتصويره للشعب وبين خطابات الرؤساء الثلاثة في تصويرهم لهذا الشعب آخذًا بنظر الاعتبار الأحداث التاريخية التي مرت فيها مصر من الخمسينيات إلى الثمانينيات.
وانطلاقًا من استراتيجيات النقد الثقافي لا يقدم الباحث التاريخ باعتباره خلفية نتعرّف عليها لندرك السياق الذي انبثق فيه شعر فؤاد حداد. يتعامل الباحث مع التاريخ باعتباره نصًا – وهذا ما تعلمناه من جاك دريدا وغيره. فالماضي لا يمكن إدراكه إلا عبر نصوصه. الماضي، إذن، خطاب يتشكل من نصوص ووثائق. وبالتالي يقوم النقد الثقافي على الاشتباك بنص تاريخي يوسم مرحلة ما ليقارنه بنص أدبي يكشف عن التراسل أو التواصل أو التنافر بينهما، وقد عرفت هذه الاستراتيجية التي تصنع نصًا أدبيًا جنبًا إلى جنب مع نص تاريخي بالتاريخانية الجديدة وتقوم بتحليل النصين تحليلًا بلاغيًا يكشف عن المسكوت عنه أو المضمر في الخطابين. وأرى أن اختيار الباحث لخطابات الرؤساء على تباينهم موفق لأنه خطاب السلطة ومن موقع الرئاسة، بينما القصيدة خطاب الشاعر ومن موقع الناس والغلابة. وعليه فالأطروحة تتناول ضمنًا علاقة المثقف أو المبدع بالسلطة. إن هذا التناول الموازي بين نصين أحدهما أدبي شعري والآخر تاريخي سياسي يساهم في نموذج الدراسات الثقافية متخذًا من مصر القرن العشرين مجالًا للبحث. ويفسِّر الباحث على سبيل المثال كيف أن فؤاد حدّاد وغيره من سجناء الرأي المقبوض من السلطة ميّز تمييزًا ذهنيًا بين السجّان الذي يعذّبه وبين الرئيس عبد الناصر الذي يدعو إلى التحرر، وذلك عبر تحليلات دقيقة. ومما يعيب النقد الثقافي العربي السابق لهذه الأطروحة هو تعميمات جامعة غير موثّقة لا تدخل في صلب النص المدروس ولا تتعامل معه ميكروسكوبيًا كما يجب، وبالتالي فهي تقدم رأيًا أكثر مما تقدم بحثًا.
قام الباحث بتشريح الخطب الرئاسية والقصائد ليوضح أيضًا تركيز الشاعر في مراحل مختلفة على دوائر العروبة والإسلام والاشتراكية وكيف كان يعلي الشاعر من أحد جوانب هذا الثالوث وفقًا لتمثله للشعب في ظل المتغيرات.
في الموسيقى كما بيّن إدوارد سعيد هناك قرار وجواب (point + counter point)، لحنان مختلفان ومتشابكان. وهذا جانب من البوليفونية في الموسيقى وفي النقد الباختيني، إلا أن باختين كان يبحث عن الأصوات المتعددة والمتشابكة في العمل الأدبي، بينما سعيد كان يدعو إلى تجاور نصوص أدبية وغير أدبية لتشكل بوليفونية، وقد عكف سعيد على قراءة وثائق للحكومة الفرنسية في الجزائر وقابلها بقراءة قصص قصيرة لألبير كامو، نص عن استعمار أفريقيا ورواية لجوزيف كونراد عن الكونغو وبيّن كيف يتقابلان وكيف يدعم أحدهما الآخر أو يواجه الآخر. وهذا تحديدًا ما قام به الباحث ليقتحم موضوعًا غير مطروق أكاديميًا ويستخدم منهجًا جديدًا في التعامل معه.
يبقى أن أضيف أنني واكبت هذا البحث منذ بداياته المترددة والمتعثرة إلى استكماله في نموذج رائد، وكان تركيزي في الإشراف على استيعاب النقد الثقافي ومسلماته وتطبيقاته بدقة وصراحة ابتعادًا عن الاستسهال. كان الباحث متجاوبًا إلى أقصى حد وقرأ ما اقترحت عليه من مراجع باللغة الإنجليزية ولم يكتفِ بالمراجع المترجمة إلى العربية. وسعدت بالتقاطه للإشارة العابرة وقراءته لما تجاوز لما اقترحت عليه – إنه باحث ملتزم وجاد عمل على أطروحته لفترة طالت حتى ظننت أنها لن تنتهي، وأن المشروع لن يكتمل وكدت أيأس، ولكنه عندما سلّمني الأطروحة في نسختها الأولى والثانية وجدت أنه قد حقق عملًا يستحق الثناء.
أود أن أضيف أنه في تقليد مبتكر يختتم الباحث الدراسة بالإشارة إلى موضوعات مقترحة لبحوث مستقبلية تستفيد من النقد الثقافي، وأنا بدوري أضيف موضوعًا آخر: متى وكيف بدأ وانتشر مفهوم الشعب؟ لقد حلل الناقد الثقافي الإنجليزي ريموند وليامز الكلمات المفاتيح وقام بترجمة الكتاب نعيمان عثمان مع مقدمة لطلال أسد، ومن الكلمات المفاتيح التي تطرق لها ولتاريخها مفهوم الشعب (Folk). سيسعدني يومًا ما أن أطلع على دراسة تحدد تاريخ كلمة الشعب ومتى نبذ النقاد كلمة الرعية مستبدلين إياها بكلمة “شعب” وما أيتمولوجية الكلمة عربيًا وما علاقتها بالشعوبية.
……………………………….
[1] تلت د. فريال هذه الكلمة في جلسة مناقشة أطروحتى للدكتوراه بوصفها مشرفًا مشاركًا مع د. سليمان العطار مشرفًا رئيسًا، كما ضمت لجنة المناقشة د. حسين حمودة، د. مصطفى الضبع.










