طارق فراج
“أنا الأب، الرمز المقدس، الروح الحامية، ساحر القبيلة القابع متوحدًا في برج عزلته، متجاوزًا البشرية إلى حال من أحوال الروح الخالصة، هربًا من وحل المعضلات الحياتية التي لا حل لها”.
ثمة روايات تُكتب لتُروى، وروايات أخرى تُكتب لتُفكَّك؛ وهذه الرواية التي بين أيدينا تنتمي إلى النوع الأخير، فهي نص يستدرج قارئه إلى مصيدة لغوية محكمة، تبدو في ظاهرها احتفاءً سرديًّا بمصير طاغية يُساق إلى حبل المشنقة، بينما يخفي في طبقاته العميقة مرافعة عن طبيعة السلطة، وعن تواطؤ الضحية مع جلادها، وعن دوران التاريخ العربي في حلقة جهنمية لا تنتهي. والعنوان نفسه – “الدُّمّى” – عتبة دالة لا تُقرأ بمعزل عن المتن، فهو لا يشير، كما قد يُعتقد، إلى الشعب المقهور وحده، بل ينسحب، في مفارقة لاذعة، على الحاكم ذاته؛ فالطاغية الذي يُتوهَّم إلهًا في عيون رعيته ليس، في عمق البنية السردية، أكثر من خيط يُحرَّك من علٍ، ومن هنا تنطق الرواية بصوت بطلها نفسه في لحظة يأسه الأخيرة وهو يخاطب أحد جنرالاته بقوله إن الجميع “دُمى في أيديهم، مجردُ أصداف فارغة”؛ فالعنوان، إذن، مرآة مزدوجة تعكس الحاكم والمحكوم في آنٍ، وتُسقط الحدَّ الفاصل بينهما لتجعل من فعل التسلط نفسه لعبة عرائس كبرى تُحرّكها أيدٍ أبعد وأخفى من أن تُرى.
يبتكر أبو عيشة شخصيته المحورية – “بابا” – على نحو لا يُحيل إلى حاكم بعينه، بل يُراكم فيها، تفاصيل منتزعة من سير وصفات عدد من الحكام الذين عرفهم القرن العشرون وأوائل القرن الحادي والعشرين: فالمسدس الذهبي الذي لا يفارق خصره، وحرسه من النساء، وتقويمه الذي يُعيد فيه تسمية الشهور بأسماء كالنار والنوار والربيع وناصر وهانيبال، تستدعي بوضوح ملامح العقيد الليبي الراحل؛ وموكب إعدامه شنقًا أمام الجماهير في ساحة سُمّيت بـ”ميدان الحرية” يستحضر صورة الرئيس العراقي الذي أُعدم على الطريقة نفسها؛ ومحاكمته السريعة المصحوبة بزوجته “ماما” تعيد إلى الذاكرة المشهد الأخير للزعيم الروماني وقرينته أمام فرقة الإعدام؛ وحكايات إلقاء المعارضين لتماسيح جائعة وأكل لحوم البشر تنهل من أسطورة الحاكم الأوغندي سيّئ الذكر؛ وتنصيب نفسه إمبراطورًا في حفل بالغ البذخ يوازي تتويج إمبراطور أفريقي وسط القرن الماضي. وبذلك لا تكون “بابا” محاكاة لشخص واحد، بل نُصُبًا تذكاريًّا متعدد الأوجه، يجمع في قالب واحد ميراث الاستبداد بمختلف تجلياته الجغرافية والزمنية، تمامًا كما فعل جابرييل جارثيا ماركيز في “خريف البطريرك” حين صاغ من سير عدة طغاة أمريكيين لاتينيين كائنًا روائيًّا واحدًا يتجاوز التاريخ الفردي إلى نمط إنساني متكرر.
إن هذه التقنية ليست محض زخرفة فنية، بل هي بيان فني في صلب بنائها: إذ يرفض النص أن يُحاكم طاغيةً بعينه، ويذهب إلى أن الاستبداد بنية متكررة تتلبَّس أشخاصًا متعاقبين، لا فعلًا فرديًّا ينتهي بانتهاء صاحبه. ولذلك ينطق “بابا” نفسه، في لحظة تتقاطع فيها السخرية بالرعب، بأن “بابا فكرة خالدة” لا تموت بموت حاملها، وأن المشيرين المنتظرين حوله ما داموا قد تواطؤوا على إخفاء موته إنما يُمهّدون الطريق، بلا وعي منهم، لميلاد “بابا الجديد” من رحم اللحظة نفسها. فالاستبداد، في رؤية الرواية، أقرب إلى عدوى تنتقل من جسد إلى جسد، أو إلى قناع جاهز ينتظر من يرتديه، لا إلى قَدَر شخص واحد ينقضي بزواله. تفتتح الرواية بمشهد بصري قاسٍ: جثة معلَّقة فوق منصة الإعدام، ذليلة شاحبة، لا تشبه الصور الرسمية الفخمة المعلَّقة في كل زاوية من الوطن. واللافت أن هذا المشهد لا يُروى بضمير الغائب، بل بضمير الجماعة، فالراوي هنا ليس فردًا متفردًا برؤية الأحداث، بل صوت جمعي يتقمص هوية الثوار/الشعب وهو يحدّق في جثة مَن ظنّه خالدًا. وهذا الاختيار السردي يحمل دلالة عميقة: فالثورة، في هذا النص، ليست فعلًا فرديًّا بطوليًّا، بل لحظة انصهار جماعي تتوحد فيها الذوات المتعددة في كتلة واحدة من الغضب المتأخر، وهو ما يعكسه المقطع الافتتاحي حين يصف اقتحام القصر بوصفه طوفانًا من الأشباح “تلهو بانتشاء فائض”، تتدافع لرؤية أسرار الحاكم الذي حكمها عمرًا كاملًا دون أن تعرف من هو.
غير أن هذا الراوي الجمعي لا يلبث أن يكشف، بصدق نادر، عن محدودية وعيه: فهو يعترف بأن الثوار “لم يعرفوا ماذا يريدون”، وأنهم سلّموا رؤوسهم بعفوية مثالية لا تُحسد عليها لمن خلَفَ الطاغية. وفي هذا الاعتراف المبكر – الذي يأتي في الصفحات الأولى – تكمن أهم سمة نقدية في بنية النص: فهو لا يكتفي بفضح الطاغية، بل يدير المرآة نحو الجمهور الثائر نفسه، مفككًا أسطورة الثورة العفوية الخالصة، ومستبقًا بذلك مصير الأحداث التي ستتكشف لاحقًا، حين يتبيّن أن سقوط “بابا” لا يعني نهاية النظام الذي أنتجه، بل بداية دورة جديدة من “الباباوات” المتعاقبين. تتميز الرواية بالجمل طويلة ذات متلاحقة في تدفق يكاد يخلو من النقاط الفاصلة حتى يضع القارئ في حال من الإغراق الحسي يحاكي إغراق الشعب نفسه في فيض دعاية السلطة. فحين يصف النص محتويات القصر، تتوالى الصور دون توقف: ملعب جولف، وحمامات سباحة، وحلبات مصارعة بشرية، وسيارات محطمة في سباقات أوروبية تافهة، ورؤوس مقطوعة محفوظة إلى جانب فاكهة نادرة، وأقبية من الويسكي المهرَّب، وأنفاق سرية تصل إلى البحر والبرلمان معًا. وهذا التكديس الوصفي ليس عبثًا أسلوبيًّا، بل هو محاكاة شكلية لمنطق الاستبداد ذاته: الإفراط بلا حدود، والتراكم بلا معنى، والثروة المكدَّسة في مواجهة الفقر المتراكم خارج الأسوار.
تنضح الرواية بروح الواقعية السحرية في أكثر من موضع: فالطاغية “يموت” ويبقى أتباعه عاجزين عن إعلان موته خوفًا من انهيار النظام بأسره، فيُصرّون على إخراجه أمام الكاميرات محنّطًا بأصابع التجميل والتقنية، في مشهد يستدعي سخرية ماركيزية صريحة من فكرة “الخلود” التي يصطنعها كل طاغية لنفسه. كذلك تتجلى الواقعية السحرية في تجسيد الأرواح والأشباح في فصول النفي الأخيرة، حين يرى الطاغية المنفيّ أشباح ضحاياه تتراءى له في المرايا المهشَّمة، وتحدّثه بأصوات واضحة، في مزج بارع بين الواقع النفسي للخرف وبين البعد الأسطوري للعقاب المؤجَّل.
ولا تخلو هذه التقنية من كوميديا سوداء، تتجلى في المفارقات الكلامية التي تُحمّل الخطاب الرسمي معنى مضادًا لظاهره: فالحاكم الذي يُلقَّب بـ”الرحيم” هو أكثر الشخصيات قسوة، والجلاد الذي يستجوب الضحايا “بأسلوب أخوي” هو نفسه من يسقيهم السم بأيدٍ ودودٍ، والاحتفالات الرسمية “البسيطة” تك لّف خزينة دولة مديونة ملايين الدولارات. وهذه السخرية القائمة على المفارقة اللغوية تحديدًا – لا على النكتة المباشرة – هي ما يمنح النص نفسًا كرنفاليًّا بالمعنى الباختيني، حيث يُقلب نظام القيم الرسمي رأسًا على عقب، ويُستبدَل الخطاب الرصين للسلطة بضحك خفي يفضحها من الداخل.
*
لكن على الرغم من انغماس النص بالكامل في رمزية مفتوحة، يلجأ في لحظة محسوبة بدقة إلى تثبيت الحدث بحاشية توثيقية صريحة تُحيل القارئ إلى “ثورة 25 يناير2011، فتنغرس اللحظة الأسطورية، للمرة الأولى بوضوح تام، في تاريخ محدد لا التباس فيه. وهذا التقاطع بين المتخيَّل الرمزي والوثيقة التاريخية ليس زلة سردية، بل هو إستراتيجية مقصودة تمنح النص قدرته المزدوجة: فهو يحتفظ بمسافة الأسطورة التي تتيح له تجاوز الرقابة السياسية والمكانية، بينما يضمن في الوقت نفسه أن لا يُقرأ كخيال محض منقطع عن جذوره في الواقع العربي الحديث. وبذلك يتحول “بابا” من قناع أسطوري عابر للزمن إلى مرآة محدَّدة التوقيت، تُحاكم لحظة تاريخية بعينها وتتجاوزها في آنٍ واحد.
لا تقل شخصية “ماما” – رفيقة الطاغية وزوجته – عن “بابا” تركيبًا وتعقيدًا، فهي بدورها شخصية جامعة تنهل من سير زوجات حكام عرفن بالبذخ الفاحش والتدخل في الشأن العام، ومن تفاصيل حفلات زفاف ملكية أوروبية باتت رمزًا عالميًّا للفخامة المصطنعة. تبدأ “ماما” في الرواية من عدم – ابنة غير شرعية، نشأت في فقر مدقع – ثم تتسلق درجات الحظوة بذكاء برّاق وانعدام مبدئي، حتى تستحوذ على القرار الاقتصادي للدولة عبر شركات وهمية ومؤسسات خيرية لا تخدم سوى صورتها الإعلامية. وفي رسم هذه الشخصية تتجلى مفارقة نسوية موجعة: فـ”ماما” قوة فاعلة تتحكم بمصائر الرجال حولها، تُرسل من تشاء منهم إلى حبل المشنقة بإيماءة من رأسها، وفي الوقت ذاته أسيرة هوس الغيرة والخوف من الزوال، تُلقي بنفسها في أحضان السحر والشعوذة بحثًا عن حب لا تضمنه كل سلطتها. فالرواية، بذلك، لا تُبرّئ “ماما” من المشاركة في الجريمة بحجة كونها امرأة في بلاط ذكوري، بل تجعلها وجهًا آخر لنفس آلة القهر، وضحية لها في آنٍ معًا، في تركيب نفسي يتجاوز الثنائية الفجة بين الجلاد والضحية.
تفرد الرواية مساحة لافتة لتفكيك العلاقة الملتبسة بين الاستبداد والخطاب الديني، حين يتحول “بابا” – في غير لحظة – إلى راعٍ للشعائر، يتحكم في موقّت الأهلّة وبدايات الأعياد، ويُقيم صلاة العيد وهو سكران لم يتوضأ، محاطًا بسدنة ينقلون خطواتهم وراء خطواته في مشهد كاريكاتيري يفضح الخطاب الديني الرسمي بوصفه قشرة شرعية لا أكثر. والأخطر من ذلك أن النص يضع على لسان “بابا” نفسه اعترافًا صريحًا بأن “لا دين إلا دين الواقع”، وأن “عقيدتي هي البطش”، فيُسقط القناع كاملًا عن آلية استخدام الدين أداةً لشرعنة السلطة لا غاية إيمانية. وفي هذا المنحى، تنضم الرواية إلى تيار نقدي عريض في الأدب العربي الحديث يسعى إلى الفصل بين جوهر الإيمان الشخصي وبين توظيفه السياسي القهري، دون أن تنزلق الرواية – وهذا جدير بالملاحظة – إلى لغة وعظية مباشرة، بل تترك المفارقة الدرامية نفسها تُنجز هذا الفصل.
*
من أجرأ ما في هذا النص أنه يرفض الاحتفاء الساذج بالثورة، ويُعيد النظر في عفويتها بعين فاحصة لا تخلو من أسى. فالراوي الجمعي، كما أشرنا، يعترف منذ الصفحات الأولى بأن الثوار عرفوا ما لا يريدون أكثر مما عرفوا ما يريدون، وهذا الاعتراف يتردد صداه في مقاطع لاحقة تصف كيف تحولت اللحظة الثورية الحقيقية، الصادقة في انفعالها العفوي، إلى مادة خام تستثمرها قوى أكثر دهاء: فالأنظمة العالمية الكبرى، كما تصفها الرواية بمرارة بيّنة، لا تكتفي بمراقبة الثورات من الخارج، بل تتسلل إلى صفوفها لتجنّد قادتها أو لتُلهم الجماهير “طريق الخلاص” عبر مخطط بديل يُبقي البلاد في “البراري الاقتصادية” نفسها. وهكذا تتحول الدمى من معنى فردي – الحاكم المتحكَّم به من الخارج – إلى معنى جماعي أشمل: فالشعوب بأسرها قد تتحول، في لحظة غفلتها، إلى دمى أخرى تُحرَّك بخيوط أبعد من أن تراها أو تعيها. وتنتهي الرواية بمصير الطاغية الأخير منفيًّا في مملكة مض لّلة، فاقدًا لذاكرته، تتنازعه يداه كأنهما كائنان متمردان، يبيع تراثه على ناصية الطرق – أحذيته، نياشينه، مخطوطاته – بثمن لا يتجاوز علبة سجائر، بعد أن كان يظن نفسه إمبراطورًا أبديًّا لا يقهره الزمن. وفي هذا المآل تتجسد إحدى أعمق إدراكات النص: أن نهاية الاستبداد ليست انتصارًا دراميًّا حاسمًا، بل تلاشٍ بطيء، شائك، يخالطه الخرف بالنسيان، حتى يفقد الطاغية نفسه القدرة على تذكُّر اسمه أو وجوه من أحبهم. وتختم الرواية مقاطعها الأخيرة باعتراف غريب الهدوء يصدر عن الطاغية نفسه، وهو يكتشف، في لحظة استسلام صافية لا حقد فيها ولا أسف، أن حياته كلها لم تكن سوى سجن اختياريّ، خلف جدران من الكراهية، وأن كل ما حارب من أجله لم يكن إلا حلمًا في منام. وبهذا الإقرار المتأخر، تُغلق الرواية دائرتها السردية على نفسها، لا بانتصار العدالة، بل بانكشاف فراغ السلطة من الداخل، تاركةً للقارئ سؤالًا مفتوحًا عن “بابا الجديد” الذي تنبئ الصفحات الأولى بقدومه الحتمي.
لا تكتفي الرواية بتسجيل وقائع السقوط السلطوى أثناء ما يسمى بثورات الربيع العربيّ، بل تبني منها معمارًا رمزيًّا متكامل البنية، يُحاكم الاستبداد بصفته نظامًا فكريًّا متجذرًا لا حدثًا عابرًا، ويفعل ذلك بلغة تنبض بإيقاع شعري نادر داخل السرد الروائي، تتراوح بين القسوة الوصفية والسخرية الموجعة. غير أن هذا الانغماس العميق في التكثيف الرمزي والتراكم الوصفي، وهو مصدر قوة النص الأساسي، قد يتحول في مقاطع متفرقة إلى عبء على القارئ، حين تتوالى الصور والتفاصيل في كثافة قد تُنهك الانتباه، وتُذيب الشخصيات الثانوية في وظيفتها الرمزية إلى حد تفقد فيه شيئًا من حرارتها الإنسانية الفردية، لحساب الدلالة الجامعة التي يفرضها المشروع الروائي الأكبر. ومع ذلك، يبقى هذا الخيار الفني مفهومًا في سياق طموح النص: فهو لا يكتب سيرة فرد، بل يكتب سيرة فكرة الاستبداد نفسها، وفي هذا السياق يصبح “تسطيح” الشخصيات الثانوية جزءًا من المنهج، لا عيبًا فيه، تمامًا كما يفعل النحت الرمزي الكبير حين يضحي بتفاصيل الوجه الفردية لحساب جلال الهيئة العامة.
تنحاز الرواية التي بين أيدينا إلى تيار سردي يتزايد على استحياء، إلا أنه ينمو ويتفرع محاولا، بعد عقد ونصف من انطلاق ثورات الربيع العربي، أن يصوغ شكلًا روائيًّا قادرًا على استيعاب فجيعة الأمل المؤجَّل وخيبة الثورة المؤجَّلة معًا، متكئًا في الوقت ذاته على إرث عريق من “رواية الديكتاتور” في الآداب العالمية. وما يميّز هذا النص بين أقرانه أنه يرفض الحسم الأخلاقي السهل، فلا يجعل من سقوط الطاغية خاتمة مُطمئنة، ولا يُحمّل الشعب براءة كاملة، بل يترك القارئ في مواجهة سؤال أكثر إيلامًا من أي جواب: هل تنتهي الدمى بانقطاع الخيوط، أم أنها تتوالد، خيطًا بعد خيط، كلما ظنّ صانعوها أنهم بلغوا الحرية؟









