عائشة سلطان في “خوف بارد”: عن هشاشة اليقين وترميم الذاكرة بالحكايات

aisha sultan

رزان نعيم المغربي

​تفتتح الكاتبة عائشة سلطان مجموعتها القصصية “خوف بارد” باقتباس لنجيب محفوظ يحمل مفتاحاً تأويلياً للعمل بأكمله: “الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة”. ومن هذه العتبة، ندخل إلى عالم سردي   يرصد الخوف كونه مشاعر تعتري الإنسان لتشكل طبقة تحميه من المخاطر، يكتسبها منذ صرخته الأولى في الحياة، لهذا تؤكد الكاتبة عائشة سلطان على أنه ليس شعورا يمتحن البشر في لحظات طارئة فقط، إنما يتتبعه كحالة وجودية كامنة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالذاكرة والمكان والآخرين. إن “الخوف البارد” الذي تقترحه هنا، هو ذلك الخوف الذي يبتعد عن الصراخ، مفضلاً التسلل بهدوء عبر تفاصيل الحياة اليومية، واحتلال الفراغات بين المسافات الفارغة، بين حدث يومي اعتيادي وآخر قد لا يلفت الانتباه، ليصبح في النهاية جزءاً من نسيج الشخصيات وتكوينها النفسي.
​تتألف المجموعة من أربع عشرة قصة قصيرة، تتفاوت في أطوالها وإيقاعها السردي، إلا أنها تلتقي جميعاً في مناخات مشحونة بالتوتر الخفي. تبدأ الكاتبة رحلتها بـ “طعم البرتقال”، وتمر عبر عناوين لافتة مثل: “ورود ليلى”، “البحيرة”، “سر الغيمة البيضاء”، “رئيس التحرير”، والقصة التي تحمل اسم المجموعة “خوف بارد”، وصولاً إلى “الوصية”. ومن خلال هذه العناوين، ترسم عائشة سلطان خريطة لمخاوفنا المنسية، حيث تمثل كل قصة طبقة من طبقات النفس البشرية في مواجهة تحولات الواقع وضغوط الذكريات.

طقوس النجاة وذاكرة الفقد
​في قصة “طعم البرتقال”، نجد أنفسنا أمام نموذج مبهر لكيفية تحول العادات الصغيرة إلى “دروع” ضد الفراغ. الفراغ الذي يحدث بعد تعرض لصدمة مثل كارثة طبيعية، هنا تتمحور القصة حول الفيضان، الذي جرف الأحبة، تبدو الشخصية التي تعيش وحيدة، عارية في “صحراء الحياة مثل رمح بلا ظل”، تلوذ بالصحيفة والقهوة وقطعة الكيك، بوصفها أفعال مقاومة ضد ذاكرة كارثية قديمة. الطقس اليومي هنا   “تلويحة عميقة للأشياء التي رحلت”؛ محاولة يائسة لترميم الذات أمام غيابٍ ذهب بالجميع في غمضة عين. تنجح الكاتبة في جعل “اليومي” و”العادي” مشحوناً بدلالات كبرى، حيث يصبح التمسك بالعادات هو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة دون الانهيار أمام وطأة الفقد.

هشاشة الأمان الجماعي
​ينتقل السرد من الخوف الفردي إلى الخوف الجماعي في قصة “ورود ليلى”. هنا، تتفكك أوهام الأمان التي يبنيها حيّ كامل على العزلة أو التجاهل المتواطئ. جريمة اختفاء طفلة تقلب موازين العلاقة مع المكان؛ فالأزقة التي كانت مأوى تتحول فجأة إلى فضاء مهدد، والوجوه المألوفة تصبح مصدراً للريبة. تبرع عائشة سلطان في كشف هشاشة المجتمعات التي تظن أن الطمأنينة تُشترى بالصمت، وترينا كيف يمكن للحدث الواحد أن يمزق القشرة الرقيقة للأمان الزائف، ليواجه الجميع حقيقتهم العارية خلف الأبواب المغلقة.

أسئلة الغياب وحيرة الوجود
​في “البحيرة” و”خبز”، يذهب السرد نحو مناطق أكثر غموضاً. الخوف هنا يتخذ شكل القلق من المجهول، ومن تلك الأسئلة التي تبقى عالقة في الهواء بلا إجابات. سؤال بسيط مثل: “فأين تذهب جثث الغرقى إذن؟”  يتحول إلى ثقب أسود يبتلع اليقين، ويجعل الغياب أكثر حضوراً وسطوة من الوجود نفسه. وفي “خبز”، يتشوش الإدراك وتختلط الأزمنة، وكأن الخوف قد تغلغل في وعي الشخصية لدرجة عجزها عن التمييز بين الحلم والواقع، وبين الأمس والآن.

نحت الشخصية وتراكم التوتر
​تتسم المجموعة بقدرة واضحة على بناء التوتر الدرامي عبر التراكم بعيداً عن المفاجأة الصادمة. الشخصيات في “خوف بارد”، مثل شخصية “رئيس التحرير”، تُنحت بدقة لتعكس تحولات الخوف وتجلياته الاجتماعية. ففي هذه القصة، يتحول الخوف من الفشل ومن نظرة الآخرين إلى دافع محموم للصعود وإثبات الذات بأي ثمن، مما يؤدي في النهاية إلى تشويه المعايير الأخلاقية تحت ضغط الهاجس الداخلي. الفارق هنا هو في ” تمثل الصوت الخاص بالشخصية”؛ حيث ينتقل السرد من الهمس الداخلي الشفيف في قصص الفقد، إلى توتر خفي ومكتوم يتصاعد تحت سطح الأحداث في قصص المواجهة الاجتماعية.

المكان يصبح بطلا فاعلا
​المكان عند عائشة سلطان يتجاوز كونه خلفية صماء، ليصبح عنصراً فاعلاً يحمل ذاكرة ويؤثر في مصائر الأبطال. المطبخ، الأزقة، البحيرة، وحتى “الغيمة البيضاء”، كلها كيانات مشحونة بالإيحاء. الكاتبة تميل أحياناً إلى توظيف الحكاية داخل الحكاية، مستلهمة روح “سيدة الحكي” التي أهدتها الكتاب، مما يمنح النصوص نفساً حكائياً يمزج بين الواقعي والرمزي ببراعة.
​في “خوف بارد”، لم تكن   عائشة سلطان تبحث عن إثارة رعب القارئ، إنما تدعوه إلى تأمل تلك المناطق المسكوت عنها في نفسه. هي نصوص تقترب من الإنسان في هشاشته ووحدته، وفي محاولاته المستمرة للتماسك أمام عالم غير يقيني. الخوف في هذه المجموعة هو تجربة داخلية معقدة، قد تدفعنا أحياناً للنجاة، وقد تجعلنا نعيد تشكيل أنفسنا بطرق لا ندركها إلا متأخرين. التساؤل الحقيقي الذي تطرحه المجموعة يبتعد عن “ماذا حدث؟”، ليركز على “ماذا ترك هذا الحدث في أرواحنا؟”.. وكيف نواصل العيش مع ذلك الأثر البارد للخوف الذي لا يزول.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع