“الموريسكي” لحسن أوريد: ما الذي يبقى حين نفقد كل شيء؟

حسن أوريد الموريسكي

عمرو السيد

ربما أجمل ما يميز رواية “الموريسكي” لحسن أوريد هو أنها لا تسهب في سرد تفاصيل اضطهاد وقمع مسلمي الأندلس بعد سقوطه وتفككه، ولا تكترث لرثاء هذا الفردوس المفقود أو تمجيده حين كان قويا، بل تذهب إلى أبعد من ذلك لتتساءل عن معنى الانتماء حين يُنتزع الإنسان من لغته وبيته وأرضه، ومعنى الدين حين يتحول من أفق روحي إلى راية حرب أو أداة للسيطرة الاجتماعية أو وسيلة لتحقيق طموح سياسي.

في “الموريسكي” يضع حسن أوريد الدينين المسيحي والإسلامي داخل مختبر التاريخ، ليرى كيف يصيران حين يتخلى الإنسان عن جوهرهما الأخلاقي، كما يتتبع رحلة بطل الرواية، شهاب الدين، في البحث عن هويته، وفي أثناء ذلك يكشف لنا أن حكاية مسلمي الأندلس تشبه لحد كبير حكايات أخرى في تاريخنا القديم والمعاصر، وأنه يمكن دائما اختطاف الدين لتحقيق مآرب لم يخلق لأجلها.

بيادق على رقعة الشطرنج

يستثمر حسن أوريد في هذا العمل شخصية تاريخية وهي شهاب الدين أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي، المعروف بـ “أفوقاي” والذي خرج من إسبانيا إلى المغرب سنة 1599م هربا من اضطهاد القشتاليين ليعمل لاحقاً مترجماً ودبلوماسياً في بلاط السعديين.

من خلال أفوقاي، يرسم أوريد بطل الرواية أحمد أو بيدرو، أو شهاب الدين كشخصية مركبة تبحث عن حقيقة هويتها، فكل اسم من هذه الأسماء يشير إلى سلطة مختلفة حاولت امتلاك أو احتلال الشخصية: أحمد هو الأصل الإسلامي والهوية الأندلسية، بينما بيدرو هو الاسم القسري الذي فرضته السلطة القشتالية عليه كمسيحي جديد، أما شهاب الدين فهو الاسم العربي الذي أعطاه له السلطان أحمد المنصور حين وصل لمراكش هاربا من اضطهاد الكنيسة ومحاكم التفتيش.

في الأيام الأولى لتواجده في المغرب يكتشف شهاب الدين كيف قام السعديون بقمع الأمازيغ وتقييد حضارتهم أو كيف أنفقوا مالا عظيما وضحوا بآلاف الجنود ليقهروا مسلمي سونغاي بمالي أو كيف استوردوا النموذج العثماني للسيطرة على البلاد بالنار والحديد من خلال جيش انكشاري يقوده علوج. يلتقي في البلاط بجودر القشتالي ذي الأصول المسلمة والذي عينه السلطان كقائد لجيش النار، ويكتشف مع تتالي الأحداث أنه وجودر وجميع الأندلسيين والأقليات الأخرى “بيادق يستعملها السلطان في رقعة الشطرنج” كما أخبره لاحقا إبراهيم أنتاتي الأمازيغي.

ذهب شهاب الدين للمغرب باحثا عن وطن في الإسلام، عن واقع لا يوجد به تمييز عرقي أو إبادة أو استخدام سيء للسلطة، لكنه اصطدم في بلاد المسلمين بكل ما فر منه على اختلاف درجة وتكرارية وحدة هذه الممارسات مقارنة بما كان يمارسه القشتاليون في الأندلس، ليكتشف شهاب الدين أن الظلم الذي تعرض له لم يكن نابعا من الديانة المسيحية وإنما من استخدام الدين والأقليات كأدوات لخدمة مشاريع سياسية أو مادية.

ظن شهاب الدين أن السلطان سيستقبله كصاحب قضية، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى مادة دعائية لتجميل صورة السلطة مثله مثل أنتاتي الذي قربه الملك من البلاط لتجميل صورته عند الأمازيغ الذين همشهم وهمش حضارتهم وتراثهم، ومثل دوغالي البرتغالي الذي اكتشف شهاب الدين أنه يخدم في البلاط فقط لأن الملك يريد أن يستبقيه كرهينة بعد أن نفى أباه لأسباب سياسية. لكل شخصية حول الملك وظيفة تماما كقطع الشطرنج.

خلال رحلته في الرواية يبدو لنا ظاهريا أن شهاب الدين منسجم مع اسمه العربي الجديد لكن مع تتابع الأحداث نكتشف أن هذا الانسجام مرتكن في الأساس على مفهومه عن الإسلام كركيزة للهوية، لذلك مع نضجه الفكري وتطور نظرته لمفهوم الدين نجده يتوق لهويته الأصلية وحين تأتيه أخته زهرة في المنام قرب انتهاء الرواية تناديه باسمه الحقيقي، أحمد، كاستعادة رمزية لذاته الأولى.

إسلام الهامشيين

في بداية الأحداث يرى أحمد العالم منقسماً بين ضحية مسلمة وجلاد مسيحي، أو بين أندلس مفقودة وقشتالة معتدية وظالمة. من ثم فهو حين يفر من هذا الواقع ومن بطش الكنيسة فهو يفعل ذلك وبداخله صورة مثالية للإسلام غرسها فيه أبوه على مر سنوات طفولته ومراهقته. في هذه المرحلة يشكل الإسلام بالنسبة لأحمد الملاذ من ظلم المستبد والرابط الروحي بين المسلمين من عرب وعجم. ثم حين يصل لمراكش يرى الصورة غير المثالية للمسلمين، لكن هذا كله لا يغير مكانة وصورة الإسلام في عقله وقلبه. يتبين لنا السبب في هذا عند لقائه بشخصيتين لهما ثقلهما الفكري والإسلامي وهما بابا أحمد التنبوكتي الفقيه القادم من سونغاي، وابن يعقوب القادم من سوس، فنجده يقول إن ما يجمعه بهم على اختلاف لكناتهم وخلفياتهم هو “التوق إلى العدالة مقرون بنزوع روحي”. من خلال هذه الجملة تتضح الصورة الحقيقية للإسلام في قلب البطل فهو يراه كملاذ للهامشيين الذين يبحثون عن العدل. يقول:

– “من أجل هذه الآصرة هجرت مسقط رأسي وأجدادي. هكذا كنت أفهم الإسلام…. “

غير أن هؤلاء الهامشيين على الرغم من شمول الإسلام لهم “لا يؤخذون بعين الاعتبار في مجريات الأحداث” كما يقول شهاب الدين. فالحكماء والمفكرون وأصحاب النزعة الروحية يقفون غالباً على الهامش، بينما يصنع التاريخَ السلاطين والمرتزقة والجيوش والوشاة.

مع احتكاك أحمد بشخصيات أخرى وسفره في المغرب وهولندا وفرنسا نجده يعيد النظر في تصوره للدين بشكل أعم وللمسيحية تحديدا، فبعد تعرفه إلى أوجيني، الفتاة الفرنسية المسيحية التي يقع في حبها، يبدأ في التمييز بين المسيحية كدين وبين المسيحيين كبشر، وهنا تتحول الرواية من حكاية اضطهاد ديني إلى نقد أشمل لاستغلال الدين، أيّاً كان اسمه. يظهر هذا جليا حين يقول أحمد:

–        ” كانت غايتي هي الهروب من المسيحية وتمجيد الاسلام. لكن كل هذا تطاير في الهواء.”

و

–        “صرت أتبين الفرق بين المسيحيين الذين لم أعد أدعوهم بالكفار، وصار لي موقف نقدي من إخواني في الدين.”

ثم حين يعود البطل من فرنسا، يجد المغرب قد تحولت لدولة طوائف أخرى ويدرك كيف تم استخدام الدين منذ البداية لأغراض مادية، فنجده يقول:

–        “ليست الاعتبارات الدينية إلا تعلة لأهداف مضمرة، والتي هي محض أغراض مادية وسياسية.”

لذلك تبدو رحلة الحج في نهاية الرواية لحظة مصالحة. يرى شهاب الدين في الحج آصرة تجمع المسلمين، آصرة لا تقوم على السلطة ولا العرق ولا المصلحة المادية وإنما على المساواة والصلة الروحية.

الهوية كجسر للنجاة

الهوية هي المحور الثاني الكبير في الرواية. فشخصيات “الموريسكي” كلها تقريباً تحاول الإجابة على سؤال واحد وهو “ماذا يفعل الإنسان حين يقتلع من جذوره؟” نجد أن بعضهم يحاول الاندماج (مثل زهرة وخايمي)، وبعضهم يحاول الانتقام (مثل رودريغز)، وبعضهم يهرب إلى الملذات (مثل دوغالي). لكن مصائرهم تكشف رؤية الرواي، فالذين يتخلون عن هويتهم أو يحولونها إلى أداة عنف ينتهون غالباً إلى الهلاك، أما الذين يحملون هويتهم في الداخل، بوصفها ذاكرة وكرامة وجوهر شخصياتهم فهم وحدهم الأقرب إلى النجاة.

سأتطرق هنا لخمس شخصيات لتوضيح هذه الفكرة، أولها خايمي، أو عز الدين، وهو يمثل نموذجاً للموريسكي الذي قرر الاندماج في ثقافة وهوية الآخر حتى أنه لم يعد يرى نفسه مسلماً ولا مسيحياً بل إسبانياً، من ثم فهو يشرب الخمر ويريد أن يخدم في جيش القشتاليين. يحاول خايمي النجاة عبر الانتماء إلى محيطه الجديد سواء في إسبانيا أو في المغرب، لكن الأمر ينتهي به كمرتزق في جيش السلطان أحمد المنصور ليموت في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.

زهرة أخت أحمد هي أيضا نموذج للموريسكي الذي قرر الاندماج لا المقاومة، لذلك حين تقرر أن تتخلى عن الإسلام لأنها تريد أن تعيش يتم قتلها والتمثيل بجثتها في إشارة إلى أن الاندماج ليس طريقا للنجاة.

أما رودريغز فهو المقابل الموضوعي لخايمي وزهرة. رودريغز لم يكن أصلا مسلما وإنما كان مسيحيا وجزءا لا يتجزأ من نسيج المجتمع بإسبانيا. لذلك لما ألبس هوية غير هويته وأعلن مسلما رغما عنه لم يكن الاندماج خيارا متاحا له فقرر استخدام الإسلام كسلاح. من ثم فهو نموذج للضحية التي قررت تبني أدوات الجلاد ومنطقه، فنجده يؤطر للقرصنة باعتبارها جهاداً إسلامياً ومعركة نبيلة لمن طردوا من ديارهم، وهو بذلك يعيد إنتاج منطق القشتاليين الذين استخدموا المسيحية لتبرير الطرد والقتل والعنف. يقول رودريغز:

–        “عشت دائماً على شاكلة القشتاليين. أحب الخمر ولحم الخنزير، وفجأة أعلنوا بأنني مسلم لكي يطردوني من دياري. رد الفعل والظلم دفعاني لأصير مسلماً، ليس لأداء الصلوات الخمس والصوم، ولكن لأقاتل باسم الإسلام. الإسلام بالنسبة لي راية حرب.”

دوغالي، أو عبد الهادي، يمثل مستوى آخر من تشوه الهوية. فهو علج برتغالي، دخل أبوه الإسلام من أجل المال والحظوة، لا بحثاً عن عقيدة. من ثم فدوغالي لا يحمل هوية ولا يبحث عن معنى وإنما عن المصلحة. لذلك نراه في الفصلين الأخيرين منخرطاً في القرصنة، ليس لمقاومة الإسبان ولا انتقاماً للأندلس ولا جهاداً بل باعتبار القرصنة مورداً للرزق.

مقابل هذه الهويات الجوفاء تظهر شخصية إبراهيم انتاتي، الأمازيغي، كهوية كاملة تستند مثل أحمد أو شهاب الدين لتراث تاريخي وثقافي غني. لذلك نجد أن أنتاتي هو الشخصية المثقفة والعين الناقدة التي تُري شهاب الدين ما لا يراه، كما نجده يقاوم كل محاولات تعريبه فيظل متمسكا بهويته، يتجلى هذا حين يقول: “لست أمازيغياً إلا للذي يريد أن يكون عربياً قحاً.” في نظر أنتاتي فإن الدولة السعدية، رغم مقاومتها للعثمانيين ومهارتها في إدارة البلاد عسكريا، إلا أنها سعت إلى تفضيل الهوية العربية وإقصاء التراث الأمازيغي أو تقليصه. من ثم فحين يدور سؤال بين دوغالي وشهاب الدين عن أنتاتي بعد اختفائه عن الأحداث لا يتوقع شهاب الدين هلاكه وإنما يتوقع أن يكون على رأس حركة مقاومة لأن هذا يتسق مع شخصيته ودفاعه الدائم عن الهوية الأمازيغية.

السرد والبناء

لا أبالغ إذا قلت إن هذه الرواية تدفع ثمن الطموح الفكري لحسن أوريد، فقد كتبها بحيث تنتمي في المنطقة المتقاطعة بين السيرة والرواية التاريخية، أو ربما أراد لها أن تكون أقرب إلى سيرة فكرية تاريخية منها إلى رواية مبنية على عقدة مركزية وذروة وحل، ومن ثم نجد أن السرد مال في كثير من الأحيان للغة تقريرية وابتعد عن الخيال. ربما يثير هذا حفيظة البعض وربما يشكل سمة مميزة بل وربما محببة للبعض الآخر. لكن الأكيد أن لحسن أوريد مخطط فكري وأيديولوجي واضح أراد أن يوصله في عمل يختلف كثيرا عما قرأناه عن هذه الحقبة من حيث الشكل والمضمون. عمل يتجاوز فكرة معايشة عادات مسلمي إسبانيا وتقاليدهم أو تفصيل فظائع محاكم التفتيش أو الاحتفاء بأمجاد الأندلس أو الرثاء لفقدانه. عمل لا يعتمد على إثارة المشاعر بقدر ما يثير التفكير.

كذلك قد تبدو تفاصيل هذه الرواية وحالات شخصياتها للوهلة الأولى متناثرة لا رابط بينها، لكن ما أن يضع القارئ المجهود اللازم للوصول للصورة المكتملة سيكتشف أن كل شخصية في الرواية إنما تمثل احتمالا من احتمالات تعامل الإنسان مع مصيبة اقتلاعه من جذوره وهويته. ومن خلال هذه الشبكة التي رسمها حسن أوريد، تبدو “الموريسكي” رواية عن سقوط الأقنعة أكثر مما هي رواية عن سقوط الأندلس. فالموريسكي المضطهد يمكن أن يتحول إلى قرصان، والمسلم يمكن أن يظلم أو يضطهد مسلماً، والمسيحي يمكن أن يكون إنسانا طيبا أو ظالما معتديا، والسلطان المسلم يمكن أن يستعمل الإسلام كما استعملت الكنيسة المسيحية.

ربما الأهم من هذا كله هو أن الرواية تضع تعريفا للهوية في معناها الأصدق على أنها قدرة الإنسان على الاحتفاظ بجوهره، ولذلك تنتهي أغلب الشخصيات التي فقدت هذا الجوهر إلى موت حقيقي أو رمزي، أما شهاب الدين فيبقى لأنه يتعلم، ويتغير، حتى وإن اقتلع من جذوره وأرضه.

عمرو السيد

4 مقال
صدر له: ـ أجفف السحاب من أثر المطر ـ مجموعة قصصية ـ 2012 ـ كوابيس الفتى الطائر ـ بالمشاركة مع…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع