فيروز عيّار
أنا وحيدة أمي، لكنني الأولى من بين أربع زهرات تفتحت في بستان والدي. أنا الأخت الكبرى، والسند المتين لثلاث بنات من نسل أبي. أعيش مع أمي طيلة الموسم الدراسي بعيدة عنهن، وأنتظر العطلة الصيفية بشغف حارق لأسافر إلى بيت والدي وألتقي بأخواتي. لطالما كان موسم الصيف بالنسبة إلي، ليس مجرد فصل تتعطل فيه الدراسة، بل هو موعد تكتمل فيه عائلتي ويلتئم الشمل، وأتحوّل فيه من فتاة وحيدة في بيت أمي، إلى فرد داخل مجموعة، داخل مملكة البنات في بيت والدي. كنا أربع فتيات كباقي الفتيات في هذا العالم، لكن أفعالنا لم تكن تشبه تلك الصورة النمطية للبنات، الضحك كان غايتنا دائما، وحب المغامرة يملأ قلوبنا الفتية.
أذكر في صباح من صباحات الصيف، بعد ليلة لم يغمض لنا فيها جفن، قضيناها تحت ضوء القمر في سطح البيت نفترش بساطا على الأرض، ونتسامر طيلة الليل ولا ننام أبدا. كان لدينا الكثير الكثير مما يمكن أن يُحكى.. إنها سنة كاملة من البعد والشوق.. خلاصة القول، ما إن سقطت أولى خيوط الشمس على سطح بيتنا، حتى تركنا اثنتين منا نائمتين، وقصدنا بابا أنا وأختي مروى نطلب منه ثمن الخبز. فقد تعودنا نحن الاثنتين على مهمة إحضار الخبز الساخن كل صباح..
في الطريق، لمحنا باب بيت جارنا مسعود مُشرعا، وكم كان هذا المخلوق شريرا قبيح الطبع، لا يطيق رؤية الأطفال يلعبون أمام بيته، تركبه العفاريت ويصرخ كالأحمق إذا اقتربوا من داره. كان الرصيف أمام عتبة بيته مصقولا تلمع على صفحته أشعة الشمس، فأوحى إليّ الشيطان فكرة مجنونة، همست بها في أذن أختي وانطلقنا إلى المخبزة، اشتريت الخبز وسلمته لمروى، ثم دخلت إلى متجر العطار، وأحضرت الصابون البلدي. وفي طريق العودة، رميت الصابون اللّزج أمام عتبة جارنا مسعود، وسحبته على الأرضية بحذر، بينما كانت مروى تحرس الطريق. وفور انتهائنا، بدأت مروى تنادي عليّ وتصرخ، وكنت أنا أضحك وأضحك.. كنا نستدرجه حتى يفقد أعصابه ويخرج. وما هي إلاّ لحظات حتى ظهر أمامنا بلباس النوم، تسبقه كرشه البارزة. والغضب الأعمى يصرخ في عينيه الجاحظتين.. وكنت هناك أضحك في وجهه على نحو مستفز، فوثب من مكانه يريد الإمساك بي، ولكنه قبل أن يصل إليّ، انزلقت رجلاه الاثنتان وارتفع جسده البدين في الهواء، قبل أن يرتطم بالأرض. ومن أعماقه تصاعدت صرخة شقت سكون ذلك الصباح الهادئ.
أصابني الذعر وأنا أنظر إلى الرجل يتلوّى على الأرض كالدّودة. انطلقت أركض بدون اتجاه، إلى مكان آمن كنت أركض ومن خلفي كانت أنفاس أختي مروى تلاحقني. وفي قلبي الصغير، كانت مشاعر الخوف تختلط بمشاعر الفرح وطعم الانتصار البطولي، كان خوفا من عاقبة الأمر، وكان فرحا بالانتقام لكل الأطفال الذين روّعهم هذا الرجل الشرير.. وبعد نصف ساعة أو أكثر، عدنا إلى البيت. وهناك، حيث توقعت الأمان، وجدت جارنا مسعود جالسا في صدر الصالة والشرر يتطاير من عينيه. استقبلنا أبي بالصراخ، وأنبنا على فعلتنا، وتوعّدنا بالعقاب الشديد.. وغادر الرجل بيتنا يجر جسده المتوعك، ثم أغلق والدي الباب خلفه. وبينما كنت أنتظر هبّته في وجهي، لاحظت أن أبي يقاوم ظل ابتسامة يطوف على وجهه، ولكنه لم يُفلح، فانفجر بالضحك حتى انتفخت أوداجه من فعلتنا. لقد كانا محظوظتين، لأن والدنا يكره هذا الرجل.
طنجة 6 يونيو 2026
















