محمد ممدوح
حلّق سرب ذباب على ارتفاع منخفض بمعدة ممتلئة من بقايا جثث قُتلتْ بطريقة غامضة، ثم هبَطَ فوق بقعة موحلة بأرض فضاء لالتقاط الأنفاس، يلعب فيها ولدٌ بمعدة خاوية لفَظَتْ طعام البيت؛ لخوفه الحديث عن سبب حزن ما.
جذبتْ رائحة الجثث أفراد السرب من أماكن مختلفة: شارع ضيّق، حافة نافذة، صحراء، بيت مهجور. طوال التحليق مات البعض إجهاداً، أو اختفاءً في جوف طائر عابر؛ لكن آخرين تقاتلوا على قطعة إسفنجية بيضاء لبرتقالة، انضم إليهم مصادفة ذباب جديد لا يعرفونه. وفي البقعة الموحلة، انحنى السرب على نقطة ماء ليروي عطشه، فانفرد ذكرٌ بأنثى وأفرز رائحة لاستمالتها إليه.
لم يقتنع الولد في طريقه إلى البيت، أنّ معظم الأبواب والنوافذ أُغلقتْ خوفاً من الحديث عن سبب الحزن. سألته الأم: “هل تحدثتَ مع أحد؟”. “لا، لَعِبتُ فقط!”. أجابها مستسلماً، ودخَلَ غرفته.
لم تنجذب الأنثى للرائحة، ودفعتْ الذَّكَر بقدمها بعيداً. انتقل سرب الذباب في طريقه بحثاً عن بيتٍ يأوي إليه حتى الصباح، ترَكَ خلفه ثلاث جثث سقَطتْ فوقهم قطرة ماء أثناء نومهم.
الولد لم ينم؛ تحرّك بتوتر في الغرفة، أخرج ألبوماً من درج مكتبه وتأمل صورة يجلس فيها داخل إطار بلاستيكيٍّ فوق الماء، تحيطه ذراعان حانيتان. بكى، ونهَضَ يغلق النافذة فطارت ذبابة قبل أن تطبق على جسدها، لتلحق بالسرب الذي استقرّ بقاع صندوق قمامة، انزلقتْ منها قطعة بيتزا جافة فوق أربعة ذكور من الذباب قتلتهم جميعاً.
مرّ الولد بالقرب من الصندوق، وحقيبة طعام قماشية معلّقة بكتفه. استند إلى جذع شجرة، فجاء أصدقاؤه بحقائبهم وجلسوا بدائرة ليتناولوا طعامهم، ثم أخرجوا صوراً من ملابسهم ونظروا إليها صامتين. عند حلول الظلام، ذهبوا إلى بيوتهم.
انضم أربعة ذكور جُدد، تغذوا على بقايا الجثث، إلى السرب في قاع الصندوق الذي جذبته أضواء بيت الولد، لكنه أغلقَ الباب بوجه ثلاث ذبابات سقطتْ قتلى.
تسلّل السرب من نافذة صغيرة؛ شعَرَ بدفء البيت، ورَأَى صورة معلّقة في الصالة بشريط أسود تشبه وجهاً يعرفه، سلّطتْ عليه الزوجة ضوءاً قوياً لا ينطفئ أبداً.
اصطدم السرب في طيرانه العشوائيّ القصير بأثاث البيت، واقتتل على حبة سكّر فوق إطار الصورة فتساقطوا قتلى، ومَن تبقى تسلل بهدوء لحجرة الولد المظلمة؛ هرباً من الضوء.








