محمد فرحات
يقدّم ديوان «مرويّات الحرب – فوكوياما يسقط في غزّة» للشاعرة الفلسطينية بيسان جهاد عدوان تجربة شعرية تتجاوز حدود الشهادة المباشرة للحرب لتدخل في فضاء التأمل الفلسفي في الزمن والمنفى والذاكرة. فالنص منذ عنوانه يعلن عن أفق فكري يتجاوز القصيدة بوصفها انفعالًا لحظيًا، ليصبح محاولة لقراءة التاريخ نفسه من موقع الضحية والراوي معًا. فعبارة «مرويّات الحرب» لا تشير إلى حدث عسكري فحسب، بل إلى تعدد السرديات التي تصنع معنى التاريخ، بينما يأتي الشطر الثاني «فوكوياما يسقط في غزّة» ليضع النص في مواجهة الأطروحات الفكرية التي بشّرت بانتهاء الصراعات الكبرى. إن الإشارة إلى المفكر السياسي فرانسيس فوكوياما هنا ليست مجرد تلميح ثقافي، بل إعلان عن انهيار فكرة «نهاية التاريخ» أمام واقع الحرب المستمرة في فلسطين. فالتاريخ، كما توحي القصيدة، لم ينتهِ، بل ما زال يُكتب كل يوم بدم الضحايا وبذاكرة المنفيين.
غير أن قراءة هذا الديوان لا تكتمل دون إدراك الخلفية الإنسانية والسياسية للشاعرة نفسها. فبيسان جهاد عدوان تنتمي إلى عائلة فلسطينية مناضلة ارتبط اسمها بتاريخ المقاومة الفلسطينية؛ فهي من أقارب القيادي الفلسطيني الراحل كمال عدوان الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي في بيروت عام 1973. وقد انتقلت عائلتها إلى مصر في ستينيات القرن العشرين ضمن موجات اللجوء الفلسطيني، فنشأت هناك وعاشت معظم حياتها في القاهرة، حيث تشكل وعيها الثقافي والسياسي. في تلك البيئة المصرية الفلسطينية المختلطة بدأت علاقتها المبكرة بالكتابة والنشر، وعملت لاحقًا في الوسط الثقافي بوصفها ناشرة وكاتبة ومديرة لدار نشر، وشاركت في فعاليات ثقافية متعددة تدافع عن القضية الفلسطينية وتوثق سرديات اللجوء والذاكرة.
لكن تجربة المنفى التي تشكّل محورًا رئيسيًا في ديوان «مرويّات الحرب» لم تكن مجرد موضوع شعري لدى بيسان عدوان، بل كانت جزءًا من سيرتها الشخصية. فبعد سنوات طويلة من الإقامة في مصر تعرّضت في عام 2020 لواقعة ترحيل مفاجئة أثناء توجهها لتجديد إقامتها، وهو الحدث الذي أثار صدمة في الأوساط الثقافية العربية نظرًا إلى أنها عاشت معظم حياتها في القاهرة وكانت جزءًا من نسيجها الثقافي. بعد ذلك تنقلت بين عدة بلدان، بينها تركيا، قبل أن تحصل على إقامة في السويد ضمن برنامج دولي لحماية الكتّاب المعرّضين للملاحقة بسبب آرائهم. غير أن وجودها في أوروبا لم يخلُ من التوتر، إذ تعرّضت لحملات سياسية وإعلامية اتهمتها بمعاداة السامية بسبب مواقفها الداعمة للحقوق الفلسطينية وانتقادها السياسات الإسرائيلية، وهي اتهامات ما تزال موضع جدل قانوني وثقافي في الأوساط السويدية.
هذه السيرة المليئة بالمنفى والاقتلاع تضيء كثيرًا من الصور الشعرية في الديوان؛ فالحرب والمنفى في نصوص بيسان ليسا موضوعين نظريين، بل تجربة معيشة تتكرر في الجغرافيا كما تتكرر في الذاكرة. ولذلك يبدو النص وكأنه سيرة ذاتية مضمرة بقدر ما هو قصيدة.
منذ الإهداء الذي يفتتح به الديوان «من غزة إلى العالم» تدخل القصيدة في خطاب إنساني عارٍ من الزخرفة. تقول الشاعرة: «لا تحكوا عن أساطير… احنا بدنا نموت قطعة واحدة.. ما بدنا نموت أشلاء». في هذه العبارة تنزع بيسان عدوان عن الحرب كل ما يمكن أن يمنحها بريق البطولة. الأسطورة هنا ليست خلاصًا بل قناعًا يخفي الألم الحقيقي. فالشاعرة لا تريد للموت أن يتحول إلى ملحمة، بل تطالب بحقه البسيط في الكرامة الإنسانية. ولهذا تضيف: «بدنا نندفن، ما بدنا الحيوانات تاكل جثثنا»، قبل أن توجه سؤالها الصادم إلى العالم: «ليش ساكتين؟». بهذا السؤال يتحول النص من قصيدة إلى مساءلة أخلاقية كونية.
في مقطع «السنة الأولى للحرب» يبدأ الزمن بالتشكل داخل القصيدة بوصفه تجربة شعورية لا مجرد حساب للأيام. تقول الشاعرة: «مئة يوم مرّت على الحرب هناك، لا انتصار ولا هزيمة، كلّ شيءٍ معدٌّ مسبقًا». في هذه العبارة تتبدد ثنائية النصر والهزيمة التي تقوم عليها الخطابات العسكرية. فالحرب هنا ليست معركة قابلة للحسم، بل دورة من العنف تتكرر بلا نهاية. ثم تأتي الجملة المكثفة «لا أحد هناك» لتعلن فراغ المكان من أهله، وكأن الحرب لم تقتل البشر فحسب بل نزعت روح المدينة نفسها.
غير أن هذا الفراغ سرعان ما يُملأ بالذاكرة. تقول الشاعرة: «ستجد كثيراً من صور البلاد معلَّقة على حائط غرفتي البيضاء، وتحت كلّ صورة يومياتنا في منشيّة يافا». إن الصور هنا ليست مجرد وثائق، بل محاولة لإعادة بناء الوطن داخل المنفى. فالمكان الغائب يتحول إلى حضور دائم عبر الذاكرة. وحين تستدعي الشاعرة مدينة يافا فإنها لا تستحضرها كجغرافيا فحسب، بل ككائن حي يتنفس في النص.
في هذه الاستعادة تتحول المدينة إلى رمز للهوية. تقول الشاعرة إن صبية صغيرة «أفلتت جناحيها للريح فسمّيناها يافا»، وكأن الاسم يمنح المكان حياة جديدة. وتستعيد أيضًا صور العائلة: الأم والأب في طبريّة، والجدة التي «تخبز المنامات كل صباح في المجدل». هذه التفاصيل الصغيرة تخلق طبقة إنسانية دافئة داخل النص، وتؤكد أن الذاكرة ليست مجرد حنين بل وسيلة للحفاظ على الهوية.
لكن الديوان لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يضع الحب في مواجهة الحرب بوصفه قوة مضادة للفناء. تقول الشاعرة: «سرديّات الحرب والحبّ كانت تنتظر معي العودة». فالحب هنا ليس ملاذًا فرديًا بل جزء من سردية البقاء. ويتجلى هذا المعنى في اعترافها المتكرر لحبيبها: «إني أحبك». إن تكرار هذه العبارة في النص يشبه طقسًا يوميًا للحياة في مواجهة الموت.
في «السنة الثانية للحرب» يتكثف هذا التداخل بين الحب والمنفى. تقول الشاعرة: «كلّ يوم يمرّ في هذه المدن الفارغة، يختفي مذاقك من القهوة التي أدمنتني». القهوة هنا تتحول إلى مقياس للحضور الإنساني. فإذا فقدت طعمها فهذا يعني أن الغياب بدأ يسيطر على الحياة. ثم تضيف: «أتعرف أنّ للحب مذاقًا هو الآخر لا نعرفه إلّا حين تبدأ الحربّ». هذه المفارقة تكشف أن الحرب، رغم قسوتها، تجعل الإنسان أكثر وعيًا بقيمة الحياة.
يتسع أفق القصيدة أكثر في مقطع «خمسة وسبعون عامًا للحرب»، حيث يتحول الزمن من سنوات الحرب الراهنة إلى زمن تاريخي يمتد منذ النكبة. تقول الشاعرة: «هبطت طائرة للعدو في بلادنا تحمل على متنها غرباء جدد… يشبهون أولئك الذين جاءوا منذ سنوات وسلبوا أحلامنا». في هذه الصورة تتقاطع المآسي التاريخية، إذ يُعاد إنتاج الظلم نفسه عبر الزمن. وتضيف بمرارة: «وكأن لزاماً علينا أن ندفع ثمن الحرب مرّات كثيرة».
ثم تبلغ القصيدة عمقها الفلسفي حين تقول: «الحرب هي طريقة الشيطان الوحيدة ليعلّمنا الجغرافيّة، والقتل هو طريقته الوحيدة ليعلّمنا البقاء». فالجغرافيا هنا لا تُتعلم عبر الخرائط بل عبر الدم. ويتحول البحر إلى رمز للخطر حين تستعيد الشاعرة ذكرى أبيها الذي قال لها يومًا: «من خلف البحر يأتي الموت».
وفي لحظة إعلان الهدنة المؤقتة تقول الشاعرة: «بدأ وقف إطلاق النار هناك، وخصّصت الممرات الآمنة للهروب من المدن الخراب». لكن هذه الهدنة لا تبدو نهاية للحرب، بل فصلًا عابرًا منها. فالناجون يحملون معهم ذاكرة جديدة «تحل ضيفًا ثقيلًا على ذاكرتنا فنعلّقها على جدران المخيّم». هكذا يتشكل تاريخ جديد من الصور والجراح.
وتبلغ القصيدة ذروتها في الفصول الأخيرة التي تسميها الشاعرة «الوصايا». هذه النصوص القصيرة تبدو كأنها شذرات نبوئية تستخلص الحكمة من جروح الماضي. تقول في الوصية الأولى: «في الحرب لا تنجو مرتين… وفي المنفى لا تنجو وحدك». إنها عبارة تكشف أن النجاة الفردية وهم، لأن المنفى مصير جماعي.
وفي الوصية الثانية تقول: «أي هروب يتسع لنا ما دامت كل الأشياء تسكن روحك». هنا يظهر مأزق المنفى؛ فالهروب من الوطن لا يحرر الإنسان منه.
أما الوصية الثالثة فتقول فيها: «ضاق البراح حتى لم يعد يحتمل جناحي عصفور… والبلاد باتت حلماً هجر مناماتك». إنها صورة مكثفة لضيق العالم أمام اللاجئ.
لكن الوصية الرابعة تمثل ذروة النص. تبدأ بنداء حاد: «انهض… لا تنم… بعد خمسة وسبعين عامًا من الاستيقاظ ستنام عميقًا في الليلة الثالثة من الهدنة». هنا يتداخل الزمن التاريخي مع الزمن الوجودي. فالاستيقاظ الطويل هو يقظة الذاكرة الفلسطينية، بينما النوم المؤجل لا يأتي إلا بعد هدنة حقيقية.
ثم تتابع الشاعرة رسم المشهد: «لن تصحو على لعب الصغار في المخيّم… وحدها صوت الزنانة التي تمشّط سماءكم تسترق السمع لأحاديث الناجين». ومع ذلك تدعو إلى الصمود: «فامحِ في نهارك هذا كل ملامح للمغادرة والخروج… واغتسل في بحر غزة من غبار الوقت».
وفي خاتمة هذه الوصية تتحول القصيدة إلى بيان وجودي حين تقول: «سجّل… هنا غزة… وكن كفلسطيني تبصرك البلاد». بهذه العبارة يصبح الشاعر شاهدًا على التاريخ، وتصبح الكتابة فعل مقاومة.
وهكذا يتبدى ديوان «مرويّات الحرب» بوصفه نصًا شعريًا يتقاطع فيه الشخصي بالتاريخي، والمنفى بالذاكرة، والحب بالحرب. إنه سجل إنساني مفتوح يثبت أن التاريخ، رغم كل محاولات إغلاقه، ما يزال حيًا في قصائد المنفيين وفي ذاكرة المدن التي لم تمت.














