رسالة

ناجي العلي فلسطين

سجى صلاح الدين

التوقِيت: عَلى حَافة البرزخ

المَكان: شبهُ غرفة في بلاد الحرب

أكتبُ إليك يا بني بعدَ أن نالت الحَرب مني وأمسيت جسدًا منهكًا يتوجب عليه السعي للحياة ورفضِ الموت، فقد ألقت علينا ظِلالها بكُل قسوة ولم تُسعفنا أرجلنا للركض خلف النور.

في رسالتِي هذه لا أكتب لكَ وصيةً منمّقةً، رسالةً مؤثرةً، أو توثيقًا لفعل غير اعتيادي فعلته والدتك ومنحتكَ حق الفخر به، فوالدتك امرأةٌ عادية، لا تقرب للكمال طرفَا، وتبعد عن المثاليةِ كل البعد، مجرد امرأة لُقبت بإمرأة الياسمين، معجونةٌ بطينِ هذه الأرض، تُحب الورد ، وتسمع المُوسيقى كلما تحزن.

لا أرغب البتّة يا ابني بإخبارك عن الحرب وما فعلته بِي، وأقاوم بكل الطرق بألّا أجعلها تُلقي تأثيرها على رسالتي، ولكن دعني أحادثك عمّا قبلها. كُنت فتاة تُحب الحَياة ، مُراهقةً مُقبلة ً على الحُب والوَطن، تحاور البحرَ وتخبره: أن الحُب ليس لحظة عابرة نختلِس منها ما يجعلنا نشعر بالرغبَة ونتجاهلُ ما يجعلنا نشعر بالصِدق أمام أنفسنا، وبَأن الوطن لا يُختزل في خطاب يُشعرنا بالنشوَة اللحظية ، أو صورة مُعلقة على الحائط تُنسى كُلما خَمد البركان، كُنتُ أرى الوَطن في التفَاصيل: عقال جدّي، تجاعيد وجه جدتي التي تروي تاريخنا من النكبةِ ليومنا هذا، أسماء الشوارع التي حفظناها دون قصد، سوداوية عجوزٍ وهي تقول:”والله ضعنا وضيعنا البلد”، صوت ” أم كلثوم” الخافت عند الظهيرة، لهجتنا التّي تُخرج أسماء الثُوار حين ننطقها، دعاء جارتنا وهي تقول بعد كل حدث أمني:”الله يجملها بالستر”،وبهجة أمي حين أكتب.

 في تلكَ الفترة كَان قلبي يتلّقن أكثر مما يُجادل المنطق. أخبرتني صديقتي ذات مرة بأنني أبالغ في الشعور، وبأن العيش في هذا الوطن يتطلبُ قلبًا مُجردًا من التعلق والشعور. مشينا وتجادلنا عن جدوى العَاطفة؟ وما مَعنى التعلق بشيء لا يمنحني أثر مادي بالمطلق، لم أفهم يومها كيف يُقاس الأثر هل يقاس بالمادة؟ هل العالم مجرد فيزياء؟ لكل فِعل رد فِعل مساوٍ له في الشعور ومعاكِس له في التوجه؟ ، كيف أحب الوطن بلا شعور؟، وهل يصبح الوطن وطنًا إن كان مجرد مكان ننام ونستيقظ فيه ونمارس هوايتنا المفضلة كل صباح؟

والحقيقة يا ابني أن الحرب لم تغير فيي كَثيرًا ولم تجعلني كارهة ناقمة للوطن، أدركت بأن الوطن ليس بالضرورة أن يقتصر على راتب في الجيب، كَان منحًا ربانيًا حين أقول:” أنا من هنا”، وبأني إن نزعت الشعور مني سأعيش !ولكن هذهِ ليست أنا ، وهَذا ما جعلني أفرض على نفسي التمسك بالحياة وركل الموت وملحقاته بعيدًا، وأَشعر بما يجب في مكان يعلّمك أن الشعور جَريمة.

كُنتُ سأسميك “وطنًا”، لأمتلكك، لأنتمي لك دون قيد؛ ولأن البشر بطبيعتهم يحبون تسمية الأشياء البعيدة بأشياء صغيرة، كي يقدروا عليها.كنتُ أريد أن أضمَّ الوطن حين أحضنك، أن أُجرِّده من أنانيته ونرجسيته، وأن أُلملم دمَه المفرّق بين القبائل حين أُنادى: “أمّ وطن”.

لكنني خِفت الاسم والمعنى؛ خِفت أن يُمسي وطني ساحة حرب لا تتوقف، وأن يسلبني حياتي حين يرحل. خِفت أن يتحوّل الوطن إلى راية، فإن سقطت ضِعنا.فتركتُ الاسم معلّقًا داخلي، كرغبةٍ لا كتعويضٍ عن نقص. أحببتك كإنسانٍ لا كجغرافيا: أمنحك حقّ التوقّف دون أن أسمّي ذلك سقوطًا، ولا أُلقي عليك حماقاتي ثم أطلب منك أمانًا بعدها. حرّرتك من هذا الاسم، لأنني لا أريدك أن ترحل كما رحل وطني.

حبيبي، سُئلتُ مُؤخرًا هل يجب أَن أُورثك الهزيمة؟ والحقيقة ،لا أعرف ولا أمتلك إجابة محددة، ولأجعل السؤال أعم ماذا سأُورثك؟ فوالدتك امرأة عادية، لم تدرس الطب، أو تقود إحدى حركات التحرر، ولا تمتلك كتابًا يجمع أفكارها العبثية، أو قصة حب اكتملت تُحادثك بها نهاية كل أسبوع .لكني أمتلك شيئًا لا تعترف به السيرة الذاتية: قدرة على البقاء والنهوض دون تصفيق جمهور، حفلة تواقيع أو خِطاب شكر.

سأورثك اسمي كما هُو دون ألقاب أو زركشات فارغة: متردد أَحيانًا وصادقًا ودومًا ، سأورثك قدرة على الكتابة لا تخذُلك يومًا تُصوِّبها وقتما تشاء على قلبِ الحرب ساخرًا منهَا، سأورثك قلبًا يحب الحياة وَعقلًا واعيًا يرفُض الواقع المؤدلج، لن أُورثك الهزيمة بل سأُورثك محاولة: أن تجرّب مرة أخرى حين يسهل عليك الاستسلام، وأن تشعر، لأن الشعور هنا يُعامل كجريمة، وأنا أرفض أن أربيك على التجرّد، سأورّثك اعتيادًا واحدًا: أن لا تعتاد الحرب.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع