خارج المعادلة

poles adam

بولص آدم

  استيقظ في ذلك الصباح على وضوحٍ غير مألوف، وكأن الأشياء قرّرت أن تعلن عن نفسها بلا التباس.. مدّ يده إلى الجهة الأخرى من السرير، فلم يجد زوجته. لم يكن الغياب غيابًا عاديًا؛ الوسادة غائرة، والغطاء مطويٌّ بعنايةٍ كما تفعل كل صباح، والكوب على الطاولة لا يزال يحتفظ بأثر شفةٍ لم يجفّ تمامًا. نهض ببطء، ومشى نحو المرآة، فرأى الغرفة كاملةً منعكسةً بوضوحٍ قاسٍ: النافذة، الستارة، الكرسي، اللوحة الصغيرة المائلة. وقف مكانه ولوّح بيده، لكن المرآة لم تلوّح بشيء.

  أقنع نفسه أن الضوء يخونه. غسل وجهه طويلًا، كما لو أن الماء قادرٌ على إعادة العالم إلى ترتيبه المألوف، ثم خرج إلى الشارع. كانت المدينة تعمل بكفاءةٍ مذهلة؛ السيارات تمرّ بانضباطٍ محسوب، الدراجات تنساب بخفة، الترام يشقّ مساره بصريرٍ منتظم، وإشارات المرور تتبدّل. ومع ذلك لم يكن هناك سائقون، ولا مشاة، ولا وجوه. الأبواب تُفتح وتُغلق، والمحالّ تعرض بضائعها، والجرائد تتساقط من الآلات المعدنية إلى الأرصفة… غير أن أحدًا لا ينحني لالتقاطها.

  توقّف عند مفترقٍ واسع، وشعر لأول مرة أن الدقة الزائدة ليست طمأنينةً. كاميرات صغيرة مثبتة على أعمدة الإنارة، وعدساتٌ سوداء تتوزّع على واجهات المباني، وأجهزةٌ تحوم بعيدًا في السماء بحركةٍ دائريةٍ هادئة، كأنها تراجع المشهد من علٍ. لم ينتبه إليها من قبل؛ أو ربما لم تكن بهذا الوضوح. اقترب من حافلةٍ توقفت أمامه، فُتح بابها الأماميّ، وانتظر أن ينزل أحد. لم ينزل أحد. أُغلق الباب وانطلقت في موعدها الدقيق.

  دخل مقهى اعتاد الجلوس فيه. رنّ الجرس المعلّق فوق الباب بنغمةٍ قصيرة، وكانت الطاولات مصطفّةً بعناية، والكراسي مسحوبة قليلًا كأن أشباحًا نهضت لتوّها، وآلة القهوة تنفث بخارًا حيًّا، وفنجان يتحرّك ببطءٍ فوق الصحن حتى حافة الطاولة ثم يتوقّف، كأن يدًا غير مرئيةٍ تمسكه في اللحظة الأخيرة. جلس، وقال بصوتٍ متردّد: «مرحبًا؟» فعاد إليه صدى صوته. مدّ يده إلى الفنجان، كان دافئًا؛ ارتشف، الطعم كامل، القهوة موجودة… إلا أن الذي أعدّها لم يكن موجودًا.

  بدأ يبحث عن البشر كما يبحث المرء عن شيءٍ ضاع في غرفةٍ يعرفها جيدًا. اشترى صحيفة؛ الصفحات مليئة بالأخبار، بالعناوين العريضة، بصورٍ لمبانٍ رسمية، بمنصّاتٍ مزدانةٍ بالميكروفونات، بمدرّجاتٍ واسعة، لكن في الصورة الجماعية الكبيرة لم يكن هناك أحد: منصّةٌ بلا خطيب، مدرّجٌ بلا جمهور، شوارع بلا عابرين. مضى إلى دار السينما، دفع ثمن التذكرة من آلةٍ تقبل النقود دون أن يسلّمها أحد، دخل القاعة وجلس في الصف الأوسط. انطفأت الأنوار، وبدأ الفيلم: مدينة على الشاشة، شقة أنيقة، باب يُفتح بعنف، كأس يسقط ويتحطّم، مسدّس يُطلق رصاصةً، سيارة تنقلب… غير أن الممثلين غائبون. الحوار يُسمع بوضوح؛ امرأة تبكي، رجل يصرخ، خطوات تجري، أنفاس متقطّعة، بينما الأماكن فارغة. كان الصوت حاضرًا، والجسد محذوفًا، كأن العالم احتفظ بالأثر واستغنى عن الأصل.

  خرج مسرعًا، وأحسّ أن العيون الزجاجية المثبتة في كل مكان تتبعه. رفع رأسه فرأى جهازًا صغيرًا يحوم عاليًا، يتحرّك في دائرةٍ ثابتة، لا يتدخّل ولا يقترب، يكتفي بالرصد. في تلك اللحظة شقّت رأسه فكرةٌ هادئةٌ وقاسية: ماذا لو لم يختفِ البشر، بل اختفى هو عنهم؟ ماذا لو أن الخلل ليس في المدينة، بل في موضعه منها؟

  عاد إلى بيته بخطواتٍ متسارعة. وقف أمام المرآة مرةً أخرى؛ الغرفة موجودة، السرير موجود، الستارة موجودة، أما هو فكان فراغًا دقيقًا يشبه شكله. اقترب حتى كاد يلامس الزجاج، شعر بأنفاسه ترتدّ عليه، ووضع يده على صدره؛ القلب ينبض، والنبض يسمعه بوضوح. جلس على الأرض مستندًا إلى الحائط، وللمرة الأولى منذ استيقظ شعر بالخوف؛ لا خوف الوحدة، بل خوف أن يكون العالم قد أعاد ترتيبه بحيث لم يعد يحتاجه.

  أغمض عينيه لحظةً، فرأى في العتمة وجهًا عابرًا، ضحكة طفلٍ بعيدة، يدًا تلوّح، ثم تلاشى كل شيء. فتح عينيه، فكانت المدينة خارج النافذة تؤدي وظائفها بانضباطٍ كامل، بلا خللٍ ظاهر. عندئذٍ سمع أزيزًا خافتًا، منتظمًا، يقترب تدريجيًّا. رفع رأسه فرأى طائرةً صغيرةً بلا طيّار تحوم أمام الزجاج، عدستها السوداء ثابتةٌ عليه بثباتٍ لا يحتمل الخطأ. لم يفاجأ؛ كأن المشهد كان مؤجّلًا منذ الصباح.

  تقدّمت الطائرة ببطءٍ محسوب، ثم عبرت الزجاج كما لو أنه هواء، من دون تحطّمٍ أو شظايا. توقّفت على مسافةٍ قصيرة، وانبعث منها صوتٌ آليّ محايد: «تحرّك نحو الباب.» لم يناقش، لم يسأل، كان الأمر أشبه بإتمام معادلةٍ بدأت قبل ساعات. فتح الباب ومشى في الممرّ، ثم ركض فوق ممشى الحديقة الحجريّ، فيما جهازٌ آخر يحوم فوقه على ارتفاعٍ منخفض، يواكب خطاه بدقّة. عند بوابة الحديقة كانت مركبةٌ داكنة تنتظره، بابها الخلفيّ مفتوح. لم يرَ سائقًا، ولم يرَ أحدًا يراقب، سوى العدسات الثابتة التي لا ترمش.

  توقّف لحظةً ونظر إلى البيت الذي كان قبل قليلٍ عالمه الوحيد، فلم يشعر نحوه بشيءٍ محدّد؛ كان مجرد عنصرٍ آخر في نظامٍ يعمل بلا انقطاع. صعد إلى المركبة، فأُغلق الباب بإحكامٍ لطيف، وانطلقت بهدوءٍ تام. من خلف الزجاج المعتم، كانت الشوارع تمتدّ نظيفةً ومنضبطة، والسيارات تسير في خطوطها الدقيقة، والإشارات تتبدّل في مواعيدها، وكل شيءٍ يؤدي دوره كما ينبغي.

  لم يعرف إلى أين يُقتاد. وبينما كانت المباني تتراجع خلفه بانضباطٍ صارم، أدرك أن وضوح الصباح لم يكن نعمةً، بل إعلانًا مبكرًا عن خروجه من الحساب؛ ثم ابتلعته الطريق، واستمرّ كل شيءٍ في العمل كما لو أنه لم يكن.

بولص آدم

71 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع