آسر أيمن
كانت هذه المرة الأولي التي أتناول فيها وجبة خارج البيت، في بيت أحد أصدقائي؛ فقد دعاني صديقي المقرب كريم لتناول الغذاء بمنزل والديه، وقبلت الدعوة. كانت هذه المرة الأولي التي أشعر فيها بالتحرر من قيود إخواني الثمانية!
شعرتُ أنني طيرٌ يجرّب طعم التحليق في سماء الحقوق وحده أخيرًا، دون أن يشاركه أحدٌ في شيءٍ، بعدما عاش عمره كله ملتحمًا بسربه.
جلستُ مع وصديقي ووالده علي سفرة الغذاء، أخذا يتناقشان، وأنا أحاول مُجاراتهما ولو قليلًا في مواضيعهما. لم أُركّز في الكلام مثلما فكرتُ في الطعام. شعرتُ أنني على وشك التهام نصيبًا يفوق نصيبي الطبيعي بمقدار وجبةٍ أخرى، فرحتُ حتى شعرتُ أنني كدتُ ألامس النجوم، ولكن شعرتُ بتأنيب الضمير فجأةً، كخنجرٍ أتاني من العدم؛ لأنني سآكل حتى تمتلئ معدتي، وإخوتي سيفرحون أن نصيبهم نقص فردًا، ولكن شتّان بين الفرحتين!.. انتظرنا لبضع دقائق قبلَ أن تأتي والدته حاملةً الطعام، حينها فقط صَمتنا جميعًا احترامًا للطعام المُقدَّم.
أخذَ والده يُقَسَّم الدجاجة إلى أربعة أجزاء، بادئًا بي؛ أعطاني قطعتي، وقبل أن يُكمل، بدأتُ أنا بتقسيمِ قطعتي لقطعٍ أصغر في سرعةٍ استرعت اهتماما حاولوا جميعًا اخفاءه. نظرَ كريم لي، ثم لوالدته عاقدًا حاجبيه في استفسارٍ ودهشة، قبل أن تنظر له السيدة نظرةً حادة أخرسته تفيد بأنه أخطأ برد فعله من الأساس، وهو لا يفهم أين أخطأ. لاحظتُ ذلك بطرفِ عيني، كما لاحظت نظرات والد صديقي لي، لكنّي لم أعِره اهتمامًا، وما إن انتهيت مما أفعل قلت:
– لقد انتهيت.
نظرتْ والِدته لي، قائلةً بابتسامةٍ صافية:
– مم انتهيت يا صغيري؟
عقدتُ حاجبيّ في استغرابٍ يعكس ما يدورُ في ذِهني من أسئلةٍ، لم يطُل صمتي حتى قلتُ متخطيًا حاجز التعجب في داخلي:
– تقسيم الأنصبة.
ضحك والد صديقي ضحكة قصيرة؛ حاول أن يُداريها تحت ستارِ السعال. نظرتْ إليه زوجته في لومٍ، ثم قالت لي في وداعةٍ:
– لا يا صغيري، هذا نصيبُك وحدك. أودُّ منك أن تنهيه.
كانت هذه المرة الأولي التي آكل فيها قطعةً كاملة من الدجاج، شعرتُ بشعورٍ غريبٍ بداخلي لم أفهمه، ربما هو الحزن أو الحرج، سواء أكان علي نفسي، أشقائي، وحتي والدي. لم أكن أعرف سببًا لهذا الشعور.. اعتذرت منهم بحجة الدخول لغسيل يديّ.
برغم علمي بأنَّ هذه من أبسط قواعدِ اللياقة، إلا أنّني لم أطبقها يومًا من قبل؛ فنحنُ -أنا وأشقائي- نكون يوميًا في حربٍ طاحنة علي الغذاء، ومن يتأخر يُسرَق؛ ولهذا، فإنه لا وقت لغسيل الأيدي، وإلا ستفقد نصيبك بالطبع وتضطر إلى البحث عن أي شيءٍ لسد جوعك، حتى لو كان الانتظار للغد.
دخلتُ إلى الحمّامِ لأغسل يديّ، واصطدمت عيني بالمرآةِ. نظرتُ لنفسي، وتأملتُ شعوري وإحساسي؛ ربما هذه المشاعر ليست مشاعري وحدي، ربما هي صرخات وأنّات كثيرين غيري.
مرت اللحظات بطيئة، وقد فهمتُ شعوري أخيرًا!.. أنا أشعر بالشفقة على نفسي وأشقائي.
بكيت، وبكيت، ولكن بصوتٍ خفيض؛ كي لا يسمعني أحد.
وتأكدتُ أنني أُعاني الآن من أسوأ شعورين يمكن أن يشعر بهما الإنسان؛ الأول: الشفقة على الذات.. الثاني: الوصول لهذا الشعور لأتفه الأسباب.
سمعتُ نداءَ صديقي ينتزِعني من أفكاري، فقُمتُ بغسلِ وجهي، واعتزمتُ القيامِ بثلاثةِ أشياءٍ؛ أولًا: أن أتقبل الأمر كما هو دون التفكير فيه.. ثانيُا: عدم تكرار مأساة والدي عندما أكوّن أُسرةً.. ثالثًا: أن أخرج في الحال وآكل، دون أن تظهر عليّ آثار البكاء، أعلم أن طعم الأكلِ سيتلوث بمرارة أفكاري، ولكن لا يهم، سأتقبل المرارة وأبتلعها.. يجب أن أُظهِر أنَّ شيئًا لم يكُن.
تنهدتُ متقبلًا حالي ووضعي، ثم بللتُ وجهي بالماءِ، وقُلت بصوتٍ مشرقٍ:
– أنا قادمٌ.
ثم خرجتُ وقلبي يبكي، لكن الابتسامة تملأ وجهي








