حوار مع الشاعر الأسكتلندي كينيث وايت

موسوعة بريد السماء الافتراضي

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

تاريخ ومكان الميلاد: 28 أبريل 1936، غلازغو، المملكة المتحدة
تاريخ ومكان الوفاة: 11 أغسطس 2023، بريتاني، فرنسا

لم نرَ له ظلًّا في ذلك النهار. كانت المسافة بيننا ضيقةً وصلبةً ومليئةً بالغبار والغيوم السوداء المتصاعدة من مداخن الطبيعة. ومع ذلك، لم نفقد الأمل بالوصول إليه في المقهى الفضائي الموجود في الطرف الآخر من العالم.

فمع صعود الغروب في الأعين، وبتلك السرعة البطيئة، هبط أمامنا طائر «التوتكا» ذو الأجنحة الطويلة، ليحملنا معه بقوة جبارة، فيما كان هو يغني بلغة غير معروفة لدينا.

كنا نضحك ونبكي ونصارع تيار الهواء الذي أدخلنا إلى منزل زجاجي صغير، لنلتقي بالشاعر الإسكتلندي «كينيث وايت»، الذي كان يراقب المجرات بتلسكوبه المثبّت على الجدار.

كان يتأمل حركات الكواكب والأنجم التي سحرته، ليكون صاحب النظرية القائمة على فكرة ربط الإنسان بالكون؛ فظلّت هاجسًا متقدمًا على بقية الهواجس والإرهاصات المتعلقة بكتابة النصوص الشعرية عنده.

ما إن تخلّى كينيث وايت عن المراقبة عبر تلسكوبه حتى بدأنا بطرح الأسئلة والاستفسارات، ليعترف بما كان في باطنه من أسرار. قلنا له:

س: قبل بدء الخليقة، هل كان الكائن البشري حجرًا؟
ج: أظن ذلك. فقد نظمت فيه الطبيعة بعض شجونها، لينمو طبقةً داخل أخرى، وصولًا إلى نقطة الانفجار بالتجسّد نفسًا قابلةً للتطور.

س: تقصد بعد تدخل الطبيعة في تصميمه؟
ج: قد يكون ذلك ما حصل. فالطبيعة لا تتخلى عن جذرها البيولوجي في الخلق، أو في إعادة تدوير تفاصيل الكائنات في الوجود.

س: وأنت يا كينيث، في أية مرحلة من الاثنتين وصلت؟
ج: أنا الآن مدمج كليًا بالتراب منعًا للفراغ.

س: الفراغ الفلسفي الذي تعلمته من ديانة «الشنتو» اليابانية؟
ج: قد يستطيع الشاعر المناوئ للسكون سدّ فراغاته الذهنية بما صُنع من نصوص عبر اللغتين الهندوسية والبوذية، لما لهما من قدرة على تفريغ المحمولات القديمة وتعبئتها بمحمولات تحاكي ظلمة الجسد وطبقاته البعيدة.

س: تقصد طبقات الجسد الجيولوجية أم الجيوبويتيقا؟
ج: عندما تستعمل الفلسفات معاولها في الحفر الباطني، فإنك تحس بأن تلك المعاول عادةً ما تستنهض من أعماقك آثارًا لأفكار متحجرة لم تكن في حسبانك.

س: تعني تفجير الكتل النائمة في الفلسفة الداخلية المجهولة العمياء؟
ج: بالضبط. ومن هنا تبدأ مرحلة تكوين العلاقات الجديدة ما بين داخلك الأسود الأعمى وما بين تلك الثقوب السوداء التي تملأ الكون.

س: كيف يخدم الشعر هذا الهوس بمنازل الكون البعيدة يا وايت؟
ج: لا أعتقد بأن الفلسفة تخسر الشعر على الدوام، ولكنها قد تبني له جلدًا سميكًا بعد طبقة جلده الأصلية. وذلك ما يجعل وصول الحرارة إلى الأعماق بطيئًا جدًا.

س: ولكن الفلاسفة عملوا في الشعراء الكثير من الفجائع والويلات التي قادتهم إلى الجنون والانتحار والشيخوخة المبكرة للجماليات الشعرية، حينما وضعتهم في قوالب جامدة. ألا تعتقد بصحة ذلك يا وايت؟
ج: أنا لا أشكّ بذلك، ولكن الفلسفة لم يكن لها الأثر الفاعل والوحيد فيما ذهبت إليه. جنون الشعراء مرتبة من مراتب الكتابة السيكولوجية. وكذلك الانتحار، فهو تدوير للأجسام في محطات أخرى، ربما تكون أعظم خلاصًا للنفس الشعرية التي عادةً ما تندفع بحثًا عن مركز آخر للأرض.

س: وعن ماذا كنت تبحث في «الترحال الفكري» في ألمانيا وفرنسا؟
ج: كنت أقود كتيبة من أفكاري المهووسة نحو أعماق زمنية، سبق أن شهدت نمو نيتشه وراميو وهايدغر وويتمان وبريتون ولاس ستيفنز وآخرين في خلاياها الشيطانية.

س: كنت أنت صاحب بحوث مشروع شبه خيالي للربط الشعري ما بين الشعر والأبعاد الميتافيزيقية، بهدف الربط ما بين الطرفين. أليس كذلك يا والت؟
ج: ما فعلته في مشروعي الحيوي «الجيوبويتيقا/الجيو-شعرية» ليس الربط ما بين الاثنين، إنما حاولت تفكيك تلك الثنائية والبناء على تواصل استراتيجي يوقظ الكون في داخل الإنسان، مثلما يهدم الحدود ما بينه وبين الفضاءات الشاسعة للكون.

س: أنت قلت: «ليس التواصل بين الإنسان والإنسان هو الأهم، بل التواصل بين الإنسان والكون. اجعل الناس على اتصال مع الكون، وسوف يتواصلون مع بعضهم البعض». هل سيتم ذلك بالتخاطر الذهني أم عبر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؟
ج: سيتم حلّ كل التعقيدات عبر الذكاء الاصطناعي لاحقًا، ليصبح الكائن البشري في قلب الكون.

س: لتصبح طيرًا وبحساسية أبعد من المفهوم الأفلاطوني، مثلًا؟
ج: طيرًا يشق الطريق بعقله في الهواء.

س: وماذا عن الأجنحة؟
ج: ربما لا تصلح للطيران في الكثير من الأحيان.

س: حتى إلى أحضان النساء؟
ج: لا تحتاج النساء إلى أجنحة؛ ترياقهنّ ليس في الهواء، كما أعتقد.

س: وأين يكون بالضبط يا وايت؟
ج: بإشعال النيران في حفرة المعنى.

س: أذاك ما جاء في مؤلفاتك: «أرض الألماس» (1983)، و«ضفاف الصمت» (1997)، و«حدود وهوامش» (2000)، و«الممر الخارجي» (2005)، و«المحجّة الزرقاء» (1983)، أم ما تزال محتفظًا بمؤلفات أخرى في رأسك بعد الموت؟
ج: لقد لعبت بي الفلسفة والنظريات الخرافية الكثير من التمارين البهلوانية، مما دفع بالشعر لأن يكرهني هنا وهناك.

س: كيف ينفتح النص على الآخر برأيك؟
ج: بأن يتخلّى عن موبقات سارتر الوجودية، وحيوانات أفلاطون المصابة بأمراض العنوسة، وبلادة مصانع اللذة القاتلة عند نيتشه.

س: كيف يمكن أن يتشبّع الشاعر باللغة يا وايت؟
ج: الذي أعرفه أن الشاعر أرض تسكنها اللغة مع الأولاد والأحفاد وأسماك القرش والثعالب والدمى والقبل المقفرة وعظام الغابات والأغاني التي تستخدمها الدموع ملاجئ.

س: هل ذهبت أنت إلى هناك يا وايت؟
ج: لا، لم أذهب إلى هناك. ملاجئ الدموع بعيدة. ولكنني ذهبت منهوبًا بقوة اللغات المتوفرة على أسطح الكون، وفي دهاليز السراديب المخبأة في خلايا الكلمات.

س: أكنت ظالمًا في الغرام أم مظلومًا؟
ج: كنت مجندًا في المرآة لإحياء جذور الوجد. وكلما فكرت بالعثور على ضمانة في الحب، تحركت الفئران تحت اللحم وانتهكت كل شيء.

س: هل كنت تخطط لكتابة الشعر؟
ج: لا. كنت أنام في اللغة، لتمرّ طيوف الكلمات فوق رأسي كالسحاب. تلك متعة قد لا تشهدها إلا رؤوس قلة نادرة من الشعراء الأرضيين.

س: متى يقوى الشعر على الفلسفة برأيك يا والت؟
ج: أنا لا أظن بأن الطرفين في حرب، ولكنني طالما تخيلت الشاعر يتخبط بدم الفيلسوف.

س: هل هذا الرأي الظني كان محاولة لبناء شيء ما يشبه تلك الكائنات التي طالما قدمتها الأساطير للعلاقة ما بين الشعر والطبيعة تحت هذا الفضاء الكوني؟
ج: ربما. فاختراق الأساطير شعريًا ضرورة تستكمل البهرجة التي تقودها الميثولوجيا كعلم، وليس كمصطلح يتقارب مع الجانب الأركيولوجي في تفسير التلازم ما بين الشعر وهو ينظر نحو السماوات، وما بين الطبيعة التي تمسك بقدميه وتثبتهما منعًا للطيران.

س: هل تؤمن بوجود بقايا من عظام الشعر في خيال الآلهة على مدى التاريخ البشري؟
ج: أظن أن خيال الآلهة من صنع الطين الشعري. وقد ترك الاثنان آثارًا مادية في ألواح الديانات التي تشغل الوجود والعدم على حد سواء.

س: الناقد هارولد بلوم يقول: «لا يوجد تحامل ديكارتي مكشوف ضدّ الشعراء بالطريقة نفسها التي نجدها في الحوار الأفلاطوني ضدّهم كمؤلفين»، ويضيف: «قد يبدو غريبًا أن تكون الآراء ذات الثقل موجودة في أعمال الشعراء وليس الفلاسفة». ما رأيك يا والت؟
ج: هنا يجب أن نتصدى لأبراج الخيال عند الشعراء ودهاليز العقل عند الفلاسفة وفقًا لاستنتاجات السيد بلوم، لنعثر وفقًا لذلك الجهد على الطريقة التي تمكّن الشاعر من الكتابة بشجاعة. ودون ذلك التوغل في المخيلة وأزقة الدماغ، تذوي الأفكار وتنطفئ النيران بالصور والتصاوير.

س: إلى أي مدى تصح صورة الشعري بالغجري؟
ج: قد تجمع موهبة شطب الحدود الاثنين، وصولًا إلى الغبطة. أقصد غبطة التجاوز وابتكار الجغرافيات الموازية للمدن الكبرى.

س: هل في جغرافيات الشعر قلق يحول دون بناء الجسور ما بين الموتى والأحياء؟
ج: القلق باصات نقل الركاب في المدن الشعرية، ولذلك لا خشية منه؛ لأن القلق بالأصل بروتين شعري.

س: لم نرَ ذلك البروتين سائلًا في قصائدك. هل تحجّر يا وايت؟
ج: كنت، مثلما أنا الآن، أعتبر قصائدي أجنةً يملؤها الحنين، الذي يفسر ما أكتبه باللمس.

س: بطريقة برايل التي يقرأ العميان بها النصوص، تقصد؟
ج: نعم. ففي جسدي الفيزيولوجي ما يعادله في جسد اللغة من أصوات وتفاصيل وانطباعات ومدن ومتاهات ووحوش مستعدة لافتراس مخلوقات ذلك البروتين، للانتشاء به والتلذذ بالنشوة التي يتمكن من تصنيعها.

س: هل في الفاصلة الموجودة ما بين الوجود والعدم بروتين لإحياء صحارى اللغات؟
ج: كان عالم تلك الأرض التي فارقتها بالموت ليس عالمًا جماليًا يُحفز على إنتاج الشهوات المنتجة للنصوص البكر، إنما كان عالمًا من الأحطاب والرمال والذباب وتلك الأمراض التي عادةً ما تنشأ عن التقصير.

س: أين تنام القصائد برأيك؟
ج: القصائد، حسب معرفتي، لا تنام. ولكنها عادةً ما تحمل سريرها على ظهرها عاريةً وتتجول.

شاعر وكاتب عراقي

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع