كتابة وحوار: أسعد الجبوري
الشخص الذي وجدناه ممسكاً بمحراث ويهرول في الحقول، كان حافياً، وتتطاير من فوق رأسه الفراشات. كنا ما بين الحلم واليقظة، إلا أن طير ((الونز)) الجبار، الشبيه بنسر ضخم، سرعان ما التقطنا محلّقاً بنا فوق جزيرة سومطرة. كنا نرى الزلزال آنذاك، وهو يقرأ تراب الأرض والناس والشعر.
ولم تمضِ إلا ساعات حتى كنا في حضرة الشاعر الأندونيسي ساباردي دجوكو دامونو، ذو القامة الشبيهة بالريشة التي تكاد لا تصلح إلا للكتابة أو الغناء. (تاريخ ومكان الميلاد: 20 مارس 1940، سوراكارتا، تاريخ ومكان الوفاة: 19 يوليو 2020، جنوب تانغيرانغ، إندونيسيا).
هناك تعارفنا، وهناك تبادلنا المعارف، وهناك قررنا فتح باب الحوار هذا بالسؤال:
س: ألا تعتقد بأن رأس الشاعر مصيدة أحلام في الليل؟
ج/ أظن أن ذلك يحدث على مدار اليوم، فالحلم الذي يفلّت من الصيد نهاراً يمكن الإيقاع به ليلاً ليكون من ممتلكات الشعر.
س: وأنت يا ساباردي، هل كنت صياداً ماهراً للأحلام؟
ج/ كنت ماهراً بفتح نوافذ قلبي للفراشات وحسب.
س: تقصد أن قلبك محرقة للفراش؟
ج/ لم يكن ذلك الوضع بيدي، كانت نيران قلبي هي من تجذب تلك المخلوقات الجميلة لتلاقي حتفها هناك.
س: كأنك تعترف بأنك صاحب مقبرة تستقر وراء صدرك؟!
ج/ يمكنك أن تطرح هذا السؤال على من يختار الفناء بقلبي، ربما هو المكان الأفضل لكل مخلوق جميل ومثير وساحر.
س: أكنت تصنع أغانيك من ذلك الرماد؟
ج/ أجل، كل كلماتي منحوتة من تلك المادة السحرة الأغلى من الذهب.
س: هل الرماد أغلى من الذهب؟
ج/ ما يوجد من جمال فاتن في أجسام الفراشات لا يوجد في الذهب.
س: كيف يتعامل الشاعر مع الزمن؟
ج/ أعتقد بأن الطريقة الفضلى أن يجعل منه سجادة حمراء ويلقي بأقدامه عليها بهدوء.
س: تفضل المشي لا الطيران؟
ج/ أجل، الأقدام ترسخ خطواتها على الأرض أكثر من الهواء.
س: هل كنت تخاف من السفر طيراناً؟
ج/ لا، ولكنني غالباً ما أتمتع بالتسلل إلى أعماق الأزقة والشوارع المظلمة وكهوف المتعبين من الناس.
س: وهل كنت تفتش عن شيء؟
ج/ أجل، فأغلب الأساطير توجد ما بين البشر.
س: هل لأن الأساطير من اختراعاتهم، أم ذلك شأن إلهي؟
ج/ أعتقد بأن الآلهة صنعت أساطيرها من وراء بحثها عن اللذة، فيما أساطير المعدمين ما تزال قيد الكتابة كما أظن.
س: وهل ستصبح بمستوى الأساطير المدونة على أوراق تواريخ الشعوب؟
ج/ ذلك سيعود إلى بصر كتاب الأزقة والمعارف التي في خزائن رؤوسهم، ولا أظن أن الأمور ستكون مخيبة للآمال في كل الأحوال.
س: هل تؤمن بالأمل؟
ج/ إلى حد ما، نعم.
س: هل لأنه فاكهة الفقراء من ملايين العاطلين على أرصفة الحياة؟
ج/ كلنا أرصفة في ساحات العمل المشترك، منا المزدحم بالأسى ومنا من يناضل لتوفير رغيفه حتى من الطين.
س: لمَ اخترت كتابة الأغاني يا ساباردي؟
ج/ ربما لأن ليس لدى الشاعر العاشق ما يفعله سوى الكتابة عن الشغف في ليل العالم الطويل المتشابك الغني بالحب.
س: ما هي مضار الحب بنظرك؟
ج/ أن يكون العاشق سطراً مستقيماً.
س: هل كنت مخاتلاً تدعو إلى الانحراف والخيانة؟
ج/ الحب مجموعة خرائط غامضة، ولكل عاشق متاهة لكسر النمطية في الغرام.
س: هل مارست الخيانة أو تبادلتها مع إحداهن؟
ج/ قصائدي تثبت ذلك، وعلى ما أجزم وأعتقد فإن عوالم النسوة وطقوسهن يحتاج إلى مجموعة نمور للسيطرة على الخروق التي تهدد العلاقات الحبية ما بين العاشقين.
س: هب أنك خرجت ذات يوم من رحم كلمة، فهل تعتقد بأنك ستعود إليها؟
ج/ لا خارج من رحم كلمة إلا بعائد إلى ظلها، كضال يحمل في نفسه بلاغة التوليد والإنجاب والاشتقاق والتكاثر.
س: التكاثر أين؟
ج/ في بناء الجمل اللغوية.
س: وعلى ماذا يقوم ذلك البناء برأيك؟
ج/ ذلك يتبع لرياح الأنفس التي تعيش في الشعراء لا في اللغة.
س: هل تعتبر بأن حصولك على الجوائز إعلان بأهميتك كشاعر أول في بلادك إندونيسيا:
جائزة 1983
جائزة مجلس جاكرتا للفنون الأدبية عام 1984
جائزة الكتابة SEA عام 1986
جائزة أحمد بكري للأدب عام 2003
جائزة أكاديمي جاكرتا عام 2012
ج/ ذلك ما أشار إليه النقاد حينما اعتبروني من أهم وأكبر شعراء بلادي.
س: كيف كنت تنظر إلى الجوائز؟
ج/ نساء أضفن إلى روزنامة العمر الجميل.
س: ما الذي كان يشغلك في اللغة؟
ج/ المدن.
س: عن أية مدن لغوية تتكلم؟!
ج/ عن المدن التي تقوم الكلمات ببناء معانيها طابقاً خلف آخر، وحتى اكتمال النص الشعري ونضوجه.
س: هل رأيت الرب بعد الموت يا ساباردي؟
ج/ كان الرب معي على الدوام، لذلك لا حاجة لرؤية من يسكن بداخلي.
س: والشياطين في حياتك القديمة؟
ج/ لا حاجة لي بهم الآن، أنا تعاملت معهم قديماً، وفشلت نفسي بكسبهم إلى جانب الخيارات الشعرية.
س: ولمَ تطلق على الشياطين الأوصاف والتهم بكتابة الشعر؟
ج/ تلك كانت أضحوكة ليست إلا، لأن المخيلة هي من تقوم بتصميم النصوص وزراعة ما يناسبها من صور وكلمات ومن شهيق وزفير.
س: ما تلك الزجاجة الضخمة التي تحتفظ بها تحت ثيابك؟!
ج/ تلك مرآة للكشف عن الخوف.
س: وهل للخوف في جسمك قاعدة أو مطار؟
ج/ أنا تحررت من إرهاب الخوف على نفسي، وكنت أراقب الخوف على كلماتي فقط.
س: ما المعضلة التي يمكن أن يواجهها الشاعر بعد الموت؟
ج/ ربما تقع تلك المعضلة في نقطة واحدة لا غير: الجفاف وعدم التدفق.
س: ما المقصود من وراء هذا الكلام؟
ج/ بعض الشعراء يستعملون الموت سريراً للراحة من الألم، فيما شذاذ الآفاق يفضلون التدفق عبر التراب لمشاركة الديدان والزهور والأشباح المبعثرة في القبر، مع ظلال الأحلام المنكمشة، الحَيَوات المتعاقبة التي لا تنتهي بتوقف النبض.
س: تعني التقمص يا ساباردي؟
ج/ ولمَ لا يفكر الأحياء بذلك، فالموتى يتطورون، والموت لا يوقف شيئاً لأننا نتغير من مرحلة العدم إلى مراحل ومراحل، وثمة قدرة هائلة ستستمر بتدوير جثثنا وإعادة إنتاجها بما يلزم.
س: هل وجدت عملاً في الآخرة؟
ج/ أجل، فقد نقلت مهنتي القديمة إلى هنا، لأعمل محرضاً نارياً في فرقة كتابة أغاني المهاجرين إلى الله، وبصوت المغنية السورية ميادة بسيليس.
الجوائز:
حصل ساباردي دجوكو دامونو على عدد من الجوائز تقديراً لعمله. من بين هؤلاء:
• جائزة 1983
• جائزة مجلس جاكرتا للفنون الأدبية عام 1984
• جائزة الكتابة SEA عام 1986
• جائزة أحمد بكري للأدب عام 2003
• جائزة أكاديمي جاكرتا عام 2012










