كتابة وحوار: أسعد الجبوري
تاريخ ومكان الميلاد: 9 أغسطس 1892، القاهرة، مصر
تاريخ ومكان الوفاة: 5 يونيو 1981، القاهرة، مصر
قبل ساعة الغروب بقليل،وجدناه محاطاً بمجموعة من البجع وهو يحرثُ قطعةً من ألأرض المقابلة لبحيرة الدموع الواقعة في أعالي السماء الرابعة.دخان الغليون يتصاعد من فمه موجات. فيما كانت عيناه محبوستين خلف نظارة معتمة البلور،وهو يرتدي الجلباب المصري.
ما أن اقتربناه منه خطوات ونادينا عليه بصوت عالٍ،حتى تقدم لملاقاتنا هو و((الرانس)) الحيوان قريب الشبه بنمر الجاكوار الأسود.
جلسنا على كرسيين مصنوعين من الخيزران في شرفة كوخه المطل على تلك البحيرة،بينما كان أغنية ((رق الحبيب)) تتصاعد من الراديو ألأنتيك المثبت بمسمارين ضخمين بجذع شجرة الصفصاف المتاخمة لأريكة طويلة مغطاة بقماش أزرق، كانت تتمدّد عليها فتاةٌ بالشورت.
وما أن بدأت الكؤوس بتبادل الأنخاب،حتى نهض النمرُ من مكانه مغادراً والنور يشعُ من عينيه الخضراوين.
هل نبدأ بالحوار يا رامي؟
طرحنا عليه السؤال مقترحين البدء بالعمل،فردّ بالإيجاب.آنذاك سألنا الشاعر المصري أحمد رامي:
س:بدأ أحمد رامي حياتهُ المهنية بتعَلم نظم الوثائق والمكتبات. ما الذي دفعك لذلك الخيار؟
ج/لم أجد لذّةً فيما اخترتهُ تفوق لذّة الاندماج بلذّة الورق في الحياة..
س:وهل برأيك إن لذّةَ الورق تتفوق على لذّة الحب ؟
ج/ في البدء اعتقدتُ إنها تنظمهُ لا تتفوق عليه،إلا أن الأمور أخذت مسارات أبعد من توقعاتي البريئة البسيطة تلك،بعد أن تشرنقّت علاقتي بالورق حدّ الاختناق.
س:ألا تعتقد بأن الورّاق عادةً ما يصبح ضحيةً للذّة الورق الباردة،فكيف الحال بالنسبة لشاعر مثلك ؟
ج/كنت أدركُ بعضاً من هذا.. فتوثيق الحب بالكتب وحدها،جريمةٌ لا تغتفر.
س:وكيف استطاع رامي التحرّر من الورق الساكت الصموت ؟
ج/بالصوت.
س:تعني توثيق العواطف بالراديو كأصوات مبثوثة على سطور الأثير؟
ج/أجل. وهكذا أصبحت مكتبةً باطنية،عادةً ما تقوم بالتسلل إلى جوف الغناء طرباً حتى تمكنتُ من أن أكون حجز زاوية الغناء العربي من مصر.
س:متى وجدت نفسك تعملُ مثل الراعي في حقول الكلمات؟
ج/عندما أحسستُ بنفسي مدمجةً بالطبيعة أكثر فأكثر منذ بدايات حياتي.
س:وهل الطبيعةُ هي مَنْ قادت أحمد رامي إلى اللغة؟.
ج/أجل.فقد كانت فاعلةً في تركيب ذهنيتي ومشاعري حتى لحظ الانفجار بالجمال الشمولي العظيم..
س:تقصدُ حتى لحظة دخولك معترك كتابة الشعر؟
ج/بالضبط. سرعان ما قفزت من غابات الطبيعة إلى شجرة اللغة، فكنت شاعراً تستولي عليه الأحرف برعاية الرّيح.
س:وما علاقة الرّيح بتكوينك الشعري ؟
ج/لأن قوة دفع الرّيح هي من كانت تحرك ما بداخلي من تلك الأحرف التي تتشكّل كلماتٍ تنبتُ على الأسطر،وتضطربُ كالسنابل اهتزازاً من أثر هوى العاطفة التي لا يقوى الجسد على حماية نفسه من عواصفها.
س: أكان ذلك برعاية الشمس والنيل؟
ج/نعم. مع الحب بالطبع. فلا الشمس تكفي. ولا المياه تكفي الشعر دون حب.
س:وكيف رأيت الحبَ على تلك الأرض يا رامي ؟
ج/أنا لم أر الحبّ،أنا عشتهُ جنوناً وكبرياءً وتشبهت به وردةً على كتف أبي الهول.
س:وما الذي أضافه لك الحبُ يا رامي ؟
ج/أضاف لجسدي ما تضيفهُ المعادنُ للتراب من فيتامينات كي تتقوى به عِظامنا لنمشي على الأرض.
س:ولماذا تمشي ولا تطير. بل وإلى أين بالضبط؟
ج/كسيحٌ الوجدان من لا يمشي وراء المحبوب. هكذا تعلمتُ تلك القاعدة الأولية في حياتي.إما الطيران فلا يجلب غير الكوارث السريعة، وما كنتُ راغباً الموت بالمحبوب إلا بالتقسيط.
س:تعلمتها من وراء الجريّ لتدركَ ماذا. وتتعلم ماذا ؟
ج/لقد أدركَ قلبي تفاصيل تلك القواعد حتى صارت قانوناً تعلّمتُ منه عوالم الغرام وطقوس الحب الكثيرة الوفيرة التي تبلغُ ما لا يمكن بلوغه بسهولة.
س:وما الذي يساعد اللغةَ على الحب برأي رامي ؟
ج/يا له من سؤال قاتل
س:وما الذي دفع بكَ لتوصيف هذا السؤال بسهم كيوبيد القاتل ؟
ج/لأنني عجزتُ عن مساعدة اللغة بالوقوع في الحبّ، مثلما عجزتْ هي عن إقناع الشعر بالتخلّي عن الحب.
س:وكيف يحدث ذلك برأيك ؟
ج /سأقول لك شيئاً: أن تقع اللغةُ بالحب،فمعنى ذلك أنها ستخضع لاستبدادهِ وعنفه وجنونهِ، ومُتَخلّيةً عن مُستَبدات الوجود الأخرى.وهذا انحيازٌ لا يليق باللغة العربية المتلاطمة كالبحر العاتي بالمعاني المُنتجة للبلاغة ومشتقاتها.
س: وهل وجدت رغبةً عند الشعر بالتخلّي عن الحب ؟
ج/لا أبداً. لا الحب يفعل ذلك ولا الشعرُ على الرغم مما يلحق بالاثنين من حرائق.فالشعرُ يستلّذُ بالأمراض التي يجلبها الحبُ إليه،مثلما يزدّادُ الحب تعلّقاً بالكلمات التي تتشكل منها القصائدُ..
س:هل شعرتَ أن أجراساً برقبة اللغة؟
ج/أجل. وطالما حذرّتني اللغةُ من الخوض بالمطبّات العميقة.تعلمتُ ذلك في حياتي ونجوتُ أنا وبعض قصائدي.
س:وممن نجوتَ.أكان عقاباً أم شيئاً آخر؟
ج/نجوتُ من عقوبات الغرام تارةً،وتارة أخرى من تعنيف الذات على التورّط بعلاقات تفتحُ الطريق أمامي للاشتعال بالنار أكثر..
س:هل الحبُّ مكواة؟
ج/هكذا هو كما يجب أن يدوّن بألواح الأساطير وعلى ما تحت الثياب من اللُحوم.
س:لماذا جعل أحمد رامي من الأغنية قلباً فقط ؟!!
ج/أليس ذلك أفضل من جعلها قنبلةً ؟
س:ولكن.. ألا يتشابه الاثنان في المبنى وفي المعنى : القلب والقنبلة ؟
ج/بالضبط. وانفجار أحداهما مؤذٍ ومرضٍ.
س:كأنك تشير بذلك إلى حنجرة السيدة أم كلثوم التي وضعت فيها وديعتك الشعرية لتتوالد التفجيرات قهراً وسهداً وهجراناً.أليس كذلك؟
ج/أجل. فحنجرة ((ثومة)) قنبلةٌ موقوتة،لا تنفجرُ إلا حينما يمرُ بها شعرُ الأسى.
س:أتعتبر بأن لا شيء يفجر تلك الحنجرة سوى مآسي العشاق ؟
ج/نعم. فكل قصيدة بمواجع الغرام وبنوبات التأسي،هي بمثابة عود ثقاب.
س:لمَ
ج/لأن حنجرة ثومة سبقتْ الحبَّ إلى تفاصيله المخبأة وراء كواليس الشجن والسقم والهجران وبقية مواجع زمن الصبر والقسوة والنسيان.فكانت حنجرة التغني بمآسي حطام الأفئدة وحرائق الأرواح التي خُلقت لتلك الأسباب.
س:أحمد رامي شاعرٌ أسس لعصر هزائم القلوب في الحب. ما ردّك؟
ج/ذلك صحيح. فما من عاشق إلا وهو مهزوم في حضن المحبوب شغفاً. وما من مهزومٍ في العشق،إلا وصارَ من أهل الهوى التائهين بين طبقات الليل.
س:كان تعلّقك بثومة تعلّقاً مرضياً أنتج قرابة مائتين من القصائد الغنائية التي كتبتها عن نفسك بمثل ذلك الشجن البالغ القسوة.أليس كذلك؟
ج/أجل. أم كلثوم فجرّت منجمَ الشعر بداخلي حتى اختلط الخيطُ الأبيض بالأسود،فكنت العاشق الرمادي بقامة صَعُبَ جمعُ رمادها على طول خط العمر.
س:ألمْ تخمد جذوة الحب لثومة بعد دخولك القبر يا رامي ؟
ج/لا وأبداً. لأن خلايا قلبي ما تزال تنمو تحت التراب حباً بها.
س:ألا تعتقد بأن أم كلثوم كانت قبرك في الحياة قبل نومتكَ تحت التراب ؟
ج:جميل قول مثل هذا. فأنا كنتُ صريع ملكة الغواني،كلما انتهي من كتابة أغنية لثومة،سرعان ما أشعر بأنني أخرج من قبر الورق هيّاماً،لقبر آخر من النار الملتهبّة بذلك الصوت العظيم.
س:كيف كنت ترى الشعر يا رامي؟
ج/كنتُ أراه كرةُ مٌشتعلة ما بين شيئين فريدين:ما بين حنجرة وبين منديل.وكلما نشط خطُ النار ما بينهما،سرعان ما تلتهبُ الأيادي تصفيقاً على ذلك الحريق.
س:لماذا لم تختطف ثومة من قبضات الذين كانوا واقعين تحت تأثير سحرها وتتزوج بها ؟
ج/وكيف أخطفُ نزيلةً بفؤادي؟
س:كَمْ من الغُرفِ كانت بقلب أحمد رامي؟
ج/لقد هَدّمتُ كلّ ما في ذلك البيت اللحمي الضعيف،وأبقيتُ على البرج وموقد النار لتدفئة السيدة الجميلة.
س:نريدُ معرفة سرّ ذلك التحوّل الذي قاد أحمد رامي من الشعر الفصيح إلى الكتابة بالشعر العامي؟
ج/هو تكسير لعذابي بالضبط.أدركتُ أن الشعر الكلاسيكي الفصيح لا يزّن ما بداخلي من موازين الألم واللوعة والحطام.
س:ألا تفصح أكثر ؟
ج/لم أجد بالشعر الفصيح إلا كتماً لكلماتي الحمراء وكبتاً لعواطفي من الفيضان والتجاوز. وكذلك فالشعر الفصيح تراكمٌ للأخلاق التي لا تتناسب مع وضع عاشق مهوّوس بالغرام.
لقد أصابني الشعر الفصيح بتَنمّل الأصابع.فخفت من نوبات الأخلاق والورع الأدبي الزائد.
س:إذا كان الشعرُ الفصيح يحيطُ القصائد بالوَرَع وأقفال الآداب العامة الخاصة بتهذيب عواطف العاشقين،فما الذي وجدتهُ في الشعر العامي المحكي؟
ج/وجدتُ القدرة على محاكاة ما وراء العواطف الضعيفة.
س:كيف يحدث ذلك يا رامي؟
ج/كان الشعر الفصيح يتيماً بالتعبير عما كان يعتريني من شّهوات،فيما تلقفني شعرُ العامية بالأحضان في كل فترة حرجة من عمري.
س:فترات الهواجس والثورات الجنسية تقصدُ يا رامي ؟
ج/بالضبط.كنت أكتب الأغنية بالعامية،حينما أكون على وشّك الانفجار مثل برميل بارود من شدّة حرارة الشبق،وهو ما يمنح جسدي قدرة على التواصل سهراً مع الآخر وتجلّياً بأحلام الليل الفائضة بمواعيد الغد.
س:ولكن في الشعر العربي الفصيح خزائنٌ من الشعر العاريّ أو ما يُسمى بالغزل الفاضح الفاسق حدّ الفجور،لذا فتبريرك أو توصيفك هذا غير واقعي.
ج/أجل. ولكن ما تجودُ به أفئدةُ الشعراء في الأغاني،غير ما هو مطمور بكتب التراث المهملة في الأرشيف.
س:كيف يتمُ بناء الأغنية عند شيخ شعراء الغناء أحمد رامي؟
ج/أبدأ بالتدفئة من البرد وطرد الثلوج عن قلبي،فأصبح جليس الموقد،وبعد ذلك أقومُ برفع طبقة الرماد حتى ظهور الجمرة الأولى.
س:وماذا تحمل تلك الجمرةُ الأولى؟
ج/هي جمرة كبد العاشق المحروق.بعد ذلك يتوالى ظهور الجمرات حتى سطوع سهم كيوبيد وهو يشع بخليط من الدم والنور.
س:وهل بتلك الطريقة تكتملُ الأغنيةُ عند رامي؟
ج/لا. ليس دون منديل ثومة الذي يأتي ليسرق الجمر المتقد ويضعهُ بنهر الموسيقى.
س:ألا تعتقد بأن طقوس مصر كانت سبباً مهماً بارتفاع مناسيب التألق بكل ما للطرب من فتنة وجمال والتياع ونشوة؟
ج/بالتأكيد.فعلى الدوام يكملُ ناسُ مصر الاستسقاء طرباً بمجرى النيل.وقد يعوّل على كلّ من يشرب من ماء ذلك النهر بالخفقان الموسيقي بهجةً وإدماناً للنشوة الطبيعية.
س:تقصد النشوة بالحشيش أم بالفسيخ؟
ج/كلاهما مادتان لتقوية البدن والنفس.
س:ما الذي يفعله نبات الخشاش بنبتة الشعر برأي رامي ؟
ج/ما أعرفه من خلال التجربة، أن الشعر يقف على باب الحشيش دون تعب أو ملل.
س:ولمَ يطيل من وقفته برأيك؟
ج/ليطلب يد الجنية بالتأكيد.فعادة ما يتم الزواج بين الاثنين للمؤانسة وليس بالزواج العرفي.
س:أيهما الذي سبق شغفك بثومة: الصوت أم الجسد ؟
ج/ كانت أم كلثوم مجمع حناجر الغناء على مستوى الكرة الأرضية. فهي جسدُ الصوت اللحمي بكل حذافيره.
س:ماذا تقصدُ بجسد الصوت اللحمي يا رامي؟
ج/ ما أقصدهُ أن الأصوات تجسدت فيها فكانت جسد الصوت المتكامل كلّ قطعةٍ من لحمٍ ثومة،كانت منجماً للأصوات التي تقابلها حواسُ الموسيقى.
س:وهل للموسيقى حواسٌ برأيك ؟
ج/بالتأكيد.فعلامات الموسيقى الشرقية ليست إلا حواساً متطايرة فوق السلالّم.ما يملكه ((الراست)) من خصائص نغمية هو غير ما عند السيكاه أو العجم أو الدوكاه.
س:وهل كنت تكتب أغانيك ((على بلد المحبوب 1935 – كيف مرت على هواك القلوب 1936 – افرح يا قلبى 1937 – النوم يداعب جفون حبيبي 1937 – فاكر لما كنت جنبى 1939 – أذكريني 1939 – يا ليلة العيد 1939 – ياطول عذابى 1940 – هلت ليإلى القمر 1942 – غلبت أصالح 1946 – غنى الربيع 1946 – ياللى كان يشجيك انينى 1949 – سهران لوحدى 1950 – يا ظالمنى 1951 – أغار من نسمة الجنوب 1954 – ذكريات 1955 – عودت عينى 1958 – دليلي احتار 1958 – هجرتك 1959 – حيرت قلبي معاك 1961 – أقبل الليل 1969 – جددت حبك ليه 1952)) على النغمات السبع لنظام الصولفيج ؟
ج/أنا بدأت علاقتي بثومة بأغنية (( خايف يكون حبك لي شفقة علىّ)).كان ذلك في منتصف العشرينات من القرن الفائت.ومنذ ذاك الوقت، لم أفكر لتخطيط معين في أثناء كتابة الأغاني أبداً،فقد كانت الكلماتُ تعمل برأسي وفقاً لنظام فيزيائي غريب بأصوات الأجراس التي تترجمُ ما يجول في بواطن اللغة من غرائز لإنتاج تلك القصائد.
س:ماذا واجهتَ بعد الموت يا رامي. هل التقيت بالسيدة أم كلثوم بين طبقات السماء؟
ج/ لم أصلها بعد.فأنا مازلتُ أتبعُ صوتها في مجرى الملكوت وهو يشقُ الفضاءات وخلفهُ المنشدون والعاشقون والغاوون بالملايين.













