بورتريه لرجل سيئ

تشكيل

محمد مركح

عند نهاية كل يوم أهنئ نفسي على النجاة، ففي كل دقيقة منه كنت أصارع المجهول، بداية من استيقاظي ومحاولة إقناع نفسي بمغادرة السرير الخشبي الذي نخر السوس أحد قوائمه الأربعة. لا شيء يستحق عناء إيجاد مسوغات لمواصلة رحلة تدرك جيدًا نهايتها. هنا أسأل نفسي: هل لدي امرأة ملهمة أود لقاءها اليوم؟ أم أن الوحدة والقلق سيمنحان حضوري معناه التراجيدي؟ بالطبع لا أرغب في توريط أحدٍ في كوابيس الليلة الماضية، ولا أستجدي التعاطف والشفقة من أحد، لكن الهشاشة التي أحسها وتتدفق داخل أوردتي تجعلني أخبر كل من أقابله بحاجتي للعودة إلى ما قبل الحسرة الأولى.

لست متشائمًا بالمطلق، ولا أستطيع أيضًا وصف نفسي بالمتفائل، فكل ما حدث لي في هذه الحياة قد يحدث لأي أحد، ولا ميزة في هذا الأمر، فقط أحاول توضيح الأشياء لكل من يغمط حقي في تبخيس الحياة، وتشويه سيرة أبطال الملاحم الخالدة، وهجاء النجباء والعظماء والنبلاء.

بداية، لا بد لي من إعادة الاعتبار لكل الرغبات المهدورة، فهي من تمنح تاريخي الشخصي صيرورته الحقيقية. فرغباتنا ليست سلعة بإمكاننا المساومة عليها، نتنصل منها أمام أول تسوية تُفرض علينا للاستمرار في هذا الكون. لا يهم حجمها أو قيمتها، بل أصالتها، ومسّها لقرحة الروح بعد أن فُصدت شرايين أحلامنا العارية.

لقد كنت سيئًا، سيئًا جدًا كأحد الاحتمالات في مخيلة عرجاء. كان من الممكن أن أكون أحد أفراد قبيلة الماساي، أصطاد الأسود، وأشرب لبن البقر مخلوطًا بالدم، كان من الممكن أن أكون آرتورو بانديني بطل رواية “أسأل الغبار”، كان من الممكن أن أواعد بروك شيلدز، كان من الممكن أن أكون بول غوغان، منفيًا ومغتربًا في حضن امرأة تاهيتية، كان من الممكن أن أكون الناجي الوحيد من عائلة يابانية نسفت القنابل الذرية كل مشاريعها المستقبلية، كان من الممكن أن أكون أحد الطلاب المحتجين في مايو 1968 بشوارع باريس، كان من الممكن أن أكون “التانغو الأخير” في سينما بيرتولوتشي، كان من الممكن أن أكون جون لينون، وهو يطلب من قاتله فرصة أخيرة يغني فيها “Imagine”، كان من الممكن أن أكون ذلك الرجل الحائر بين طريقين في قصيدة “الطريق الذي لم يُسلَك” لروبرت فروست، وكان من الممكن أن أكون روبيرتو باجيو، وهو يهدر ركلة الجزاء الأخيرة لإيطاليا في نهائي كأس العالم لكرة القدم عام 1994، بتلك الإطراقة التي جسدت تاريخ خيبة الإنسان على هذا العالم. كنت سأخطئ التصويب لو مُنحت فرصة أخرى للتسديد، حتى لا أحمل كأسًا يمنحني إحساسًا زائفًا بالانتصار والظفر لأربعة أعوام، وبعدها أعود لشعوري القديم بالنقص بقية حياتي.

رغم أن الالتباس سمة حكايتنا وغلالة تلف وجودنا، إلا أن سحرًا ما يكمن فيما نعيشه. فأنا “لست بطلًا، لكنني أعرف كيف تنتهي القصة”؛ عبارة ملهمة قالها شخص في فيلم لم أعد أتذكر اسمه، لكنه عبّر بها عن علاقتي بالحياة. فالمواجهة التي أخوضها معها، ولم يسألني أحدٌ عما أريده منها، تجعلني أعلم إلى أين ستتجه الأمور. لا شأن هنا لحدسي أو فراستي، غير أن وجودي في هذه اللحظة بالتحديد، ورؤيتي لجندي بائس يحدق بحرمان في أرداف امرأة توزع الشاي في مكان عام، يثبت لي بأننا جميعًا محرومون، بتفاوت درجات ذلك الحرمان. فما نرغبه ونشتهيه يهرب منا بإمعان وتبذير.

مأزقي الشخصي دائمًا ما كان امرأة قصيرة تعلم أن الكائن الواقف أمامها لم يكن نتيجة لاختياراته، بل صدى لما تنازل عنه وخسره، وهذا يحدث لكل الحالمين. لذلك، فاحتياجاتي من الله تتمحور حولها، وحول شغفي بها، والبقاء معها، كأن يجعلني ابتسامة على شفتيها، أو حلمة في نهديها. وماذا لو كنت سُرتها الآثمة، وهي تُبشّر بفجور الجسد الخلاسي؟

أكتب، والفراغ يحاصرني من كل الجهات. فهذا الاتساع يُحرّضني على الاستمناء، والبكاء بعده، لتتبخر دموعي صوب الأفق الصامت، فلا امرأة تنتظر عودتي لتحتوي جسدي المنفرج لكل أشكال العقارب المنتحرة على صدره، بعد أن ابتلعت سمها، وتعاين كم الجثث الراقدة بداخله.

متورطًا بشدة، ومنحازًا بالكلية للدوافع التي حلّت بديلة لأهدافي وغاياتي وآمالي المستفحلة في وقتٍ ما، وتوقف نموها بعد أن أُجهضت بداخلي العديد من الأشياء. لأجد في الانتماء لمنابع الحزن، الذي لم أختر مقداره، وللخيبات التي لم أحدد امتدادها، وللخوف من الموت والعتمة والمرض، معنى ثباتي حتى الآن. فهذه طبيعة الحياة، وجوهر القصة أن تقف في نقطة بعينها، وترجو من القدر أن يُفسّر لك لحظات الانتظار الحارقة.

عاهدت حياتي أن لا أختزلها في أحداث ومواقف، بل أحاسيس تفعم القلب كلما فكّر في الانسحاب. أتذكر اليوم الذي فارقني فيه ظلي قبل دخولي للبيت، نسيت أنه بالخارج حتى سُدول الليل. كاد يموت من البرد، لولا نجدتي له بمعطف أبي المهمل منذ غيابه. ومن وقت ارتدائه لذلك المعطف، صار يقوم بكل أدواره: يسقي الحديقة في المساء، ويطعم العصافير، ويستحم قبل النوم، حتى يبدو أنيقًا عند طلوع الشمس.

يقول صديقي السكير: لماذا نملك أرواحًا تنهزم بسهولة أمام فداحة الأزرق في لوحات بيكاسو؟ أمدّ له كأسًا أخيرة، وأتركه لهذيانات روحه المسحوقة، بينما أستعيد في ذات الحين رائحة شجرة الليمون في بيتنا القديم، التي تعبت من الوقوف ومقاومة أسباب الذبول، وتعبت بدوري من النجاة كل مرة، متواطئًا مع صباحات تشلخ وجه الشمس، وليالٍ تخنق القمر وتقترح شرفات للأرق.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع