المصحة: أدب الصدمة وتشريح المسكوت عنه

القسّ عيد صلاح

صدرت رواية “المصحة” للروائيّ السعيد عبد السميع عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2020م، في نحو 278 صفحة، وبسعر رمزي لا يتجاوز جنيهًا واحدًا، في إطار مشروع يهدف إلى إتاحة الأدب لجمهور واسع. وهي رواية أدبيّة تشخص أمراض وأوجاع المجتمع من منظور المصحة والنزلاء فيها.

تقدّم الرواية بناءً سرديًا يعتمد على ملفات نزلاء مصحّة نفسيّة، يطّلع عليها الطبيب المعالج، ومن خلالها تتكشف عوالم إنسانيّة مأزومة، تعكس أزمات المجتمع وتناقضاته. قرأت الرواية على فترات متقطعة، لكنها بدت مترابطة في طرحها، إذ يعرض الكاتب عددًا من الحالات الإنسانيّة التي تتجاوز كونها مرضًا فرديًا لتصبح مرآة اجتماعيّة.

تتناول الرواية خمس قضايا رئيسة:

الأولى لأستاذ جامعيّ مشهور يتوق إلى الحرية، لكنه يصطدم بسلطة المؤسّسة الجامعيّة من جهة، وبالقيود الأسريّة من جهة أخرى، فيتحول الطموح إلى عبء نفسيّ، فلا يحتمل المؤسَّسة الجامعيّة من جهة، ولا القيود الأسرية من جهة أخرى.

والثانية لزوجة رجل ثري تعاني من حرمان الإنجاب، فتستغل الشبه التام بينها وبين أختها التوأم، وتدخل في علاقة مع زوج أختها لتحقيق رغبتها في الأمومة، في طرح صادم لمسألة الجسد والرغبة والازدواج الأخلاقيّ.

أما الحالة الثالثة، فتناقش رجلًا يسعى إلى التحول الدينيّ من الإسلام إلى المسيحيّة، ليواجه رفضًا حادًا من أسرته، حيث يُنظر إلى اختياره بوصفه عارًا اجتماعيًّا، فتتكشف أزمة الحرية الدينيّة داخل البنية الثقافيّة للمجتمع، وهو ملف أكثر حساسيّة حيث يتعرض للسلم الاجتماعيّ، ونجني من خلاله التوتر الطائفيّ، وتفتح الرواية نافذة على أزمة التحول الدينيّ في مصر.

الحالة الرابعة لشخص بلطجي راكم ثروة كبيرة عبر العنف، لكن الرواية تعود إلى طفولته لتكشف عن تعرّضه لاعتداء جنسيّ، كان له أثر بالغ في تكوينه النفسيّ، وانتهى به إلى المثليّة الجنسيّة. وبرغم ذلك، يتزوج من راقصة كباريه، التي تخونه لاحقًا مع صديقه القديم، وهو نفسه المعتدي عليه في طفولته، في دائرة مأساويّة من العنف والانتهاك وإعادة إنتاج الألم.

أما القضية الخامسة، فتدور حول طبيبة تتزوج من صديقها الطبيب، الذي يُصاب بالمرض ويموت. ووفق اتفاق مُسبق بينهما، تحمل الزوجة بعد وفاته عن طريق أجنة محفوظة في ثلاجة أحد المستشفيّات المتخصّصة. غير أنَّ ولادة الطفل بعد ثلاثة عشر شهرًا من وفاة الزوج تثير الشكوك حول نسبه، في محاولة للتهرب من منحه حقه في الميراث. وهذه قضية أخلاقيّة في الأساس لم تتعرّض للدّراسة أو النقد مجتمعيًّا وثقافيًّا وقانونيًّا.

تصل الرواية في نهايتها إلى مفارقة دلاليّة لافتة، إذ يتضح أنَّ الطبيب المعالج نفسه يُصبح نزيلًا في المصحة، في كسر واضح للحاجز بين المعالِج والمريض، والعاقل والمجنون. وهي تشابه رواية “ملك عاقل وشعب مجنون” للروائي السوريّ حنا الحلو، حيث تقدّم رواية الحلو حكاية رمزية عن مملكة يحكمها ملك يتسم بالعقل والحكمة، لكنه يواجه شعبًا غارقًا في الفوضى والجنون الجماعيّ. يحاول الملك إصلاح أحوال المملكة عبر القوانين العادلة والحوار، إلا أنَّ الشعب يرفض العقل، ويفضّل السلوك العبثي والانقياد للأوهام والشائعات. تتصاعد المفارقة حين يصبح العقل سببًا للاتهام، والجنون معيارًا للقبول الاجتماعيّ. في النهاية، تطرح الرواية سؤالًا وجوديًا وسياسيًا: هل يمكن للعقل أن يحكم مجتمعًا يرفض التفكير؟ وتكشف أن أزمة السلطة الحقيقيّة ليست في الحاكم، بل في وعي الجماعة وتشوه إدراكها للحريّة والمسؤوليّة.

القضايا التي تطرحها الرواية-المصحة-قضايا مأساوية، تكشف عن بنية التفكير المجتمعيّ إزاء الحرية، والجسد، والدين، والسلطة، والذاكرة. ويبدو أنَّ السبيل الوحيد أمام هذه الشخصيات هو الانهيار النفسيّ، باعتباره محطة أخيرة، أو الرحلة الأخيرة كما يصوّرها الكاتب، دون أن نعرف على وجه اليقين ما الذي يدور داخل المصحة ذاتها.

تتشابك القضايا الرئيسة مع خطوط فرعيّة وثانويّة، تبرز من خلالها شخصيات انتهازية، لا ترى في الحياة سوى مجالًا للاستغلال، لتؤكِّد الرواية في مجملها أن الحياة قاسية إلى حدٍّ بالغ، وقد يتحوّل الاضطراب الفرديّ إلى مأزق جماعيّ، ويسقط الحدّ الفاصل بين العقل والجنون، وتقدم الرواية قراءة أدبيّة في بنية القهر الاجتماعيّ. وتنتهي الرواية إلى قناعة مركزيّة مفادها: كلنا مرضى نفسيّون، لكن بدرجات متفاوتة؛ فمنّا مَن يستطيع الاحتمال، ومنّا مَن يعجز، فتكون نهايته المصحة. ليصل بنا إلى قاعدة مهمة وهي أنَّ خارج المصحّة الجنون هو القاعدة.

ويبقى المأخذ الأساسي على النصّ هو كثرة الأخطاء الإملائيّة، وهو ما يستدعي من الهيئة العامة لقصور الثقافة مزيدًا من التدقيق والتحرير اللغويّ لإنتاجها، خاصة أن هذه الإصدارات تُنسب إليها ثقافيًّا ومعرفيًّا في المقام الأول.

……………….

*باحث في التراث العربيّ المسيحيّ، راعي الكنيسة الإنجيليّة في عين شمس، القاهرة

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع