شوقى عبد الحميد يحيى
فى سؤال لجريدة الجمهورية فى 17 فبراير 2025، للشاعر والروائى صبحي موسى عن سبب تركه للشعر والاتجاه إلى الرواية، فهل يعتقد أن الشعر فى أزمة؟ كانت إجابته: (كل الفنون فى أزمة وليس الشعر فقط. وليس هناك إبداع حقيقى أو جديد). الأمر الذى أختلف معه كثيرا، فإن كان الشعر حقيقة فى أزمة، فلا يعنى هذا أن كل إبداع هو تقليد أو ليس به جديد، فالكثير من الروايات، لازالت تثير الدهشة، ويشعر القارئ أمامها بأن بها الجديد، وهو- الكاتب- أكبر نموذج لذلك، فقد تعددت كتاباته الروائية حتى بلغت ست روايات (صمت الكهنة 2003، الموريسكى الأخير 2015، وصدر الجزء الثانى منها تحت عنوان “وجوه طنجة 2024، ، نقطة نظام 2017 نادى المحبين 2021) بخلاف أحدث رواياته “سر الهوى”[1] الصادرة 2025. وأستطيع القول بأن كل منها يحمل تجربة مختلفة عما سبقها، كما أن كلا منها يحمل تطورا فى التقنية الروائية، إلا أنها جميعا تبحث عن شئ واحد، وكأنه القضية التى حملها صبحى موسى على عاتقه، وهى الكشف عن الخلل الذى أصاب المجتمع المصرى، أو بمعنى أدق، هو البحث عن هوية الشعب المصرى، بكشف ما أدى إلى ضياع تلك الهوية، مثلما بحث فى أحدث رواياته “سر الهوى”، والتى استطاع فيها أن يجذب القارئ الباحث عن المتعة، والقراءة الكاشفة، كما إستطاع أن يرضى الباحث عن الهوية والتاريخ، على الرغم من أنه لم يَسر -فى الأخيرة- تصاعديا، حتى لا تتحول الرواية إلى سرد للتاريخ، ولكنه، كما لو أمسك أوراق الكوتشينة، وطاربها فى الهواء، ليصبح على القارئ أن يعيد تفنيط الكوتشينة، ويسلسل أوراقها حتى تضطحُ الصورة. محافظا فى الوقت نفسه، على سرعة الإيقاع، حتى لا يهرب منه اقارئ، ويظل ممسكا بها حتى النهاية.فى صيغة الحكى التى تشد القارئ المحب للحكايات،. خاصة وأنه يحكى عن رجل كبير السن، يعشق الحياة، وله سبعة أرواح {فالعجوز له أرواح كثيرة، إذا نفدت إحدها استعمل الأخرى}. وتعرض “الشهايبى” -الرجل الأول، والذى تقوم عليه الرواية -للعديد من التجارب النسائية، كان فيها متسيداً حتى وقعت كل نساء القرية فى الرغبة فيه، لجماله فقد {كانت “نجمة” أرملة فى الأربعين من عمرها، وكان “الشهايبى” فى مطلع الثلاثين من عمره، فارع الطول، ذا وسامة تشبه الإنجليز، وعليه بقايا عز كشف عنه جلبابه الصوف، وشاله الأبيض ومنديله الحرير، وله رموش طويلة وحواجب سوداء، وشعر ناعم يطل أسفل طاقية صوف. تأملته “نجمة ” طويلا من على الدكة أمامه، ورغبت فيه من قبل أن يغلبه البكاء، وحين جاءتها الفرصة لم تتأخر، فوضعت شرطها وطالبته بالتنفيذ}ص83. وكان شرطها أن تنام معه.
كما تعرض “الشهايبى” للعديد من غضب أبنائه ، ومطارداتهم، للحصول على إرثهم منه، والذى لايعرفون حقيقته، وتركه، عجوزا وحيدا، يتمنى له أولاده الموت، ويتآمرون عليه إن فكر فى الزواج، حتى لا يأتى من يشاركهم فى الميراث، وهو طابع إنسانى فى كل جيل، وفى كل مكان، فنفذ الكاتب بذلك إلى الطبيعة الإنسانية، فى أبسط صورها. وتوضح “أم الفرح” هذه الحقيقة بقولها فى نهاية توحده وانصراف أبنائه عنه، وأصبح لم يجد من يهتم به، حيث يقول يقول: { لو بعت الأرض دى، مش يبقى حلال}ص182. وتقول “أم الفرح” {هذه الأفكار قد تودى بحياته، فأولاده يتصارعون عليها وهو حى بينهم، فماذا لو علموا أنه سيحرمهم منها؟}ص 182.
أما على الجانب المجتمعى، فكانت الحياة تسير فى “سر الهوى” على النحو التلى:
فى حين كانت الحياة قبل الثورة ، وحين حفر قناة السويس.. فى {سالف العصر أتت قوات الباشا الكبير إلى القرية القديمة. دخلت البيوت وانتزعت الناس منها، ومن وجدوه ربطوه فى حبل ، وجروهم مع آخرين من قرى أخرى، وساقوا الجميع كقطيع أمامهم، كانت كرابيج الهجانة تمزق الجلود، وتدفع بهم إلى المجهول، حيث البحر الذى سيحفرونه فى بلاد لم يسمع بها أى منهم. آلاف من البشر تنحنى من طلعة الشمس حتى غروبها، ولا ينالون غير جرعة ماء وكِسرة خبز….. كانت أيام مات فيها من الخوف المئات، ومن الجوع والمرض المئات، وكانوا يدفنونهم فى جوف البحر قائلين إنهم قربان الماء، وان الناس يتساقطون من ضربات الشمس والقئ، والموت أمنية الجميع، كى يخلصهم من الهوان وكَسرةُ النِفس}ص31 ، 32.
و فى “سر الهوى” {كانت “سر الهوى” مقسمة فى عصور الظلام إل أنواع من الأرض والبشر: النوع الأول كان الإقطاعيون بعزبهم ومزارعهم الكبيرة. والنوع الثانى كان الأجراء الذين يعملون فى هذه العزب. أما النوع الثالث فهو الملاك الذين ورثوا عن أبائهم مساحات صغيرة من الأرض …… غير أن هذا النوع كثيرا ما يعانى، خاصة مع الجيل الثانى منه فعادة ما يُنجب الأباء أبناء تتوزع بينهم الأرض، فلا يحصل أى منهم إلا على قراريط لاتكفيه مؤونة حياته.. هكذا سارت الحياة لسنوات طويلة، لكن الثورة المباركة غيرت كثيرا من الأمور، فقد صدرت قوانين الإصلاح الزراعى، وصوُدِرت آلاف الأفدنة من الإقطاعيين لتوزع على الفقراء، كان من بينهم “الشهايبى” الذى ابتسمت له الحياة بعد ما شارك فى الدفاع عن مدينة السويس، وانسحبت قوات اليهود والإنجليز والفرنسيين}ص110.
ولا تترك -الرواية- شيئا للصدفة، فقد هندسها الكاتب بعناية. حيث أتت ب”الجزيرية” التى تزوجت والد “الشهايبى” لتتآمر على ابنه “الشهايبى”، بعد أن علمت أنه سيترك رعاية أغنامها، وكانت أغنى واحدة فى القرية، فأرادت الانتقام منه ، وأوعزت- بالمال- إلى السلطات التى أخذته إلى الجهادية، فيقول الشهايبى{ إنه الوحيد الذى كان يعرف لغتهم، فقد تعلمها فى الجهادية، تلك التى وجد نفسه فيها بعد أيام من عقد قرانه على فاطمة. أخده العسكر من بيت العمدة وذهبوا به إلى المدينة الكبيرة التى يتوه فيها الجميع . ولم يتركوا له فرصة لوداع أبيه ولا حبيبته ، فقد دفعت جدتهم الجزيرية ما يكفى لحمله من البيت إلى الحرب مباشرة} ص42.
وبعد الثورة- المباركة- نقول الرواية أن الفعل لم يكن بقدر الوعود التى قطعها من سبق أن وعدوهم بالخير والرفاهية، وهى الثورة التى لم يعلنها الكاتب مباشرة. ولكنها تنطق بما لم يقله {فى هذ الآونة علم من “جونى” – الإنجليزى- أن مجموعة من الضباط طردوا الملك واستولوا على الحكم فى العاصمة، وأن الناس نزلت الشوارع مؤيدة لفعلهم……. وأوقعه حظه فى لص سرق محفظته، وتركه يتسول تذكرة العودة}ص69. ومن هذه الجملة العامة، يمكن أن نستخلص منها، أن الضباط هم من قاموا بالثورة، وطردوا الملك، كما أن سرقة “الشهايبى” بعد رحلته إلى العاصة ليشارك فى تأييد ما فعلوه، تدعوا مباشرة إلى أنهم – من قاموا بالثورة، هم الذين سرقوه، ويتضح ذلك من { عاد الشهايبى من العاصمة فى منتصف الليل يلعن الثورة، ومافعلته بالناس}. إضافة إلى {منذ أن قامت الثورة ، وخرج الإنجليز، ولسر الهوى مقعد فى البرلمان، أول من احتله كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة، وكل أربع سنوات يجد نفسه مضطرا للمرور على القرى، كى يذكر أهلها بنفسه، ولابد أن يصحبه فى مروره رجل ممن يعرفهم، لذا لم يصلح للمهمة غير “الشهايبى” وتاجر القطن الذى أصبح بعد النكسة نائبا عن الدائرة، ثم ورث المقعد من بعده سكرتيره، وصديق الشهايبى، الذى تئن تحت قدميه أرض البرلمان}ص131. الأمر الذى يوضح أن الثورة التى نادت بالديمقراطية، لم تف بوعدها. واتضحت الأمور، فبعد زراعة القطن جاء أوان زراعة الذرة ، لكن المياه جفت ن وتساءل الشهايبى، ومعه الفلاحون جميعا الذين لم يهنأوا بما وزع عليهم من أرض {وسرت شائعة بأن واحدا من ضباط الثورة يمتلك عزبة فى نهاية الرياح، وأنه حَّرمْ الماء على كل القرى إلى أن ترتوى أرضه أولا، أطلق الجميع خياله ، وتحدثوا عن وصف العزبة ومساحتها والمسافة التى يجرى فيها الرياح كى يصل إليها، كلما مر يوم من الظمأ، رأوا اعواد الذرة تموت أمامهم}ص183.
وطلب العمدة النجدة من المركز، وجاءت الشرطة ببنادقهم، فتجمع الفلاحون، وألقوا بالبنادق فى الرياح، وأصبحوا فى مواجهة الحكومة. وزاد الأمر أن القرى المجاورة خرجت برجالها لمعونة “سر الهوى” فى الحرب على الحكومة. وانتشر الخبر{ فأوقف راديو إسرائيل برامجه، ليعلن أن قرية استقلت عن الزعيم، فأمرالزعيم بإزالة هذه القرية من على الخريطة}ص185.
وبعد تدخل الباشا لدى الزعيم، أمر بوقف الدبابات التى جاءت لتزيل القرية، {لكن الشرطة استباحت البلد أربعين يوما، فقد أعلنت حظر التجوال من الخامسة مساء إلى الخامسة صباحا، ومن يخرج من بيته يُصبه الرصاص}ص186. وكشف الشهايبى ساقه حيث تركت إحدى الرصاصات تجويفا كبيرا فيها.
وبعد ذلك حدث العدوان الثلاثى، حيث أوى “عازر” الشهابيى عندما هدده رجال البحطيطى، وعشمه أن أمواله ستشترى مخزنا خاصا به، ولكن “عازر” إختفى بعد أن باع المخزن خاصته لتاجر آخر، وبعدها {امم ناصرالقناة، وأعلنت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا الحرب على مصر. شنوا غارات عنيفة على السويس والإسماعيلية وبور سعيد، تلك المدن التى أمضى فيها الشهايبى خمس سنوات من عمره فى حراستها}ص100.
كما تكشف الرواية جانبا آخر من الفساد الذى تَسيد الموقف، بعد الثورة-المباركة- ، حيث تمثل ذلك فى كيف صنع التقرب من المسئولين الوصول إلى ما لم يكونوا يحلمون به، حيث جرى ذلك فى الامتداد الثالث(عهد مبارك). {أمضى عمر الليل مع أصدقلئه القدامى، جلسة اعتاد على حضورها كلما عاد إلى “سر الهوى”. يرونه ممثلهم فى العاصمة وينادونه بالسيد النائب وتارة برئس التحرير. يتعاملون معه كواحد من نجوم المجتمع. فبعد الثورة تغيرت الأحوال. وظهر عمر كنجم فى السماء. مدركا كيف يخفى علاقته بزعيم الحزب الحاكم الذى تهتز الأرض من فرط وزنه. هذا الذى نقل عمر من “سر الهوى” إلى عالم الصحافة والسياسة ، ثم سقط فجأة صراع الصقور والحمائم. والصقر الذى انقض عليه من أبناء محافظته، لكنه من دائرة بعيدة، جاء ممثلا لعالم أخذ فى التكوين. عالم الساسة والموظفين الداعمين لنجل الرئيس، لكن أحدا لا يعرف فى أى دائرة ترعرت هذه الصقور، فقد هبط بأموال تشبه خزائن قارون على المدينة بمناصبهم فحصلوا على أراض فى مكان، وباعوا للناس الهواء وربحوا فيه وتحولت أعمدة النظام تحت مخالبهم إلى حمائم تستحق الرثاء}64. ولذلك قامت ثورة يناير، التى أيضا لم يفصح عنها الكاتب مباشرة، وإنما تتبين الحقائق من التلميح بها، دون التصريح، لتكشف كيف أن الأمور اصبحت ممتدة، رغم تغير الوجوه {أدرك شباب “سر الهوى” أن هذه فرصتهم للخلاص من الوباء فطردوهم وحرقوا بيوتهم، لكن الثورة نُكبت ، وعاد الذين دخلوا السجن إلى مناصبهم، وبات على الجميع أن يعتذر للذين طردوا، فكيف يمكن اقتلاع الفساد من بيئة صالحة له؟}ص65.
التقنية الروائية
اعتمدت الرواية على الشخصيات، وما ترمز إليه، سعيا نحو الامتداد التى سرى من قيام الثورة، محملة إياها عبئ كل الانكسارات الى منى بها الإنسان المصرى، حتى أنها لم تختلف كثيرا عن ما قبلها، وكأننا أمام استبدال أشحاص بآخرين، ليصبح الإنسان المصرى فريسة لأطماع السطلة، و شهوة المال.
وقداستطاع الكاتب أن ينسج الجانبان معا، فى ضفيرة واحدة، بصورة كأنها منقولة من الحياة الفعلية، فكانت للتصديق والمعايشة أقرب منه إلى خيال مؤلف، أو رؤية كاتب.
وكان من الطبيعى أن يحمل “الشهايبى” عبئ العمل بكامله. أو يكون هو حمال الهموم.. كل الهموم التى تعرض لها الإنسان المصرى، منذ أن شاهد حفر القناة، وذهب إلى العاصمة ليحتفل بما فعله الجيش فى 1952، وكانت البداية سرقته، وهو الذى شهد العدوان الثلاثى، وهو الذى شهد أحداث النكسة، وهو الذى شهد ما فعله رجالات الثورة، واستيلائهم على كل شئ، بما فيها الأرض والماء، وهو الذى شهد 25 يناير 2011، وهو الذى شهد انتكاستها. وكل هذه كانت رزايا تحملها “الشهايبى” . وعبر عنها الكتب بما ناله من جحود الأبناء، ومعاملاتهم السيئة ، وأمنياتهم بموته حتى يرثوا. أما الإنسان الذى أتى بكل هذه الثروات -المخبوءة والمدفونة فى قاع دواليبه، فلم يعد لهم به حاجة.
كما أن الكاتب نجح إلى حد كبير فى جعل الشهابى، رجل( فحل) فى معاركه النسائية، وهى الصفة التى يتصورها الإنسان أنها رمز للرجولة، ومهد لذلك بجعله من الناحية الجسدية ، محط أنظار النساء جميعا، سواء فى القرية أو خارجها ، فوقعت فى غرامه أم الفرح ونادية ، ونجمة وهند والكاوية وإنعام والمعلمة نوال وزبيدة, كما خطرت على باله “عزة”، تلك التى كانت إنثى تثير الرجال، لكنها أفنت ثلاثة من الرجال، فتراجع عنها. وعلم بذلك ابنه “حمدان” الذى حاول قتله من قبل، رغم ما لديه من أموال، ومبانى يؤجرها، ورغم أن “الشهايبى” شقى به صغيرا، ففى محاولة للصلح(الظاهرى) اتفق مع “عزة” على الزواج من “الشهايبى” بأجر مدفوع، علها تفعل ما لم يستطع الزمن فعله، أن تقتله.أو تكون النهاية على يديها، وبالفعل، ينتشر الخبر فى (الصباحية) بأن الشهابى مات، لكن مصر لم ولن تموت أبدا. فاختفت الجثة، ولا أحد يعلم، هل مات بالفعل ، فأين الجثة، أم أنه رفع للسماء؟ فكانت النهاية المفتوحة، والموحية، بان مصر لن تموت.
كما أن هناك إشارة تكاد تكون عابرة، ولكنها تكررت كثيرا، وهى تناول “الشهايبى” لحبة الضغط. فكان لزاما أمام كل هذه المصائب التى حلت بمصر، أن يتناول “الشهايبى حبة الضغط.
إلى جانب أن اختيار الكاتب للإسم، كان موفقا لحد كبير، يتفق مع النهاية-حيث إختفاء الجثة- . فالاسم مستمد، ومنسوب للشهاب، وهو الجسم السماوى القادم من السماء، وهو جسم لامع،يخطف الأبصار. ف”الشهابى” كان لامعا، ومحط أنظار الجميع- وتلك كانت مصر- وأتى من السماء، ثم فى بيئة قروية، يسود فيها الجن والعفاريت، يمكن التصديق بأن الجثة صعدت إلى السماء.
كما يمكن ملاحظة أن الشهايبى، وضع كل اهتمامه بزوجة الحفيد “هند”. فبعد أن فقد الثقة فى كل أبنائه (الطامعين) فى الميراث، اتجه إلى الحفيدة، التى أولته كل إهتمامها، كما أعطاها كل اهتمامه، وكأنه بيحث عن من يتولى المهمة بعده، وبعد أن عجز أن يجد من بين الرجال، من يصلح للمهمة. وقد اختارها الكاتب (إمرأة) وكأن “الشهايبى” فقد الأمل فى كل الرجال، الذين لم يعودوا رجالا، وقد انساق كل منهم، وراء زوجته، وتركوا جميعا البيت خاويا، ليصبح “الشهايبى” فى سنه الكبير، وحيدا متوحدا، لا أحد يسأل إن كان قد تعشى، أم لا؟ وإن كان لديه عشاء ، أم لا؟. ولم يعد فى وعيهم غير الميراث. إلى أن يأتى”عمر” له سرا، بعد أن علم بالوفاة، يأتى ب”زيبدة”، التى تشبه “الشهايبى” فى الكثير من الصفات، زبيدة التى {وربما أحبت الشهايبى لكنه زرع فيها محبة الحياة، وأنقذها من الوحدة والرغبة فى قتل نفسها، فمد يده ورفعها من تلك البئر المظلمة}. أحضرها “عمر” خفية بعد موت الشهايبى، وخلعت ملابسها، ورقصت له .. وظنت أنه استرد الحياة، وقد تأكد له أنها أكثر امرأة عشقت هذا العجوز. وتبخرت جثة الشهايبى، ولم يجدوا لها أثرا. فزيبدة، التى حلم أن يتزوجها لحبها للحياة، كما أحب هو الحياة، رقصت له، وشعرت أن جسده يسترد الحياة، ويعود إليه الدفئ من جديد.
وصفة لازمت “الشهايبى” ايضا ، وهى البكاء، وعلى الرغم من أن هذا يتفق مع طبيعة الرجل كبير السن، وشعوره بما يدور حوله، وهو الذى فقد القدرة على أن يثق فى كل ما تضمره زوجات أبنائه، فهى أيضا تشير إلى الجانب العاطفى فى شخصية “الشهايبى”. بل إلى الجانب الخفى فى مصر، الأم التى لم تفقد إنسانيتها.
وإذا كان الكاتب قد أحاط بالشهايبى، بالكثير من العناية، وصولا لما يسعى إليه من وراء الرواية، فإنه لم يغفل_ايضا- الكثير من الأبناء، الذين يمثلون عناصر المجتمع المصرى. ولنأخذ على سبيل المثال اثنين منهم:
عمرالذى ترشح للبرلمان، وسقط. وتعلم أن يقفز من السفينة عندما يشعر بالغرق. وهو القائل { لذا ما أن رأى الموج فى صالحه حتى قرر النجاة. ووضع يده فى يد خصومه، قائلا لنفسه إن أكن واحدا من رجال النظام الجديد أفضل من أن لا أكون مطلقا}ص129. وكان عند رئيس التحرير، حين وصله نبأ وفاة الشهايبى، فسعى إلى زيبدة سرا، وأتى بها إلى والده، وكأنه يسعى لتحقيق أمنية والده، بعد أن فارق الحياة، وتحقق له ما يُضمر.
وحمدان الذى تهجم على والده الشهايبى، قاصدا قتله، وهو الذى لديه الكثير من الأموال والمبانى، ولكنه يدعى الفقر.. فى إشارة تفيد عن القراءة المباشرة، فى أنه الطمع، والبحث عن إرثه من أبيه، ورغم أن والده “الشهايبى” منحه نصيبا من المال، ليعمل بالتجارة، ولكنه فشل. وفى الرؤية السياسية.. فى أن الجشعين والطماعين هم من يحاول قتل الدولة.
وغيرهما من الأبناء الذىين سعوا للميراث بالدرجة الأولى، بعد أن خضعوا لرغبات زوجاتهم.
إضافة إلى اختيار الأسماء للكثير من النساء الذين عرفهم، مثل “أم الفرح” التى كان يتسرب إليها فى الليل، حتى ثارت نسوة أولاده فى الإتهام بما يمكن أن يدور بينهما، رغم أن “الشهايبى” كان يسعى لها، لأنها تُدخل على نفسه السرور، والفرح، بإحساسه بأنه يُوفى بالندر لزوجها -صديقه- الذى أوصاه بها قبل أن يموت. أى ان الفرح هنا كان لإحساسه بأنه أوفى الوعد. وهى صفة تضاف إلى صفاته التى سعى الكاتب لتعديدها، فكانت “أم الفرح”.
ومن الضربات التى تعرض لها “الشهايبى” تلك اليهودية التى ذاق معها الحياة فى المخزن {{أمضى الشهايبى ستة أشهر مع “استير” . لم ير أن هنالك امرأة أفضل منها، حتى فاطمة التى عشقها، ورفض من أجلها الذهاب مع الإنجليز إلى بلادهم، كانت “استير” متوهجة إلى حد كبير، حتى إنها جعلت الشهايبى يعيد اكتشاف الحياة من جديد معها. وكان “عازر”- أخوها- متسامحا ، شرط ألا ترحل فتجارته بدونها ستنهار. لكن الأيام الجميلة لا تدوم فسرعان ما فاجأت “إستير” الجميع باختفائها، يحثوا عنها فى كل مكان، لم يجدوا غير كلمات بخط كبير تركتها للشهايبى على ورقة الشاى فى المخزن، قالت إنها أحبته أكثرمن نفسها، لكن الوطن الموعود يناديها ، وليس أمامها سوى أن تلبى نداءه}ص57، 58. وليوضح الكاتب فيها كم هم اليهود يسعون لإقامة الوطن الموعود فى فلسطين، حتى أنها فضلته على حبها الكبير، والذى فاق حبها لنفسها.
ومن الضربات التى تعرض لها -أيضا- الشهايبى- من زوجة الأب التى كادت له، لمجرد أنه سيترك العمل لديها، “الجزيرية”، حيث أرغمت زوجها على كتابة كل ما لديه لأبنها “اسماعيل”. تكره “الشهايبى”، وكادت له كى يذهب إلى الجهادية، حيث رفض أن يواصل العمل فى مزرعتها، وحذرت “المزين” -زوجها-من مجئ “الشهايبى” لأخذ امرأته “فاطمة” بعد أن أخذها إلى بيته عندما ذهب الشهايبى إلى ناصر لتكريمه كفدائى بعد رحيل قوات العدوان الثلاثى.
ونأتى إلى العنوان “سر الهوى” الذى أخفاه الكاتب طوال الرواية، وإن كان قد أشار فى موضع من الرواية، بأنه اسم القرية التى أصبحت تسمى بذلك الإسم، عندما اتسعت القرية وتم تقسيمها، وأصبحت مركزا انتخابيا، مثلما فعل نجيب محفوظ، عندما سمى رواياته بأسماء الأماكن، إلا اننا لانستطيع الوقف أمام تلك التسمية فقط، حيث يثور التسائل، أ “سر الهوى”، هو ما خبأه “الشهايبى” فى باطنه، عن علاقاته النسائية؟ أم ان سر الهوى يشير إلى ما خبأه من أموال وميراث عن أبنائه، سعيا منه إلى ان يعتمدوا على أنفسهم؟. المهم أن الكاتب خبأ السر الحقيقى، الذى ترك للقارئ أن يتصوره، هو، ويساهم بذلك فى إشراك القارئ فى ملئ الفراغات الكثيرة التى تركها، ليرغم القارئ على إعمال فكره، وتصوراته، بما ييدور حوله، وفى واقعه، لتصبح الرواية صالحة لأن تكون التاريخ المسكوت عنه.
الأمر الذى نستطيع معه القول بأن صبحى موسى، قد خطا بهذه الرواية “سر الهوى”، خطوات واسعة للأمام، فمزج، بطريقة غير محسوسة، ولكنها مضفرة بطريقة سلسة، بين الهم الخاص، الذى يعبر عن شريحة من المجتمع، هى القرية، ولكنه صعد بها إلى التاريخ المعاصر لمصر كلها، متكأ على إشارات دالة، وإن لم يفصح فيها عن التواريخ، أو المناسبات، التى كانت، ولكنه ضمنها ضمن ذكريات أحد رموز القرية، وكأنها العلاقة الوثيقة بين الحالتين، وإن كانت هذه هى الحقيقة. والتى تدفع القارئ للبحث عن هوية مصر، مصر الت ماتت، أو شُبه للناس أنها ماتت. ولكنها أبدا لن تموت، وسيظل الأحفاد يبحثون عنها.
…………………………..
[1] – صبحى موسى- سر الهوى – صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات- 2025.













