محمد المسعودي
يعود الروائي المصري أحمد صبري أبو الفتوح في رواية “أجندة سيد الأهل” إلى لحظة قريبة من التاريخ المصري المعاصر ليبني عوالم روايته، ويشكل رؤيته لما جرى فيما أطلق عليه “الربيع العربي” وما سماه البعض بثورة التحرير، أو ثورة يناير 2011، من أفق سردي انشغل بملابسات الأحداث التي جرت حينها وما اكتنفها من وقائع وما آلت إليه من مسارات وما ارتبط بها من مصائر. وقد اتخذ الروائي من عينات اجتماعية مختلفة: متنفذة (تنتمي إلى السلطة وغيرها من قطاعات تمنحها السلطة والنفوذ)، وشخصيات شعبية (تنتمي لفئات متوسطة أو هامشية) أفقا لبناء سرديته، وتقديم تمثيله عن هذه “الثورة” ومآلاتها، وتصوير آثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية على شخصياته التي اختارها بدقة وعناية لتشكيل متخيل نصه.
فما تجليات البناء الدرامي في الرواية؟ وكيف يصور الروائي “ثورة” يناير؟ وكيف يتم تمثيل أبعادها ومآلاتها؟ وما الآثار التي خلفته على شخصيات الرواية؟ وما مصائر هذه الشخصيات؟ وما الرؤية التي يقدمها الروائي في شهادته الإبداعية عن هذه اللحظة التاريخية التي مر بها المجتمع المصري؟
انطلاقا من هذه الأسئلة سنتعامل مع النص الدال والمتميز لأحمد صبري أبو الفتوح الذي يعد من أهم النصوص الروائية التي تناولت الحدث في إبان حدوثه، (صدرت الرواية سنة 2012)، وقدم رؤية دقيقة لما جرى ويجري في دهاليز السلطة، وما يطبخ في خلفية المؤسسات التي يبدو ظاهرها في شكل براق بينما واقعها الخفي كله فساد وظلم واستبداد.
مما لا شك فيه أن الحكاية في هذه الرواية ليست حكاية رفاعة سيد الأهل، فحسب، وإنما هي حكايات شخصيات عديدة حفلت بها الرواية، ومثلت واقع ما جرى وكان يجري من خلال متخيل سردي كان البناء الدرامي قوامه ومحوره. وتركز الرواية، طبعا، على رصد حركة وفعل شخصيتها المحورية، ثم الشخصيات التي ارتبطت به، وتقاطعت مصائرها مع مصيره. وهكذا نرى هذا البناء الدرامي يتشكل من خلال حدث “الثورة” (المغدورة)، التي تبدو في خلفية الرواية باعتبارها الحدث المركزي من جهة، كما نراه يتشكل من خلال حكايات شخصيات الرواية جميعها، من جهة أخرى، وهي تتفاعل مع الحياة وتصارعها، وخاصة الشخصيات التي عايشت لحظة قيام حركة التمرد والعصيان وخروج الناس إلى الشوارع، وما عرفته ميادين مصر سنة 2011 من حراك “ثوري”، وما ارتبط به من وقائع وحوادث.
بالنسبة إلى رفاعة سيد الأهل تبدأ مأساته مع وفاة الأب صابر متأثرا بمرض في الكبد أودى به في ظرف وجيز ليترك أسرته: زوجته (نوال السروي) وأطفاله الثلاثة: رفاعة وشهدي ودرية في مهب الريح، ولولا كفاح زوجه نوال، واضطرار رفاعة للعمل لما كسبت الأسرة ما يسد رمقها. من هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة ستتشكل شخصية عرفة من أفق جديد بعدما تخلى عن دراسته الجامعية ليدخل نفق بيع المخدرات، ثم ليصير نزيل أقسام البوليس، وضحية من ضحايا الفساد السياسي والإداري (مؤسسات السلطة القمعية بمختلف أطيافها: البرلمان والقضاء والأمن.. وغيرها). ومن رحم المعاناة داخل هذه المؤسسات ستنبت في أعماق رفاعة بذرة الكراهية والرغبة في الانتقام، ومن ثم تتشكل كينونة هذه الشخصية التي لا تخلو من عنف وتوق إلى إذاية من سبب في تدمير نفسيتها والوقوف في طريق مساعدة أسرتها، وتحقيق ذاتها. وتتصاعد درامية هذه الشخصية شيئا فشيئا لتوازي الأسبوع الأول من حدث “ثورة” يناير وتكتمل المأساة مع “موقعة الجمل” الشهيرة، لتكون نهاية الصراع الدرامي الذي خاض غماره رفاعة. وهو صراع خاضه على أكثر من واجهة، وتجلى في:
-صراعه من أجل كسب قوته وكسب ما يجنب أمه وأخويه شهدي ودرية سوء المصير.
-صراعه مع الفتوات داخل قسم الشرطة ثم خارجه، وخاصة تايسون وتيمور وسيد القشاش..
-صراعه مع من عدهم غرماؤه ومارسوا عليه الظلم: صفوت بيومي وعاصم الإمام ومجدي الحسيني وعبد العزيز القاياتي وأبو داوود الجهيني.. وغيرهم من رموز الفساد السياسي والسلطوي والديني.
وعبر خوض مهامه المعاناة في أكثر من جهة ستنتهي شخصية رفاعة إلى مصيرها المتوقع لتكتمل المأساة، وبانتهاء حياة هذه الشخصية تنتهي الرواية والحكاية ذاتها، وكأن الرواية تؤكد أن “الثورة” فشلت، وأن البلطجة المتحالفة مع الفساد في مختلف مواقعه قد كانت الأداة الفعالة في وئد كل إمكان للتغيير وتجديد حياة الناس وبنائها على أسس العدل والصلاح. وهنا يمكننا أن نتساءل: هل الروائي، وقد أنهى حياة رفاعة قتيلا أراد أن يبين أن العنف المضاد لا يمكن أن يهزم العنف المؤسَّس، وأن الخلاص لن يكون بوساطة توظيف نفس آليات تفكير السلطة، ألا وهي ممارسة العنف؟ وأن العمل “الثوري” السلمي قد يؤدي إلى نتيجة ما؟ (انظر حول تحليل هذا الجانب كتاب: ظاهرة العنف في الخطاب الروائي العربي لعزت عمر، منشورات مجلة دبي، ع. 118، ديسمبر 2014، ص. 47)
ربما كانت هذه الرسالة هي المغزى الذي أراده الروائي، والذي يمكن أن نستشفه من قراءة الرواية، ومن تطور أحداثها، ومن تأمل مصير شخصيتها المحورية، وهو التأويل الذي ننتهي إليه، ونحن نتتبع خيوط تشكل البناء الدرامي في النص. غير أن الرواية تترك فسحة للأمل من خلال استمرار فعل شخصيات أخرى واصلت المقاومة، ومضت في طريق “الثورة” مصرة على مواجهة الفساد، والصراع من أجل تحقيق مطالب “الثوار” وتطلعات الشعب، وخاصة شهدي وزملاءه الذين مضوا في طريق الاحتجاج السلمي والاعتصام في شوارع المدن.
ولا تكتمل درامية الرواية، وهي تصور ملابسات “الثورة” ومآلاتها، إلا بالوقوف على حقائق حياة جميع شخصيات الرواية التي تقاطعت مع شخصية رفاعة سواء في الجامعة أو أماكن عمله أو داخل أقسام الشرطة، وعبر رصد الروائي لماضي هذه الشخصيات وتحليل نفسياتها وطبائعها وتحديد أوضاعها الاجتماعية يكشف عن درامية هذه الشخصيات وجوهر اختلالها الروحي والوجداني، واضطرابها الاجتماعي واهتزاز قيمها، ومن ثم فقدها البوصلة، سواء أكانت هذه الشخصية تنتمي إلى طبقات المجتمع المتنفذة، أو كانت تنتمي إلى الفئات المهمشة والمسحوقة. وهكذا يبين السارد الخلفية المأساوية لهذه الشخصيات التي تصارع قدرها، وتصارع شرطها الاجتماعي التي وجدت نفسها أسيرة له، كل واحدة منها حسب ظروفها وسياقات تربيتها وتعلمها.
والمتتبع لمنشأ كل شخصية من شخصيات الرواية يلفي أن هناك عقدة ما معلنة أو مضمرة كانت وراء انحرافها إما نحو الإجرام والبلطجة أو ميلها إلى الفساد والظلم والاستبداد، وعبر إمعان السارد في تصوير جذور فساد بعض شخصيات رجال السلطة والقضاء والسياسة والدين، التي انتقلت إليهم بالوراثة أو بسبب التربية السلبية الفاسدة يكشف عن مدى درامية الواقع الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة من خلال تصوير نماذجه المصرية. ونفس الأمر يصدق على نماذجه الأخرى التي انتقاها من الفئات الشعبية الفقيرة والهامشية التي لا تسلم بدورها من نشأة مختلة ومن ظروف فاسدة خلت من القيم ومن كل ما يحفظ كرامة الإنسان، مما يجعل الفساد يشمل المجتمع برمته، ومما يجعل المأساة حالة ممتدة في مختلف الطبقات. وبهذا التصوير الدقيق لآفات المجتمع يضع السارد يده على مكمن الداء في فشل الثورة، ومن ثم غموض مآلاتها وانتهائها إلى أفق مسدود، أو شبه مسدود.
نقف في المشهد الآتي من الرواية عند لمحات هامة تصور لنا شخصية محورية من شخصيات الرواية اضطلعت بأدوار خطيرة في مسار أحداث “الثورة” وكانت عنصرا فعالا من عناصر وأد آمال المجتمع المتطلع إلى الكرامة والعدل والحرية، وهي شخصية الرائد مجدي الحسيني التي تعد من بين الرموز الفاسدة في السلطة والأمن، والتي أدت دورا فعالا في حياة رفاعة سيد الأهل وتحول مسار حياته نحو البلطجة والعنف، يقول السارد:
“.. يد الضابط تدعوهم للخروج:
-البلد قدامكم.
أيصدق تايسون؟!!، يتساءلون، يواصل الضابط:
-من غير ولا عسكري واحد، ولا حتى غفير، أما نشوف هاتعملوا إيه؟
يصمت قليلا ثم يعود للحديث، كأنما يرقب أثر الكلمات على وجوههم:
-هاتخربوها، عارف، مش هاتسيبو طوبة على طوبة، معلوم، ولا باب مقفول يستر أهله، معلوم برضه، ولا عربية راكنة ف شارع، هارش، ولا محل فيه حتة بضاعة، واكل، ولا واحد من الشعب ابن الوسخة آمن على نفسه، كده نبقى دخلنا في الجد.
يستحثهم على الإسراع:
-المولات اللي عمر أبوكم ما دخلها، ولا هايدخلها، هاتدخلوها، المحلات المليانة بضايع ودهب وحاجات تطير العقل، هاتنهبوها، البنات اللي تحل من على المشانق، موامس كفاية و6 إبريل ومحاسيب البرادعي اللي مستنيين الركيبة، هاتركبوهم.
لا يصدقون أنه سيتركهم يخرجون، يظنون أنه سيطلق عليهم النار، ثم يدعي أنهم كانوا يفرون، رفاعة الوحيد الذي يدرك أن شيئا ما في حديث الضابط حقيقي(..) ويواصل الضابط حديثه:
-في الشوارع مصالح كبيرة أوي، وفي ميدان التحرير مصالح أكبر، تطير العقول، الحتة أد كده، ويشير إلى طول ذراعه:
-تتباع بالملايين.
وإذ يراهم يواصلون الانكماش والاحتماء من الكلمات بالتراجع يصرخ:
-يالا يا ابن الشرموطة منك له.
يترك الباب مفتوحا عن آخره ويستدير، ويأتيهم صوته وهو يقفز السلمات منغما:
-إفرااااااااااااااااج يا زبالة.”. (الرواية، ص. 93- 95)
هكذا يكشف المقطع عن خسة ونذالة الرائد مجدي الحسيني الذي يحرض البلطجية بشكل سافر على ممارسة العنف والاغتصاب والسرقة وممارسة كل الرذائل ضد المجتمع الذي من المفروض أن يحميه ويدافع عنه، بل نرى السارد يصور مدى حقد هذا الرائد على مجتمعه وشعبه الذي ينعته بالوساخة، ومدى كرهه للمناضلين من كفاية و6 إبريل وأتباع البرادعي الذين ينعتهم بالمومسات واللواطيين. وبهذه الكيفية يجلي السارد مدى العلل التي تخترم عقل هذه الشخصية السلطوية، ومن ثم تجعل منها نموذجا للاستبداد والتسلط والعنف. ومن هنا نرى كيف أسهمت هذه الشخصية في مواجهة “الثورة” وتحويل مسارها عن الطريق الصحيح، وعن النجاح إلى الفشل، أو الدخول في أفق غامض.
وقد وقف السارد، أيضا، عند باقي الشخصيات الفاسدة والمنتمية إلى الهياكل السياسية (البرلمان) والسلطوية (الأمن والقضاء..) والدينية وكيفية تكتلها من أجل الحفاظ على مكاسبها والوقوف في وجه “الثورة” ومطالب الشعب والمجتمع. وبذلك استطاعت الرواية أن تقدم رؤية بانورامية شاملة عن مكمن الخلل وسر الأعطاب التي استشرت في المجتمع وساهمت في وأد تطلعه إلى التحرر من الفساد والمفسدين.
انطلاقا من كل ما سبق يمكن القول إن البناء الدرامي للرواية في استناده إلى رصد شخصيات الرواية تمكن من تصوير مجريات أحداث ثورة يناير، كما استطاع أن يقدم تمثيلا سرديا محكما لما جرى ولما آلت إليه تلك الثورة وما انتهت إليه مصائر أهم الشخصيات الفاعلة في هذه الأحداث، وليقدم، بذلك، رؤية فنية عميقة الدلالة وشهادة صادقة عن سيرورة الوقائع وتحول مآلاتها بفعل سيطرة آليات الفساد واستشرائها في كل شرايين الحياة وفي أهم المؤسسات الحيوية في الدولة والمجتمع. وبهذا تعد هذه الرواية صرخة احتجاج في وجه الاستبداد وتغوله في الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد العربية وحؤوله دون كل رغبة في التحرر والتطور والتقدم.
……………………….
*أحمد صبري أبو الفتوح، أجندة سيد الأهل، دار العين، القاهرة، ط. 1، 2012.
















