بين النور و النار.. أعمال أمل دنقل المجهولة

أمل دنقل
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

دائماً وأبداً، يظل الشاعر المصري “أمل دنقل” في دائرة البحث والاهتمام والتقدير بعد أن نجح فنه في اختبار الزمن القاسي وضمنت قصائده الخلود في قلوب قرائه ومحبيه من الأجيال المختلفة والمتواترة خاصة بعد قر وارتبط درسه الفني والجمالي والإنساني القابض على قيم التحرر والنهوض والمحرض على الثورة والنضال نحو النور، في أدبيات الحالات الثورية المرشحة للنبض في كل وقت ومكان، وكذلك فيما يخص الدرس النقدي والأكاديمي الذي يجدد طول الوقت الاهتمام بنصه الموار القابل لدرس الكثير من القضايا والرؤى الفنية القابلة دوماً لإثارة الأسئلة وفتح السبل الجمالية و الرؤيوية للمزيد من مناطق التمايزات الفنية الذي يعد بها هذا النص الثري المكتنز بالعلامات والإشارات والاقتراحات.. وطول الوقت كان من الطبيعي أن تتسع وتتفرع دوائر الاهتمام بالكتاب والفنانين والشخصيات العظيمة وتمتد لكل ما يخص عوالمهم الفنية وكذلك الشخصية وذلك بعد أن تتكفل الدورات الزمنية والتحولات السياسية والحضارية والثقافية في تحويل الحقيقي الأصيل منهم من حالة المبدع إلى الحالة الأيقونية التي لا تكف عن نشر ألقها طول الوقت وبأشكال ومسارات متباينة ومتعددة وطموحة.. وهو ما ينطبق بامتياز على حالة الشاعر المصري الكبير.. من هنا ظل الواقع الأدبي متابعاً لحالات المفاجأة المرهونة باكتشاف قصيدة مجهولة ولم تنشر قبلاً  لدنقل والجدل الذي يثار حول صدقية نسبها إلى الشاعر وكذا مدى فنيتها وصلاحيتها الجمالية لتناسب نتاجه المعروق والقار في الذائقة ثم سؤال انتمائها إلى أي مرحلة فنية من مراحل الشاعر الإبداعية لينتهي الأمر بأسئلة من قبيل امتناع الشاعر عن نشرها في حياته وهل كان مصراً على ذلك الموقف ومنتهياً إلى قناعة بعد النشر وهل هناك قصائد أخرى تماثلها في حالة الاختفاء ومن يملك تلك القصائد ومن يملك حق نشرها في هذا الوقت بالذات.. وقد نصل لمناقشة كل الاحتمالات الواردة وغير الواردة كأن تكون القصيدة قد فُقدت منه مثلاً ثم وَجَدها لكنَّ الزمن لم يسعفه بإعادة النظر الخ، ليصل بنا الأمر إلى السؤال الأساس والرئيس، هل من حق أحدٍ أياً ما كان، سواء من الورثة الشرعيين أو من الأصدقاء أو من الدوائر الأكاديمية أو المسئولين الثقافيين أو من غيرهم نشر مالم ينشره المبدع في حياته بإصرار واقتناع حتى انتهاء قوس حياته الفيزيقية والإبداعية بالموت، وهل يساهم ذلك النشر الجديد في تغيير ذائقتنا الأدبية نحو الشاعر بعد أن تغيرت حدود صورته وأضيفت لها رتوش أخرى تختلف عن صورتنا الذهنية والفنية التي بنيناها عبر السنوات وهو جدال يقسم القناعات إلى اثنتين، الأولى مع عدم النشر احتراماً لإرادة الكاتب وقناعاته الفنية والأدبية وتجنباً لخلق حالة قد نكون معها بإزاء تصوريْن لكيان إبداعي واحد ومبدعيْن أو كاتبيْن بالتالي وليس مبدعاً أو كاتباً واحداً في أذهان ووعي المتلقين.. والثانية مع وجوب نشر كل ما يخص المبدع ولو كان قد أصر على عدم ضمه لرصيده الإبداعي حتى وفاته، تحرزاً من حالة من القسوة قد يقع فيها المبدعون مع بعض إبداعاتهم فيلقونها جانباً، مرةً خوفاً من طليعيَّتها أو مجاوزتها للسائد أو مخالفتها للمألوف و درءاً بالتالي للقمع والرفض والاستهجان الذي يعطل المبدع أو يضعه تحت حالة حصار تخنق إبداعه، ومرةً لعدم الثقة في نضج الأعمال وهو الذي يؤهلها للنشرفقط.. وهناك من السوابق كثير حيث نشرت أعمال كبيرة وعظيمة بعد وفاة أصحابها وهم الذين أحجموا عن نشرها لأسباب متنوعة ويكفي مثلاً أعمال “كافكا” التي أوصى صديقه “ماكس برود” وهو في حالة اليأس الأخيرة من الحياة، بالتخلص منها بالحرق لكنه، ولحسن حظ الأدب الإنساني كله، لم يفعل.. وجهة النظر هذه ترى أن المبدع بعد انتهاء حياته لم يعد ملكاً لنفسه بل هو ملك للإبداع بصفة عامة وكل شذرة تركها قد تفيد في تبيان مناحي جديدة تخص إبداعه وتلقي الضوء من جديد على خصائص التجربة وتجلو صورته بالتالي أمام التاريخ الفني..نشر الشاعر المصري “محمد أمل فهيم أبو القسَّام محارب دنقل” الشهير ب”أمل دنقل” (23 يونيو عام1940-21 مايو عام 1983) في حياته أربعة دواوين هم: “البكاء بين يَديْ زرقاء اليمامة” عام1969دار “الآداب”، بيروت- “تعليقٌ على ما حدث” 1971دار”العودة”، بيروت- “مقتل القمر”1974 دار “العودة”، بيروت -“العهد الآتي” دار “العودة”، بيروت 1975 ثم صدر له بعد وفاته في العام 1983 ديوانان في مصر هما: “أوراق الغرقة8” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وهو الديوان الذي يحمل قصائده الأخيرة- “أقوال جديدة عن حرب البسوس” عن دار “المستقبل العربي” في نهاية العام وقبيل نشر الأعمال الكاملة، و بهذان الديوانان صرنا محظوظين نحن والشِعر بأننا لم نفقد الأعمال الأخيرة التي راجعها ورضى عنها شاعر كبيرٌ باعتبار أنهما يحملان خلاصة روحه وتمام توهجه وعلى وجه الخصوص ديوان “أوراق الغرفة 8″ الذي ارتقى فيه لذروة انسانية تجعله علامةً ونقشاً في استكناه الألم والموت، والذي يذكر الوسط الأدبي ل”عبلة الرويني” نشرها له بعد أربعين يوماً فقط من وفاة أمل.. وهكذا تم الاتفاق على هذه الأعمال باعتبارها هي مشروع شاعرنا الشعري ولكن عندما نطالع مثلاً الأعمال الكاملة التي أصدرتها دار “مدبولي” بتقديم “د.عبد العزيز المقالح” في ثمانينيات القرن الماضي نجد أنه قد تم ترتيب الدواوين بناء على كتابة أسبقية كتابة القصائد وليس النشر فتم البدء بديوان “مقتل القمر” لأنه يحمل القصائد الأولى التي كتبها الشاعر في مرحلته الرومانسية حتى وإن تأخر في نشره حتى العام1974 نتيجة لتردده وخوفه من نشر قصائد هذه المرحلة، ونجد كذلك أنه قد تم إضافة جزء بعنوان “قصائد متفرقة” ضم قصائد: “إلى قصيدة دمشقية-عشاء-البطاقة السوداء-لا أبكيه- العراف الأعمى-نجمة السراب- أيدوم النهر” وعلى هذا الترتيب اكتملت صورة أعمال أمل لدى القراء والنقاد حتى مع توالي نشر الأعمال الكاملة في مؤسسات الدولة في مصر مثل الهيئة العامة لقصور الثقافة 1998 – المجلس الأعلى للثقافة2013 والطبعتان بتقديم “د. جابر عصفور” أو في المؤسسات الخاصة مثل دار الشروق المصرية ودار العودة اللبنانية وغيرها الكثير والكثير من الطبعات الشرعية والمقرصنة للأعمال الكاملة بطول وعرض البلدان العربية التي تعتبر تجربة الشاعر تجربة فارقة في الشعرية العربية ومن ثم تعده رمزاً ملهماً لا يخفت بريقه.. ورغم كل ما سبق فإنني ما زلتُ أذكر مع غيري جريدة “الشروق” المصرية عندما صدر أحد أعدادها في العام 2010وهو يحمل مقالاً للشاعر “شعبان يوسف” يبشر فيه بقصيدة مجهولة ل”أمل دنقل” في ذكرى ميلاده السبعين وما زلت أذكر حالة الشغف الذي لازمني وأنا أقرأ قصيدة “اعتراف” المنشورة في مجلة الآداب البيروتية في أكتوبر1964 وبدايتها الجاذبة للانتباه:

 إني فعلتها

لقد ذبحت طفلتي

حين تسللتُ إلى غرفتها والليلُ مسبل الجفون

والقصيدة تتناول موضوع جرائم الشرف في صعيد مصر وربما لم يستمر شغفي أو شغف الكثيرين غيري بعد إتمام قراءة القصيدة نظراً لبساطتها الفنية.. كذلك كشف “شعبان يوسف” عن قصيدة أخرى مجهولة لأمل كانت منشورة بمجلة “روز اليوسف” في العام1966عن الاتحاد الاشتراكي. وبعدها في مايو 2011 نشرت الأهرام قصيدة لأمل بعنوان “الشرطي السِري” عن طريق شقيقه “أنس دنقل” الذي عثر عليها في أوراق “أمل دنقل” في مكتبة الوالد بالمنزل بقرية “القلعة” التابعة لمدينة “قفط” بمحافظة “قنا”، وكُتبت عام 1971 ويقول فيها:

الشرطي السري

الآكل لحم أخيه

كي يطعم منه زوجته وبنيه

ويعود ليطبق فمه الدموي

حتى لا يسقط منه فتات الخبز اليومي

وهي القصيدة التي رجح الناقد الراحل “د. جابر عصفور” أنها تنتمي للمرحلة الفنية التي كتبَ فيها أمل مجموعة قصائد ديوانه الشهير “العهد الآتي”. توزع ميراث أمل دنقل بين اثنين هما زوجته الناقدة “عبلة الرويني” التي كثيراً ما أكدت أن ما تركه أمل من قصائد البدايات هو كراسة تحمل ست عشرة قصيدة لا غير كُتبت قبل قصائد ديوان “مقتل القمر” ورفض أمل نشرها، أما الوريث الثاني فهو شقيقه “أنس دنقل” الذي ظل يؤكد دائماً وجود قصائد أخرى لأمل كان قد تركها في قريته قبل هجرته إلى القاهرة و الأسكندرية بالإضافة إلى مسرحية شعرية بعنوان “الخطأ” وأخرى بعنوان “الحاكم بأمر الله”.. و بناءاً على الحوارات المنشورة لكليهما ندرك أنهما ينتميان لوجهتي النظر المتخالفتيْن حول قضية نشر أعمال الكُتَّاب المجهولة بعد وفاتهم، فينما ترى زوجته-التي أصدرت عنه كتاباً من أجمل الكتب العربية وأكثرها عذوبة هو “الجنوبي”- أن هذه الأعمال كانت أمام ناظري الشاعر طوال سنوات طويلة وأنه لو أراد نشرها وضمها لدواوينه لما تردد حيث أنه من أبسط حقوقه نشر ما يرضى عنه فنياً وعدم نشر ما كان يرى أنه قد يسئ لنتاجه ومشروعه من أعمال كان يعتبرها بإصرار ضعيفة فنياً.. بينما يصر شقيقه-الذي أصدر فيما يخص الشاعر الكبير عدة كتب منها على سبيل المثال: “حوارات أمل دنقل” الذي جمع فيه حوارات الشاعر الراحل من الصحف والدوريات الثقافية العربية وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بتقديم “أحمد عبد المعطي حجازي”-على أن إبداع أمل دنقل بعد وفاته الحزينة يُحمِّلنا مسئوليةً كبرى هي عدم إغفال أيٍ من الكتابات المنسوبة له والتي لم تُنْشَر قبلاً سعياً وراء إلقاء مزيد من الأضواء على هذا الإبداع العظيم.. هذا التباين في وجهات النظر ظهر منذ سنوات عندما حاول الشاعر الراحل “رفعت سلام” نشر قصائد أمل الموجودة بحوزة زوجته في إحدى الجرائد الكويتية بعد أن كتب تقديماً لها لكنَّ زوجته أوقفت النشر بعد نشر قصيدتين منهم.. ثم أخذت الأمور في السنوات التالية أبعاداً أخرى لصالح وجهة النظر الثانية التي كان لها مشايعين مثل “د. جابر عصفور” الذي كان يحبذ في حواراته نشر الأعمال المجهولة على أن يكون النشر علمياً وموثَّقاً-حيث نشرت الهيئة المصرية العامة للكتاب في عام2014 كتاباً بعنوان “أمل دنقل..قصائد لم تنشر إعداد وتقديم أنس دنقل” وبعدها في العام 2022 نشَرَ نفس الكاتب كتاباً آخر بعنوان “أمل دنقل..قصائد أولى” حيث حسم الشقيق بإصراره القوي الجدل حول مشروعية نشر قصائد البدايات المبكرة والقصائد المجهولة عند أمل وصارت القصائد متاحة للقراء والنقاد معاً بغية أن تضيف أبعاداً أخرى قد تساهم في تقديم صورة أكثر شمولية لمشروع “أمل دنقل” بعد أن تنضم كلٌ منها لسياقها الزمني ومرحلتها الفنية والجمالية.. في العام 2018 نشرَ الناقد الراحل وصديق “أمل دنقل” المقرَّب “د. جابر عصفور” عن دار “بتَّانة” كتاباً بعنوان “أمل دنقل.. ذكريات ومقالات وصور” بعد أن سبقه في عام 2017كتابه الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عن تجربة دنقل الفنية والذي يحمل عنوان “قصيدة الرفض.. قراءة في شِعر أمل دنقل”.. تضمن كتاب”.. ذكريات ومقالات وصور” رسائل، حيث كتب أمل دنقل ثلاث رسائل منها اثنتان ل”أحمد عبد المعطى حجازي” يطالبه بالعودة إلى مصر، ومقالات، جمعها د.جابر من مجلة “أرواق” اللندنية، وصوراً شخصية.. وبالإضافة لمفاجأة وجود كتابات أخرى ل”أمل دنقل” بخلاف القصائد، وهو أمر لم يكن يعلمه الكثير من الأجيال اللاحقة، فإن الكتاب قدم صورة لشاعر منتمٍ ومهمومٍ بقضايا وإشكاليات وطنه منذ الخمسينيات وحتى ما بعد هزيمة 1967 بل وقدم وجهاً لأمل هو وجه الباحث وليس المبدع المسجون بمركزية وعظمة دور القصيدة حيث أن أحد المقالات كان يتناول موضوعاً شائكاً هو رفض مركزية قريش..

 

مقالات من نفس القسم