أسوار الشمس

علي الدكروري

علي الدكروري

انتفضت الأم واقفة، وقد احمرّ وجهها، وصرخت في وجه ابنتها: ستتزوجين عامر، والأمر انتهى.
كان صوتها مجلجلًا، قفزت القطة البيضاء من النافذة، وارتفع صوت البط في العِشّة المجاورة، وتكوّرت نجوى في ركن الحجرة.

ربما لا تعرف ما الذي سيترتب على الزواج سوى أنها ستترك بيتها الذي عاشت فيه، وبعثرت طفولتها بين أحضانه وهي تضحك، وأيضًا ستترك أمها التي ليس لها سواها.

ولأن القرية تصاحب الحقول، فقد تعلمت منها الصبر والانتظار، لذا لم تُنْتِج القرية في هذا الوقت سوى نبتة غريبة وجميلة:
نجوى التي تحمل ملامح التفاح، ورقة العصافير، وإشراقة الشمس، وكبرياء السنابل، وكلما سارت تتبعها المواويل وتعزف الأمواج.

نجوى التي حاصرتها اللهفة والدهشة من كل جانب، فخافت أمها وقررت أن تزوجها لأول رجل يطرق الباب.

يقولون في الريف إن الرجل لا يعيبه شيء، لا فقره ولا شكله ولا عمره.

التراث كله يقر فكرة أن الرجل هو محور الكون، وعليه وله تقوم الحياة، وهكذا جاء عامر.

يكبرها بسنوات كثيرة، وأسمر اللون، وملامحه غليظة، لكنه طيب القلب، ويقضي يومه كله يقود التوكتوك، ولديه بيت صغير، ولا يعيش معه أحد، وهذا ما رأت الأم أنه مناسب لابنتها.

ليلة الزفاف زحف الناس من كل صوب، ليس لشيء سوى أن يروا الجميلة وهي في قمة زينتها، وينحسرون.

زوجها نفسه لم يكن يصدق ما يحدث، وكان لا يرفع عيناه عنها كأنه يحلم.

لا تظن أن الأمنيات كلها جميلة؛ الأمنية حجرة مغلقة جديدة، لا ترى سوى ألوانها من الخارج وبابها اللامع، لكنك حين تفتح الباب قد تأخذك الصدمة.

الخلافات بدأت سريعًا بين نجوى وعامر، وشجعها على التمرد ضعفه أمامها وحبه الذي لا يقدر أن يخفيه.

تحول التوكتوك الذي لا يملك عامر سواه إلى صحيفة يومية؛ فهو يكتب عليه قصته مع زوجته، وذلك باختيار مقطع من إحدى الأغنيات كل مرة حسب الظروف.

فمثلًا، حين تذهب إلى بيت أمها وتتركه غاضبًا، يكتب على التوكتوك: (بعيد عنك.. حياتي عذاب).

وحين تعود إلى بيتها ويتم الصلح بينهما، يكتب: (هذه ليلتي وحلم حياتي).

وهو عادة لا يشكو ولا يحكي، فقط يكتب ما يريده في صحيفته المتحركة، وعليك أن تفهم الأمر.

ذات صباح بحث عنها في كل مكان فلم يجدها، ولأيام طويلة بحث عنها الفلاحون في كل القرى المجاورة ولم يعثروا عليها.

ثم أخبرهم أحد الشباب الذي يعمل في مدينة بعيدة أنه رآها مع صديق زوجها يعيشان هناك.

لم يتحدث زوجها مع أحد، ولم يهتز، وجمع سكوته في حقيبة كبيرة، ووضعها بين ذراعيه. كل ما فعله أنه كتب في صحيفته: (إنني أعطيت، ما استبقيت شيئًا).

صديقي كان يقول إن الحب عندنا يختلف عنه في المدينة تمامًا، كما تختلف الخضروات وهي تستحم في الحقل عن تلك المعروضة في سوق المدن، وكما تختلف الدقات التي يسمعها كل الفلاحين عن تلك الدقات التي لا يسمعها أحد في ضجيج السيارات والزحام. وقال أخي: القرب لم يترك لنا فرصة لنحب مرتين.

بعد عام كامل عادت نجوى، وقد ظهر عليها الهم والحسرة، وطرقت باب أمها ثم عمها ثم خالتها، فأنكرها الجميع وتبرؤوا منها، وكانت المفاجأة حين أمسك زوجها يدها واصطحبها لبيته ولم يعقب.

في الصباح جعل (المانشيت) الرئيسي الذي يتصدر العدد الجديد: (ما أحلى الرجوع إليه).

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع