قبل الثلاثين علي إصلاح بعض الأشياء

صفاء أحمد*

وأنا إذ أصحو من نوم طويل أتحسس القلب مترقبا متفاجئا برتابة الخفقان، أخشي عليه من الملل وأرجوه طويلا ألا يكف فيفاجئني وجهي في المرآة البعيدة يبتسم.

تقويم هذا العام من صفحة واحدة، فأنا قد مللت تمزيق الأوراق وبعثرة الصباحات تلو الصباحات، منتصف العام قد جاء، يوم متوار وسط الأيام ومن يهتم، (ثلاثون عاما وفي القلب وهم، وفي الغيب سهم، وفي النبع ماء).

أفتقد الطفل الذي كنته، وهل كنت يوما من الحزن خال، فلدي هنا في الروح ركن لا يعرف أن الصيف مر وتبعه ثلاثون صيفا، واليوم أفتح باب الروح لألتقيه، كصديق قديم ألتقيه، تجاعيد الروح تصنع بابا وخيوطا من مشيب باكر، تغزل الأقفال وأنا الصافي هناك أرتكن علي حائط من ضحكات وردية ودمي محشوة وبعض القبلات.

أنا النقي يدعوني لمجلس شعر وبعض القهوة.

عبير القهوة المصنوعة علي مهل ينسج خيوط الشعر من حولي ستار ويغريني كحديقة أندلسية علي سهل فتسيل الأبيات كرقيق الأمطار، هنا كان أبي يعلمني أول دروس الواقعية وفي الركن تهمس لي أمي انني أملك أجنحة صغار.

علي هذه الأرض ما يستحق الحياة

سأطعم القط الجائع أبدا، وربما سمحت له بالدخول، وسادات الأرائك تفتقد الدفء، ولازلت أملك منه البعض، ترحب بخمشاته الرقيقة وتحتفي بناعم الفراء، أتكور علي ذاتي مثله مقلدا هذا الهرير متظاهرا بالرضا فيقاطعني متململا ان الوقت للحرية قد حان، أفتح بابي مضطرا، وأراقبه يرحل في كبرياء تاركا فراء رماديا وبعضا من دفء وبعض البريق

(هنيئا لمن علموا الأبجدية

كيف تضيف إلي الحاء باء)

سأمر تحت شرفتك كل مساء، أراقب الصغير يلهو بطائرة ورقية لابد أنك من صنعتها، فمن غيرك يمزج الأصفر بالأزرق، ويزين حواف الأوراق بقرنفلات وردية، سينتبه الطفل إلي وربما يلوح بأصابع طويلة أكسبه النحول رقه كسنبلة قمح متمايلة وربما لمحت هالتك في الخلفية، كخيوط شمس تصنع مدارا من ذهب تدور فيه السنبلات.

أنقر بالخطوة لحنا علمته لي يوما، فأقلد همهمات القط وخمشاته علي وتر وهمي، هل علمته اللحن من قبلي أم أنها ترنيمة يعرفها كل الأبرياء، خفقات قلبي تضطرب تعلو فأرفع يدي ألمس حدود الغماز لتخفت الهمهمات، وأدور منتشيا عشرات المرات.

ربما ستنبت اليوم أجنحتي.. هكذا أخبرتني أمي ذات مساء في منتصف عام.

 

ــــــــــــــــــــــــــ

*قاصة وكاتبة مصرية

 

خاص الكتابة

مقالات ذات صلة

أن تعيش في بلاد الإسكيمو

رغمتزايدارتفاعدرجاتالحرارةفىالقاهرة، فإنالأسبوعالماضىكانبالنسبةلِىأسبوعًاجليديًابامتياز، ورغمندرةالثلوجأوالجليدفىمصروالعالمالعربىعداقممبعضالجبالكماجنوبسيناءأولبنان، فإننىحيثُماولَّيتُوجهىكنتأجدالجليدفىطريقى، ولميكنالجليدمعوقًاأتعثربه، بلموضوعوأساستجاربمعيشيةومعرفيةجديدة. يرتبطالثلجفىذهنىمنذالصغربشهربرمضان، الإفطارعلىماء «ساقع»، وكنافىالسبعينياتنحرصعلىشراءأجزاءمنلوحالثلجلتبريدالماء، وكانمنالمشاهدالمألوفةأنترىشابًايركبعجلة، وعلىمقعدهاالخلفىلوحمنالثلجملفوففىالخيش، فىطريقهلمحلالبقالةلتبريدزجاجات «الحاجةالساقعة». فىأولالأسبوعتعرضتلتجربةمثيرة، وأمضيتساعةونصفالساعةمنالوقتوسطسبعةآلافطنمنالجليدعلىمساحةشاسعة، وكأنىانتقلتعبرآلةالزمكانإلىالقطبالجنوبى.. وإذاكانالحريجعلذراتالأكسجينفىالهواءتتباعد، ممايجعلالإنسانيشعربضيقفىالتنفسفيصيبهالتوتروالانفعالالذىيظهرعلىسلوكه.إنهواءالجليديبدونقيًاطازجًا، حيثلاغبارولاترابلاشىءسوىذراتالثلجالهندسيةالشكلتتلاحموتتجمعمعبعضها، لتكونبياضًاشاهقًايساعدعلىهدوءالأعصابوالتأمل، وربمايدفعالبعضللنزقواستعادةطفولةمبتورة، فيشاركفىكلالألعابالتىيضمهاالمجمعالجليدى، كركوبالزلاجاتوكراتالثلجالعملاقةالتىنتدحرجبداخلهامنقمةمنحدرطوله ٣٠ مترًا، أوركوبالتيوبرنحيثمسارالمنحدرمتعددالارتفاعات، وكأنهامطباتصناعيةلكنهالاتقللسرعةالتيوبرنبلترفعنالأعلى، لننخفضثانيةأوالصعودعلىالقدمينجبلداخلىبارتفاع ٨٥ مترًا، وركوبالقطارالسريع، الذىيمربجزءمنالباركومنخلالهأستعيدأحاسيسالمنفيينإلىسيبيريا، وسياطالهواءالجليدىتزيدأحزانهملدرجةيصلونفيهاإلىالاكتئابالذىيدفعالبعضإلىالانتحار.هذهالتجربةكونتلدىإجابةجزئيةعنسؤاليترددأحيانًافىذهنى: هلأستطيعأنأقيمفىواحدمنبلادالشمالالقطبىكنداأوالدولالإسكندنافية؟ وكيفيعيشأهالىألاسكاوكيفيطيقونهذاالجليد؟.. الملابسالثقيلةهىالحلولكنكىتتواءمعليكبالاهتمتمبأطرافك.عليكأنتهتمبأطرافك، لأنهيبدووكماهوالحالمعالأوطانوالبلادأنأطرافالإنسانفىالعالمالجليدىهىنقطةضعفهالتىيمكنللبرودةأنتهاجمكمنها، إنهاالحدود، فكلمالهتماسمعماتخشىوماتحمىنفسكمنه، عليكالتعاملمعهبحذرشديد، ودوناستهانة، لاتسمحللتسريباتالباردةأنتمسقدميك، لايكفى «شرابصوف» واحدفليكناثنان، ثلاثة، كلماكانتأطرافكحصينة، فشلالبردأوأىشىءفىأنيغزوك. وكمابدأالأسبوعبتجربةجليديةانتهىبمتابعتىلخبرنشرتهمواقعالأخبارعنانفصالواحدمنأكبرجبالالجليدفىالتاريخعنالقارةالقطبيةالجنوبية، وتقدرمساحةجبلالجليدالمذكوربحوالى ٦ آلافكيلومترمربع، أىمايعادلأربعةأمثالمساحةمدينةلندن، الجبلالجليدىيقعشمالشرقالقارةالقطبيةالجنوبية. استدعىهذاالخبرالجديدللذاكرةخبرًاآخر، هواعتزامدولةالإماراتسحبجبلجليدىمنالقارةالقطبيةالجنوبيةإلىسواحلها، وأكدالمهندسالفرنسى Georges Mouginصاحبفكرةالمشروع، أنباستطاعتهتحقيقمايبدوصعبًا، ولديهواحدجاهزللنقل، فهلكانهذاالجبلالذىانفصلحديثًاهوالجبلنفسهالذىيشيرالمهندسالفرنسىإليه؟.. خاصةأنالعلماءرصدواشروخًافىالقطبالجنوبىوتزايدتهذهالشروخمنذعام ٢٠١٤.وفكرةسحبكتلجليديةمنالقطبالجنوبىليستوليدةاللحظة، لكنهاظهرتمنذالقرنقبلالماضى، عندماطرحبعضالعلماءعام ١٨٢٥، فكرةسحبكتلوجبالثلجيةإلىمناطقبخطالاستواء، لترطيبجوالأرضبأكملها، كمافكرونستونتشرشلرئيسوزراءبريطانيافىالاستفادةمنالجبالالجليديةفىصنعحاملةطائراتمنالجليد، وحالتظروفمابعدالحربالعالميةالثانيةدونتنفيذها.وفىالسبعينيات، راودالسلطاتالسعوديةحلمنقلجبلجليدىمنالقطبالشمالى، لإذابتهعندسواحلالمملكةوالإفادةمنمائهالعذبللشرب، لكنموانعتقنيةحالتدونتنفيذالفكرة. ويبدوأنالولعالخليجىبالجليدلنينتهى، ومنلديهالمالفليفعلبهمايريد.ولأنالأسئلةتولدأسئلة، فهليمكنلىأنأسأل: لماذايقيمالأوروبيونمنطقةصحراويةذاترمالوشمسملتهبةوأشواكونباتاتوجمالفىأراضيهم؟.
صفاء النجار 14 يوليو 2017
أقسام الموقع