قارب

ريتشارد بروتيغان
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

نص لـ ريتشارد بروتيغان

الترجمة والقراءة:  سوران محمد

أواه  جميل

المستذئب

في غابته الشريرة.

أخذناه

إلى الكرنفال

وبدأ

بالبكاء

عندما رأى

العجلة الدوارة.

كهربائية

أصبحت

الدموع الخضراء والحمراء

تتدفق

على خديه الفرويين.

كان يشبه

  قاربا

خارج

الماء المظلم.

………………

قراءة تحليلية للنص:

هنا في هذا المقطع القصير من الشعر قد يعطينا الشاعر لمحة خاطفة لحالة من الارتباك عندما نتعامل مع الاشياء بنقيضها أو ما نسميها بوضع الاشياء في غير محلها، مستعينا برموز الحيوانات.

كما يمكن أن يری بعض القراء بأن هذه الصور الشعرية هنا عفوية كسائر قصائده، لكننا بعد بضع قراءات و شيء من التأمل والتعمق نصل الى شكل بنيوي  لمعنى العام للنص، اذ يفتح الشاعر هنا نصه بذكر حيوان أليف متحول و أقرب مخلوق له، الا و هو الكلب، لكن ماذا لو أعطيناه بعدا آخرا مغايرا تماما للكلب الحقيقي و جعلناه المستذئب! ومع هذا عاملناه معاملة طفل مدلل و أخذناه الی مدينة الألعاب و ركبناه العجلة الدوارة (عجلة فيريس)؟

 هنا سنرى ما لا نتوقعه، اذ تتحول قطرات الدمع لهذا المخلوق الممسوخ الی مصابيح ملونة خضراء و حمراء، وفي الختام قد يوازي الشاعر كل هذه المفارقات و يشبه الحصيلة ب(قارب خارج الماء المظلم).

 ‌هكذا نصل الی النتيجة الحتيمة باذابة الملح في الماء، أو بمعنى آخر وهو اخراج المفترس من الغابة و تربيته والتعامل معه على شاكلة البشر، ولم لا؟ ان جشع الانسان العصري جعله محبا للأمتلاك والسيطرة على الآخرين، بل تسخيرهم و تسيرهم حسب ما نريد و نرغب فيه.

في الجانب الاخر لو نزلنا هذه الحالة المبتكرة في النص علی أرضية الواقع و قربنا  صور و انماط حياة الشاعر الی أذهاننا سنصل الی استنتاج آخر من خلال فك الرموز نتعرف علی حالة الغربة والوحدة للشاعر بين المخلوقات الموجودة والمتآلفة  والمجتمعة حول موائد الرأسمالية بحيث لا يجد الشاعر مساحة من الحرية والسعادة فيها کقارب خارج ماء مظلم أو کحيوان مفترس خارج بيئة غابته.  كما لا ننسى أن نربط بداية هذا الشعر بنهايته حيث يفتتح برمز الكلب وهو صاحب الوفاء لكنه يتحول هنا الی ذئب ثم يشبهه الشاعر في النهاية  بقارب والذي هو رمز للنجاة.

ان لهذه التحفة الشعرية مميزات جعلني أن أختاره نصا للترجمة، من بينها انه ينطلق بحركتين مختلفتين صوب الداخل و الخارج، نحو أعماق نفس الشاعر و من ثم شفاء شيء من عليله  بالخلاص من ألم المخاض، وثانيا بأتجاه القراء والمتلقي الذين يود الشاعر أن يقدم لهم من خلال عمله الانتاجي هذا، شيئا مخالفا و مختلفا عن المألوف كي يستئنسوا بها و يجدوا ضالتهم فيها أو علی الاقل أحداث شيء من التغيير في بناء شكل أو تقديم خطاب متجدد شعري و ارسال رسالته الفنية من خلالها ، كما ترونه في الرسم البياني:

أما الخاصية الاخری التي تتسم بها هذه القصيدة و تميزها عن نتاجات  شعراء معاصيريه هي ادخال  ألفاظ و صور شعرية جديدة الی عالم  الشعر، و يعتبر هذا خروجا عن المألوف عندما نقفز علی الثيمة و المواضيع الكلاسيکية العتيقة کالرومانسيات والرياليسمية الثورية و ننتقل الی شفرات تدلنا علی عوالم الشاعر القريبة منا والواقعية السوريالية التي نعايشها في نفس الوقت، لکنها متزينة بلباس المجاز والرموز والاستعارات وأسلوب نادر نقدي و ساخر ، من الجانب الاخر نتعرف علی نظر الشاعر و طرق تفكيره، بل حالته النفسية في آن معا، فمثلا استعماله مصطلحات كالمستذئب والعجلة الدوارة  والدموع الاخضر والاحمر ليست الا وسيلة للتعبير عن الذات الحاضر كبالغ معدوم والذات الماضي کالطفل المحروم، لكن الكثير من القراء لا علم لهم بسيرة الشاعر وبناءا عليه سيكون حکمهم علی النص لا يخرج من نطاق الفاظه، وهذا ما أنتقد بە المدرسة البنوية عندما أهمل كل العوامل الخارجية المٶثرة علی النص خارجه.  

ختاما؛ بما ان هذا النص السوريالي يعتبر نصا متعدد المعان والدلالات فلا نحاصره بين جدران هذا التحليل النبيوي فقط ، بل نترك فهمه و تفسيره للمستويات المتفاوتة من الأستيعاب والاستنباط للقراء الكرام و مدى تلذذهم بنصوص شعرية ما بعد الحداثة و معاصرة كهـ‌ذا، محشو بروح من الفكاهة والجد، خفيف الظل.

 

* من هو الشاعر والروائي ريتشارد غاري بروتيغان؟

* ولد الشاعر في 30 يناير 1935 في مدينة تاكوما، واشنطن، الولايات المتحدة.. بدأ مشواره‌ الادبي في أواسط الخمسينيات للقرن الماضي، كان متأثرا بكتاب كالـ: جاك كيروك، تشارلز بوكوفسكي، إرنست همينغوي، كارلوس وليم كارلوس، له‌ العديد من المؤلفات مابين الشعر والقصة والرواية، من أهم رواياته (صيد سمك سلمون المرقط في أمريكا) 1967.

وقد تميز بأسلوبه الخاص والنادر في الكتابة، حيث كان يمتزج بين الفكاهة والجد لرسم واقع خيالي أو بالاحري كي ينسى بهذه الطريقة مآسي حياته الشخصية و ينتقد من خلالها الواقع الاليم في نفس الوقت.

كان للبؤس والحرمان و التهميش حضورا دائما في حياته و داخل نتاجاته الادبية، ففي عام 1956 على سبيل المثال قام بكسر زجاجة شباك لمركز للشرطة كي يسجنونه‌ حيث سيكون بوسعه الحصول علي الاكل اللكافي في السجن، لكنه سرعان ما خاب ظنه عندما تم تحويله الي المستشفي النفسي لتلقي علاج الشيزوفرينيا والبارانوي – العلاج بالصدمات الكهربائية آنذاك-

انتهي مشواره الادبي عندما انتحر في بولنيسا، كاليفورنيا في 16 سبتمبر 1984 عن عمر ناهز ٤٩ عاما..

* أما بالنسبة لأسلوب کتابة قصائده فهي وليدة اللحظة، حيث تمتاز أكثر القصائد بالقصر والاختصار، لكن يستعمل مضامينها الساخرة كوسيلة للتعامل مع مجريات الامور و ما يدور في محيط الشاعر، خاصة أثناء تداوله مواضيع حساسة و مهمة، فهو لم يكن يأخذ في الحسبان أي قيود يمنعه من كتابة ما يشاء، لذا نراه احيانا يقفز علي المعني و يعبر عن ما في داخله بشكل اعتباطي ..

صحيح اننا كقراء لم نتعود علي هذا الاسلوب، لكنه عالميا يحظي بشعبية واسعة من بين القراء -خاصة من الجيل الصاعد، و له سمعة لا نظير لها مقارنة بكتاب جيله بسبب أسلوبه المتميز في الكتابة، في حين يعتبر بعض النقاد اعماله بالشطحات و يرونه انه لا يلتزم في نصوصه بأي قيود أدبية و لغوية و يستعمل مصطلحات غريبة وصور عجيبة نوعا ما..

ولم أجد وصفا أدق لأسلوبه في الكتابة غير الذي كتب  عنه في  جريدة الحياة ذات مرة: (أن قصائد بروتيغان هي من بين النصوص الأكثر ابتكاراً في الأدب الأميركي الحديث، سواء بالدعابة المسيَّرة داخلها أو باستعاراتها الغريبة أو بالتلاعب الفريد في صياغتها. ولا عجب في ذلك، فبروتيغان كان يعتبر الشعر أرضية مثالية لإعادة ابتكار الذات. وهذا ما يفسّر الأشكال المتنوّعة التي تحضر فيها هذه النصوص: قصائد هايكو عرجاء، سونيتات مخرَّبة عمداً، عناوين صحف، إعلانات ذات فائدة عامة، أفكار تتداعى بطريقة آلية، نشرات جوية سورّيالية، شذرات سير ذاتية، مزامير، أوراق نعي، شتائم، قصائد تقتصر على عنوانها أو يتجاوز هذا الأخير بحجمه نصّها، من دون أن ننسى التجليات على طريقة جايمس جويس أو النكات الماركسية أو اليوميات المقطّعة).

 

النص بالانجليزية:

 -A Boat-

BY RICHARD BRAUTIGAN

O beautiful

was the werewolf  

in his evil forest.  

We took him

to the carnival  

and he started  

   crying

when he saw

the Ferris wheel.  

Electric

green and red tears  

flowed down

his furry cheeks.  

He looked

like a boat

out on the dark  

water.

…………..

 * المصادر

١-allpoetry.com

٢- en.wikipedia

poetrynook.com/poem/boat ٣-

 The Pill versus the Springhill Mine Disaster.Selected Poems, 1957-1968، Richard Brautigan ٤-

 

مقالات من نفس القسم

تشكيل
أعجمي
د. إقبال محمد علي

تماسُك