“سقوط أوراق التين”.. بين الإغواء والعبث

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

آفين حمو

هناك نصوص تبدأ في قراءتها فتشعر بأنها وحيدة، لكنها تحيي فيك رائحة نصوص أخرى، لم تعد تعرفها إلا حين تصمت. سقوط أوراق التين يذكّرك بروح الإغواء الأخير للمسيح لنيكوس كازانتزاكيس، ليس من حيث الحكاية، بل من حيث انكسار النفس بين الخلاص والانجراف، بين النسك والرغبة، بين أن يُحبّ الله أو أن يُحبّ فتاة.

مينا عادل جيد يكتب بلغة تتمايل بين العبث والسخرية، لغة تكشف هشاشة النفس حين تحاول أن تطير بعيدًا عن جسدها، بعيدًا عن قيودها. البداية مع مترجم يعشق الأبواب القديمة، يلتقط عدسته ليجد أمامه بابًا يدعو إلى “كنز”، ليس ذهبًا ولا فضة، بل مخطوطات قبطية، تحكي سيرة شيشاي بن فسطوس، وأمه هيلاريا، وحبه لمارينا. الحب المرفوض هنا ليس صراعًا رومانسيًا فحسب، بل اختبار للروح: هل تنقاد أم تصمد؟

الكتاب الأول يكشف قرار شيشاي بالترهبن، ليس هربًا من الفقر، بل بحثًا عن الفرز، عن اختبار النفس، عن صقل الروح. النقاء الذي يبدأ به يجاوره منذ اللحظة الأولى ظل العزلة والغرور:

أسأل الذي خلقني أن يلهمني الخير والفرز ويبعد عني شر العدو المعاند الذي هو الشيطان وينجح الله مشورتي.

في كتابه الثاني يلتقي الشيخ المتوحد، فيسمع وصية تكاد تكون مفتاح الرواية كلها: الرهبنة شيء، والقصص التي يحبها الناس حول الرهبان شيء آخر. المجد الباطل يطارده، لكنه لا يرحل، بل يتقاطع مع غرور شيشاي، فيستمر في الاعتراف أمام الآخرين، فيحملهم معه على رحلة الروح، مع كل السقطات والخيبات.

في الكتاب الثالث، يظهر أور، الرفيق الذي يتم مسخه إلى صور ثم يتحوّل لاحقًا إلى خصم ساخر في الأحلام. علاقة شيشاي مع أور تتداخل فيها الحقيقة مع الهلاوس، وقدسية الروح مع سخرية الجسد. أما في الكتاب الرابع، فالجلد والألم الجسدي يخلقان فسحة للهلاوس الغرائزية:

كان يحلم بالقصور ودويدة على رأسه بريشة، في حين كان جسده يئن من الجلد.”

الكتاب الخامس يضاعف العبث، حيث تتحول الأحلام مع أور إلى كوابيس، دويدة على الرأس، رؤوس من الريش، والروح في قمة الانكسار، بلا خلاص ولا صفاء:

وعن الحلم الذي يؤرقه ويلازمه كثيرًا ويأتي فيه أور ليغيظه وهو في الروضة والمروج، معه دويدة، وعلى رأسه ريشة.”

في الكتاب السادس، يصل شيشاي إلى السوق، يقدّم ثوبه لرجل محتاج، ويخرج عاريًا أمام الناس، كأن سقوط كل أوراق التين صار فعلًا جسديًا وروحيًا معًا:

أعطى ثوبه لرجل، وخرج عاريًا، مكشوفًا أمام الناس جميعًا.”

 يُختتم الكتاب السابع بشهادة هدرا الناسخ، الذي يعيد سرد ما رآه وسمعه، ليذكّرنا بأن النص لم يُكتب مباشرة، بل يروي عبر وسطاء، مضاعفًا عبث الحكاية، مجزئًا شخصيات شيشاي بين القديس، المجنون، الضحية، الحالم، العاري.

هكذا تأتي الرواية ليست خطًا مستقيمًا، بل مرايا متكسرة، كل واحدة تعكس صورة مختلفة: شيشاي لم يدخل الرهبنة هربًا من الفقر، بل بدافع الفرز، يريد أن يجوع ويختبر ذاته، لكن الحب المرفوض لمارينا يظل يطارده:

ويعيش وحيدًا لا لأن مارينا تتعالى عليه إيمانيًّا ولا تبادله الحب، بل ليكرس حياته، ببتولية صالحة، للمخلص الذي يحب الجميع ويرحم الخطاة.

عزلته لا تمنحه الصفاء، بل تغذي أوهامه، الضباع تخضع له، الشيوخ يذكّرونه بالمجد الباطل، ويظن نفسه قادرًا على معجزات. المشهد الأشهر حين يعد بجلب “تين من الفردوس”، ويصفعه الأسقف الاورشليمي:

أما قلت لك لا تصعد إلى المغارة لئلا تضلك الشياطين يا مخبول؟

هنا لا يبدو العبث ليس مجرد سخافة، بل كشف للهوة بين السعي للتسامي وحدود الجسد، بين القداسة والطموح البشري، التفاصيل الصغيرة تكشف مأساة الروح أكثر من المواعظ المطولة.

لغة الرواية مزدوجة، تجمع بين عمق المخطوطات القبطية وسخرية العبث، الحوارات محمّلة بإشارات لهشاشة البشر أمام أحلامهم، كل لحظة ناسك، وكل لحظة ساخر من نفسه. الرموز القبطية: المغارة، التسبحة، الرهبنة الشعبية، تتقاطع مع ظل كاثوليكي يرمز للمؤسسة والانضباط الصارم، التوتر بين الشعبي والمؤسسي، بين القلب والهيكل، بين الحب والتسامي، هو قلب الرواية.

أوراق التين التي غطّت عري آدم وحواء تتساقط لتكشف عري الإنسان الروحي، شيشاي نفسه يخرج عاريًا بعد أن أعطى ثوبه لرجل محتاج، انكشاف كامل، سقوط الأقنعة، مواجهة النفس بلا وهم الخلاص السهل.

سقوط أوراق التين ليست رواية تتحدث عن قديسين، بل رواية إنسان، يتأرجح بين السماء والأرض، بين الروح والجسد، بين قداسة محتملة وعبث دائم. يضع فيها الكاتب مينا عادل جيد يضع أمام مرآة صادقة، يقدّم تجربة للتأمل أكثر من تقديم نموذج للتقليد، ويترك السؤال مفتوحًا: هل نفتح الباب لنواجه أنفسنا، أم نبقى خارجه، مكتفين بالصور، هل نستطيع نحن أيضًا أن نسقط أوراق التين، ونواجه هشاشتنا، بلا أقنعة ولا أوهام؟

مقالات من نفس القسم