المكسيكي يسخر من الحفار الأمريكي

digger

محمد العبادي

إنه أحدث أفلام المخرج المكسيكي اليخاندرو جونزاليس إيناريتو.. حيث يعود للإخراج بالإنجليزية بعد فيلمه الناطق بالإسبانية “باردو”، ورغم أن “ديجر” يحمل كل مقومات النجاح مابين مخرج من الأصدقاء الثلاثة (The Three Amigos) نجح عبر مسيرته في حصد العديد من الجوائز له ولأفلامه بين المهرجانات الأوروبية والجوائز الأمريكية، بطولة الفيلم لنجم بحجم توم كروز الذي يظهر هنا بشخصية مختلفة تماما عن أدواره السابقة على امتداد مسيرته ، الفيلم يحتوي أصلا على طاقم تمثيل عالمي وحبكة خيالية من الكوميديا السوداء، ديكور خيالي وتصوير أحسن مدير تصوير في العالم، رغم كل هذه العناصر الا ان الفيلم فشل بامتياز على المستوى النقدي: يحمل الفيلم تقييم 53% Rotten من 320 مراجعة على موقع النقد السينمائي الشهير Rotten Tomatoes، وحقق 35 مليونا في شباك التذاكر مقابل ميزانية لا تقل عن 125 مليون- حتى وقت كتابة هذا المقال.

قد يتبادر إلى الذهن أننا أمام فيلم فاشل حقا، فكم من أفلام فشلت “فنيا” لأسباب مختلفة، وليس هناك مخرج لم يذق طعم الفشل مهما كان اسمه وتاريخه، لكن الغريب أن مع عرض الفيلم في دور السينما اتفق العديد من المشاهدين على جودته الفنية!.. خصوصا المشاهدين من منطقتنا العربية ودول العالم البازغة.. البعيدة عن أزمة الداخل الأمريكي التي ذبحت الفيلم.

بعد كل هذا الضجيح عن سوء الفيلم من حق المشاهد المحايد أن يشعر بالدهشة بعد مشاهدته للفيلم، ف Digger  ليس كبوة مخرج كما توقعنا من ردود الفعل النقدية السابقة لعرضه الواسع.

digger
digger

فالفيلم الذي شارك إيناريتو في كتابته وانتاجه أيضا عوقب من قبل الناقد والمشاهد الأمريكي بغض النظر عن جودته الفنية، عوقب الفيلم ومخرجه على سخريته من أمريكا!

فرؤية إيناريتو هنا – امتداد لرؤيته في باردو- هي السخرية والرفض لأمريكا على كل وجوهها، ليس فقط “الحكومة الأمريكية” ولا “اليمين الترامبي المتشدد”، بل لأمريكا: الولايات المتحدة ككل بكل تأثيراتها السياسية والمالية والاجتماعية التي فرضت على العالم كله أوضاعا بائسة ولا إنسانية، يواجه إينارتو أمريكا بوجهها القبيح، يصورها كجزيرة منعزلة عن العالم، بشعب لا يعبأ بمعاناة الآخرين في مقابل راحته الشخصية.. لا يعبأ بمعاناة العالم من التلوث ومايتبعه فيضانات وكوارث ضخمة.. في مقابل أن يشحن هاتفه المحمول بطاقة رخيصة.. أما الساسة وعلية القوم فيظهرهم الفيلم كحفنة من الرجال البيض الأغنياء.. يتمسكون بتدين ظاهري خاوي من المعنى.. وبالنسبة لهم الأمريكي هو الأمريكي الأبيض وما غيره أجنبي.. حتى لو استوطن “بلادهم” من عدة أجيال.

لو حاولنا ان نشاهد الفيلم بمعزل عن عاصفة الحنق الأمريكي تلك سنجد العديد من النقاط المضيئة، التصوير لإيمانويل لوبيزكي في عودة للتعاون مع إيناريتو بعد أن حصل كليهما على الأوسكار في آخر مرتين عملا فيها معا: “بيردمان” و”العائد”، صورة لوبيزكي المتميزة كالعادة كانت خير ترجمة لأفكار إيناريتو الطموحة، استخدام واعي للإضاءة في ظل ديكورات معقدة داخل مسرح مستقبلي غريب!.. إضاءة بيضاء شاحبة في معظم مناطق الفيلم تعبر عن حالة العالم.. لكن لا تفتقر لوضوح التفاصيل.. مع استخدامات خاصة للإضاءة تبعا لطبيعة المشهد.. يظهر هذا في مشاهد قصر “ديجر” المنيف، وفي أحد أهم مشاهد الفيلم: مشهد الملجس الأوروبي.. وكذا في المشهد الختامي الذي يصور العالم المستقبلي القاتم.

مونتاج ستيفن ميريون حافظ على إيقاع مناسب للروح الساخرة للفيلم، خصوصا في المشاهد الافتتاحية، وبالطبع في المشهد الطويل الحافل بالانتقالات في المجلس الأوروبي.

ديكور دينيس جاسنر وريتشارد ل جونسون جاء معبرا عن طبيعة الفيلم: خليطا بين السريالية والمستقبلية والخيال العلمي. والمكياج كان له دور خاص في حفر شخصية ديجر على ملامح توم كروز البعيدة تماما عنه.. رغم أنه – ياللمفارقة- في نفس عمر الشخصية تقريبا.

حتى السيناريو الذي فجر كل هذه الانتقادات للفيلم هو جيد جدا في الواقع: ديجر (الإسم يعني حفار) رجل البترول الغني الذي لا يهتم سوى بجني أكبر ثروة من الحفر بلا ادنى اهتمام بمشاكل البيئة المنذرة بكوارث، وحين تحدث الكارثة ويصبح العالم كله على المحك.. يصدره الرئيس الأمريكي في الواجهة لتلقي الانتقادات.

شخصيات كاريكاتورية رغم كل ما تشمله من أطماع وآثام، ديجر يناور ويتملص حتى باستخدام الحقيقة نفسها، يهتم بصحة قطته العجوز أكثر من اهتمامه بموت ملايين البشر، الرئيس الأمريكي مريض خرف، يهتم بالدين كمصدر لشرعيته، يصطحب معه قس حيث يكون من أجل الصلاة للرب، نائب الرئيس مجرد ظل مسلوب الإرادة، والوزراء والجنرالات حفنة من الأمريكيين الأغبياء ضيقي الأفق (يبدو أن الأمريكان لديهم كل الحق ليستشيطوا غضبا من هذا الفيلم!)

أداء الممثلين تحت إدارة إناريتو جاء لامعا كالعادة.. لا ننسى أنه هو من أحضر الأوسكار لليوناردو دي كابريو أخيرا.. لكن هل يحضرها لتوم كروز؟.. ربما لا.. فبالتأكيد معظم أعضاء الأكاديمية (مقموصين) من الفيلم.

توم كروز في دور ديجر يعرض وجها أكثر عمقا وتنوعا عن أفلامه المعتادة، دور ثري بعيدا عن قفزات إيثان هانت وجريه الذي لا ينتهي، لدينا أيضا جون جودمان في دور (الرئيس المؤمن) كومبسون، ريز أحمد في دور جانيش عالم البيئة المعارض لديجر رغم أنه يعمل في شركته!، ساندرا هولر في دور إيما الأخت الصغري ورائدة الطاقة المستدامة، وطبعا جيسي بلمونز رغم مساحة دوره الضيقة إلا أنه كان مهما خصوصا في الجزء النهائي من الفيلم. كل من طاقم التمثيل أجاد حسب طبيعة دوره.

هل ينصف موسم جوائز الأوسكار الفيلم رغم ما تعرض له من تهميش مع عرضه؟.. لا أظن.. في الغالب سيتجاهل أعضاء الاكاديمة هذا الفيلم الذي يسخر منهم ويذكر رأسماليتهم بسوء.. رغم أن تجاهلهم وهجومهم هذا.. يدل على مدى صحة ما قاله الفيلم!

كاتب وناقد من الإسكندرية، مشرف نادي سينما طرح البحر بالإسكندرية، من أعماله: ـ التفصيل الممل لفضيحة ـ في مديح الجاموس…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع