سارة أشرف
قيل قديماً إن ارتفاع صوتك دليل على ضعف موقفك، ولكن أعتقد أن من اخترع هذه العبارة ونشرها لنتعلمها فيما بعد، هو شخص لم يرَ في تجاربه أن أحياناً المغلوبين على أمرهم وقليلي الحيلة يرتفع صوتهم، يريدون بكل نبضة في أعصابهم أن يثبتوا صحة كلامهم/ادعائهم، يبرئوا أنفسهم مثلاً، وهو بالضبط ما يحدث في القصة الثالثة من الأربع قصص بفيلم دخل الربيع يضحك، الذي عُرض بعدة مهرجانات وتم إتاحته هذه الأيام للعرض على المنصات.
فيلم يستحوذ على التصنيفين (نسوي ونسائي) بجدارة، فصانعات الفيلم وأبطاله هن نساء، فهو من تأليف وإخراج نهى عادل، وإنتاج كوثر يونس، والممثلات وموضوعات الفيلم شغلها الشاغل هو تسليط الضوء على ما يحدث للنساء، ربما لن أحتاج طوال الكتابة أن أتطرق لمفاهيم النسوية، أو تناول الفيلم وتحليله بالمنظور النسوي، فالفيلم لم يكتفِ بتقديم مشاكل المرأة، ولكنه وثّق فيما بين يديه أنه فيلم يكشف خبايا قليلي الحيلة في المجتمع، يضع الجدالات التي تحولت إلى خناقات أزقة في بعض اللحظات محوراً وأسلوباً للنقاش. فالفيلم عبارة عن أربع قصص منفصلة لا يوجد رابط بينهن، ربما كان يوجد رابط أنهن جارات في نفس المبنى، وهو ما يتم فهمه من المشهد المحذوف من الفيلم الذي تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي، ولكن نحمد الله على وعي من اتخذ قرار حذفه، لأن الرابط الحقيقي بين الأربع قصص البعيدة كل البعد عن بعضها، هو رابط أعمق يتصل بالصورة وشريط الصوت، أسلوب معالجة وكتابة كل قصة في الأربع وربطها بأغاني الزمن الجميل، وبالربيع. لا أخفيك سراً أنه الفصل الأقرب لقلبي من بين الفصول الأربع، فهو يجمع بين وجود الشمس ونسمات الهواء في آن واحد، ولكن عمنا صلاح جاهين ونهى عادل كان لهما رأي آخر.
“دخل الربيع يضحك لقاني حزين
نده الربيع على اسمي لم قلت مين
حط الربيع أزهاره جنبي وراح
وإيش تعمل الأزهار للميتين
عجبي”
في البداية تظن أن الرباعية تُصور الحزن في فصل الربيع، وهو ما يتعارض مع تفتح الأزهار وبهجة الربيع التي غنت لها السندريلا كلمات جاهين نفسه، “الدنيا ربيع قفلي على كل المواضيع” لتصبح الأغنية الرسمية لشم النسيم وفصل الربيع، ولكن في الرباعية الحزن ليس بسبب الموسم، الفصل بريء هذه المرة، فهو أتى ببهجته المعتادة ولكنه وجد الإنسان حزيناً، حاول تقديم شيء مبهج كفعل “حط أزهاره جنبي”، ولكن حقاً ماذا تفعل الأزهار للميتين؟
تستعين المخرجة بالرباعية والمضمون في مقدمة الفيلم مع أول قصة، التي فيها أضعف كتابة وحبكة في الأربع قصص، حيث أب وابنه يأتيان خصيصاً في زيارة لمنزل جارة وابنتها المطلقة، فقط لإعادة لهن قطتهن المحبوبة، ويتم إفساد الجلسة المليئة بالضحك والذكريات وقص ما فات وآتٍ، فقط لمجرد أن القطة كانت حجة كي يطلب الابن يد السيدة لأبيه. بمجرد التفوه بالعبارة تثور الابنة، التي من المفترض أنها كبيرة كفاية كي تهتم بشؤونها الخاصة وتترك القرار لوالدتها. ليست ثورة منطقية وحرة الحركة، بل نجد الأب وابنه ملتصقين بكراسيهم دون نخوة ورد فعل منطقي على أسلوب الابنة، بل لنزيد البرودة في رد الفعل ونجعل الأب يأكل من الكيك ويتذوق الشاي قبل أن يختم المشهد بنهوضه.
تتركنا القصة مع سؤال عن الوصمة المجتمعية والأفكار تجاه زواج الأرامل رجالاً ونساءً. حقاً إذا كانت النهاية الحتمية للإنسان هي الموت، فإيش تعمل الأزهار للميتين؟ نحن نريد السعادة، بل الحب، وكل ما يجعلنا نحيا سعداء هو المطلوب وليس أزهار. هذه الأزهار ضعها على القبر يا عزيزي.
القصة الثانية والثالثة، على الرغم من أن الهوة الشاسعة في الطبقة الاجتماعية بين مجموعة صديقات يحتفلن بعيد ميلاد إحداهن، وبين عاملة بصالون تجميل، بل الأدق وما يتوافق مع الطبقة الشعبية أنه “كوافير”، كلاهما يعانيان من الزوج الغائب، والغياب هنا يُحكى على لسان البطلات. الأولى تُهادن، ورغم السيجار الإلكتروني بيديها والمطعم الفخم وعيد ميلادها نفسه، إلا أنها لا تحتمل حكي ما تخفيه على الملأ فتفسد كل شيء بثورة غضب. ما تخفيه هو كرامتها المُهانة؛ زوج تزوج بامرأة أخرى عليها سراً. أياً يكن ما هو قرارها في حياتها، ولكن القصة هنا تعتمد على المثل الشعبي القائل “اللي على راسه بطحة…”. وكما في قصة زوزو الزوج الغادر الغائب، نجد زوج (عبير) التي تُتهم باطلا بالسرقة، ولكن عبر ثرثرتها عن حياتها الشخصية مع زبونات المحل نعرف قصة حياتها بالكامل، وهو فخ يسقط فيه الفيلم، حيث لا يجب أن يتم سرد تاريخ الشخصية بالكامل عبر القص والحكي. ليست ضرورة وحتمية.
التكثيف في كل قصة كان سيضع فراغات تجعل المتفرج يملؤها متفاعلاً مع الفيلم، بدلاً من شعورنا بالتورط السلبي، حيث جعلتنا المخرجة نتابع الشجار في كل قصة ضاغطة على أعصابنا بالتصاعد وارتفاع وتداخل الأصوات النسائية. وعلى الرغم أن هذا أكثر شيء مستفز، إلا أن وجوده على مدار الأربع قصص، بجانب تكرار التفاصيل الخاصة باختيار الأغاني وتصوير الورد، يجعلنا أمام عمل إيقاعه لافت للنظر، يشبه النساء أنفسهن في تناول الأمور؛ فنحن نُصعّد الأمور وننفعل، ثم تأتي الحلول مع بكاء وانهيار وأحياناً ندم. بالطبع ليس جميعنا، وبالطبع لا يحدث هذا دوماً، ولكن كل قصة حملت لحظة انفجار بعد كبت دام سنوات طويلة، مهما تم التعبير عنه في دقائق أمام الشاشة، وربما هذا ما جعل كتابة الفيلم مليئة بسرد الماضي شفهياً.
زواج بلا بدلة عريس
في القصة الثالثة نجد عروساً تتجهز يوم زفافها، نساء عائلتها من جهة الأم موجودات، وعبر عدة مواقف نفهم شخصية كل واحدة منهن: الأم المسيطرة، الخالة الفرفوشة، وابنتها المتحكمة، وابنة ابنتها المراهقة، إلى أن يصل أصدقاؤها ويرتدين فساتين بنفس اللون والموديل، فيما عدا واحدة قامت بدورها كوثر يونس. هي نفسها التي تحذر الأم ابنتها منها، بل وترفض وجودها في العرس. القصة الأقرب إلى قلبي، رغم تقديمها بعبارات مباشرة، إلا أن بها من الصدق وأهمية الموضوع وما تراه الأمهات، والفجوة بين الجيلين، ما يغفر الضجيج والتوتر على مدار الفيلم.
أما عن العنوان (زواج بلا بدلة عريس) فهو لأن القصة تبدأ بمكالمة العريس أن بدلته فُقدت وهو في مأزق، بداية مؤشرات إنهاء هذا العرس، بداية علامة أننا أمام فتاة ستتحول فيما بعد إلى زوزو التي في القصة الثانية. في هذه القصة تحديداً، رغم تعدد الزوايا والموضوعات بها، إلا أن التسلسل والأداء التمثيلي منطقي.، بما أنني تطرقتُ إلى الأداء التمثيلي، فالبديهي ذكر أن المخرجة اعتمدت على طاقم لم يسبق له التمثيل. حاولت أن تجعل كل قصة واقعية، مما جعل التجربة تستحق المشاهدة، ولكن يجب ذكر الفارق بين أن التمثيل تقريب ونقل للواقع، وليس شرطاً أن يكون الممثل/ة يقدم شخصيته الواقعية أو لم يمثل من قبل كي يكون شفاف المشاعر وفي رد فعله أمام الكاميرا. على سبيل المثال، في مشهد الكوافير، في انفعال الفتاة لم نفهم أي كلمة من صراخها. بالطبع رأيت هذا في خناقات الواقع، ولكن ليس شرطاً ألا أسمع العبارات واضحة كي يكون واقعياً. في ظل انهماكها بواقعية وتقريب المشاعر والصدق، وبالربط بين القصص الأربع التي تصلح كل واحدة أن تكون فيلماً قصيراً قائماً بذاته، ولكنه كان سيكون سيئاً، نظراً لأن الأخطاء الصغيرة يمكن غفرها ونسيانها أو ذوبانها في الفيلم الطويل. أما الفيلم القصير فلا يوجد به قماش كافٍ للستر؛ إما خاطف مميز وإما لا. وهذا تعميم فاسد أعترف به، ولكنه صالح في هذا المقال للحديث عن دخل الربيع يضحك.
في ظل هذا الانهماك الذي سقطت منه بعض التفاصيل سهواً، نفهم لماذا النساء يتم تشبيههم بالورد والزرع الذي يجب الاهتمام به ورعايته، ونشعر ـ ليس مهماً الفهم هنا بقدر الشعورـ باختيارات المخرجة لفصل الربيع والأغاني فهي الصورة الأشمل لفيلم مشاعره ضاغطة وطاغية وصوت نساءه مزعج غير مبالي لا بمجتمع أصم ولا بأي شيء.








