عائشة بوزرار
حين أعلن كريستوفر نولان عن مشروعه السينمائي الجديد، “الأوديسة”، لم يكن الخبر مجرد إضافة جديدة إلى قائمة الأفلام المنتظرة، بل بدا وكأنه محطة مفصلية في مسيرة مخرج ظل، منذ أكثر من عقدين، منشغلاً بالسؤال ذاته وإن غير أشكاله: مَن يكون الإنسان عندما يفقد يقينه؟ وكيف يعيد بناء هويته بعد أن تهدمها الحرب أو الزمن أو الذاكرة؟
قد يبدو غريبا أن يتجه أحد أكثر مخرجي العصر ارتباطا بالخيال العلمي والسينما المعاصرة إلى نص يعود إلى ما يقارب ثلاثة آلاف عام، لكن الحقيقة أن هذا الاختيار يبدو منسجماً تماما مع عالم نولان. فالرجل الذي جعل الزمن بطلا في “Interstellar”، والذاكرة محورا في “Memento”، والأخلاق معضلة في “The Dark Knight”، والسلسلة العلمية سؤالا وجوديا في “Oppenheimer”، لم يكن يبحث هذه المرة عن قصة جديدة، بل عن أصل الحكايات كلها.
و ليست “الأوديسة” مجرد ملحمة يونانية، إنها النص الذي أسس لفكرة الرحلة في الأدب الإنساني. وكل رواية أو فيلم يقوم على البعث، أو العودة، أو التحول الداخلي، يحمل في أعماقه شيئا من روح هوميروس، حتى وإن لم يصرح بذلك.غير أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا اختار نولان “الأوديسة”؟ بل: لماذا اختارها الآن؟
ربما لأن العالم الذي نعيش فيه يشبه، أكثر من أي وقت مضى، عالم أوديسيوس. الحروب لا تنتهي، والمنفى لم يعد جغرافياً فقط، والإنسان بات يعود إلى منزله وهو يشعر أنه لم يعد الشخص نفسه الذي غادره. في هذا السياق، تصبح الملحمة القديمة أكثر حداثة من كثير من القصص المعاصرة، لأنها تتحدث عن تجربة إنسانية لا يحدها زمن.
البطولة كما يراها نولان
لطالما تعاملت السينما التجارية مع البطل بوصفه شخصية استثنائية، تنتصر في النهاية، وتُعيد النظام إلى العالم. أما كريستوفر نولان، فكثيرا ما قدم أبطالا مختلفين، مثقلين بالشك، محاصرين بالأسئلة، يدفعون ثمن قراراتهم قبل أن يحصدوا نتائجها.
ليونارد في “Memento” لم يكن يبحث عن قاتل زوجته فقط، وإنماكان يبحث عن حقيقة نفسه. وكوبر في “Interstellar” لم يكن ينقذ البشرية فحسب، بل كان يحاول ألا يخسر علاقته بابنته. أما أوبنهايمر، فلم يكن مجرد عالم منح القنبلة الذرية، بل رجلا عاش بقية حياته تحت وطأة السؤال الأخلاقي.
إذا أسقطنا هذه الرؤية على أوديسيوس، فإننا لا نتوقع بطلا أسطوريا يقهر الوحوش، بقدر ما نتوقع إنسانا يحاول النجاة من آثار الحرب التي سكنتها قبل أن يسكنها العالم. وهنا يكمن الفارق بين هوميروس ونولان الأول كتب ملحمة عن العودة إلى الوطن، أما الثاني فقد يحولها إلى تأمل طويل في معنى العودة نفسها.
هل الوحوش هي المشكلة فعلاً؟
في القراءة التقليدية، تمتلئ “الأوديسة” بالمخلوقات الأسطورية: السيكلوب، والسيرينات، وسيرسي، وكاليبسو، وغيرها من التحديات التي تعيق رحلة أوديسيوس. لكن السينما الحديثة لم تعد تنظر إلى الوحوش باعتبارها كائنات يجب هزيمتها، بل بوصفها استعارات عن مخاوف الإنسان. وهنا يبدو نولان المخرج الأنسب لـتفكيك هذه الرموز. وقد لا يكون السيكلوب مجرد عملاق بعين واحدة، بل رمزا للقوة العمياء، وقد لا تكون أغاني السيرينات مجرد إغواء بصري، بل صورة لكل ما يبعد الإنسان عن هدفه، سواء كان السلطة، أو الشهرة، أو الرغبة أو حتى الخوف. بهذا المعنى، تتحول الأسطورة إلى علم نفس، ويتحول البحر إلى ساحة لاختبار الذات، لا إلى طريق نحو اليابسة فقط.
الزمن… البطل الخفي
من يعرف سينما نولان يدرك أن الزمن ليس عنصرا تقنيا في أفلامه،إنه فلسفة كاملة، إذن المدة التي يعيد تشكيلها باستمرار، مرة عبر الاسترجاع، ومرة عبر التوازي، ومرة عبر تمدد الزمن وانكماشه. ولهذا فإن “الأوديسة” تمنحه فرصة استثنائية، فالملحمة الأصلية لا تُروى أصلا بطريقة خطية، بل تعتمد على الاسترجاع، وعلى الحكايات التي يرويها أوديسيوس عن نفسه، وعلى الانتقال بين الأزمنة والشخصيات.
قد يجد نولان في هذا البناء فرصة لتقديم سرد معقد، لا يسير وفق تسلسل الأحداث، بل وفق تطور الحالة النفسية للبطل، وهنا لا يصبح الزمن مجرد إطار للأحداث، بل يصبح جزءاً من المعنى، كما هي عادته في معظم أعماله.
بين الأسطورة والواقع
منذ سنوات، تميل السينما العالمية إلى إعادة إنتاج الأساطير عبر المؤثرات البصرية الضخمة، حتى تكاد القصة تضيع وسط الانفجارات والصور الرقمية. أما نولان، فقد اختار دائما الاتجاه المعاكس، فهو من القلائل الذين ما زالوا يؤمنون بأن الصورة الحقيقية أكثر قدرة على إقناع المشاهد من الصورة المصنوعة بالكامل داخل الحاسوب، لذلك فإن اختيارية لتصوير “الأوديسة” باستخدام أحدث تقنيات IMAX لا يبدو استعراضا تقنيا، بل محاولة لمنح الأسطورة ملمسا واقعيا، وكأنها حدث يمكن أن يكون قد وقع فعلا.
هذا الرهان يعكس فلسفة أعمق.. فكلما اقتربت الصورة من الواقع، أصبح من السهل على المتلقي أن يرى نفسه داخلها، لا أن يكتفي بالإعجاب بها.
الأوديسة… فيلم عن حاضرنا
قد يظن البعض أن العودة إلى نص كلاسيكي هي نوع من الحنين إلى الماضي، لكن الحقيقة قد تكون عكس ذلك تماما، فالأعمال الخالدة لا تعيش لأنها قديمة، بل لأنها تستطيع أن تفسر الحاضر كلما تغير الزمن.
اليوم، يعيش ملايين البشر تجارب تشبه رحلة أوديسيوس، لا بسبب البحار أو الوحوش، بل بسبب الحروب، والهجرة، والنزوح، وفقدان الأحبة، والبحث عن مكان يشعرون فيه بالأمان، ولهذا فإن الأوديسة لم تعد قصة رجل يعود إلى بيته، بل قصة الإنسان الذي يحاول أن يعثر على ذاته وسط عالم مضطرب.
من هذه الزاوية، يبدو اختيار نولان لهذا النص موقفا ثقافيا بقدر ما هو قرار سينمائي، إنه يذكرنا بأن التكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، لا تستطيع أن تلغي حاجة الإنسان إلى الحكايات الكبرى التي تمنحه معنى لوجوده.
من البطل الملحمي إلى الإنسان الهش
كثيرا ما احتفت الملاحم القديمة بصورة البطل الذي لا يقهر، لكن القراءة الحديثة لم تعد معنية بهذه الصورة بقدر اهتمامها بالإنسان الذي يختبئ خلفها، فمنذ نيتشه، لم تعد البطولة مجرد قوة جسدية، فقد أصبحت قدرة على مواجهة العبث، وعلى خلق معنى للحياة رغم الألم. أما ألبير كامو، فقد رأى أن الإنسان الحقيقي ليس من ينتصر دائما، بل من يواصل السير رغم إدراكه أن الطريق لا يقدم ضمانات، ولعل أوديسيوس، في هذا المعنى، يشبه سيزيف أكثر مما يشبه المحاربين المنتصرين؛ فكلاهما يواصل الرحلة لأنه لا يملك خيارا آخر.
هنا تتقاطع الفلسفة مع السينما، فإذا اختار نولان هذا المنظور، فلن يكون فيلمه عن الأسطورة بقدر ما سيكون عن الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي يعيش وسط عالم سريع، مضطرب، ومليء باليقين الزائف، لكنه لا يزال يبحث عن سؤال بسيط: أين يمكن أن أجد نفسي؟
قد ينجح فيلم “الأوديسة”، وقد يثير الجدل، وربما ينقسم حوله النقاد كما انقسموا حول كثير من أفلام كريستوفر نولان، لكن المؤكد أن مجرد عودة مخرج بحجمه إلى نص يؤسس لذاكرة الحضارة الإنسانية يكشف أن السينما ما زالت قادرة على محاورة الأدب، وأن الأساطير لم تفقد صلاحيتها، ولكنها تنتظر فقط من يقرأها بعين جديدة.
.……………….
*كاتبة من المغرب








