محمود عماد
في الآونة الأخيرة ارتبطت الكوميديا، بشكل ما، بالابتذال، وشعر صناع الأعمال الفنية أنه يجب أن تتمحور الأعمال حول شيء مبتذل، يتكون من مجموعة من الإيفيهات أو التنمر فقط. وتحجج الصناع بأن هذا ما يرضي الجمهور، وهو ما يجلب النجاح والإيرادات.
لكن هذه الفرضية تصبح شديدة الهشاشة عندما نتعامل مع فيلم “برشامة”، تأليف خالد دياب وشيرين دياب وأحمد زغبي، وإخراج خالد دياب، وبطولة مجموعة كبيرة من النجوم مثل هشام ماجد، ريهام عبد الغفور، باسم سمرة، مصطفى غريب، حاتم صلاح، وغيرهم.
يقوم الفيلم على واحدة من أكثر القضايا إثارة في مجتمعنا: امتحان الثانوية العامة. لكننا هنا لسنا أمام استحقاق تعليمي عادي، بل امتحان لطلاب المنازل؛ وهم ليسوا طلابا تقليديين، وإنما أشخاص فاتهم قطار التعليم الطبيعي.
في لجنة الامتحان، تتجمع الشخصيات في مدة زمنية واقعية تقارب زمن الامتحان نفسه. تضم اللجنة أطيافا من شخصيات شديدة الاختلاف، وكأنها مجتمع مصغر.
نجد عبد الحميد/هشام ماجد، الذي نجح من قبل في الثانوية العامة وحصل على مجموع مرتفع، لكنه يريد دخول كلية الهندسة. وفاتن/ريهام عبد الغفور، الراقصة التي تسعى للحصول على الثانوية العامة لتترك مهنتها، حتى لا تعاير بها ابنتها مستقبلا.
وحليلة/مصطفى غريب، ابن العمدة/باسم سمرة، الذي يجب أن يحصل على الشهادة كي يرث العمودية، ولا تضيع من بيتهم. وهناك أيضا زينب/فاتن سعيد، التي تريد استكمال تعليمها، لكن أخاها يرفض ذلك ويحاول تزويجها.
وإنعام/عارفة عبد الرسول، السيدة التي ترغب في الشهادة من أجل زيادة المعاش. بالإضافة إلى حجاج/حاتم صلاح، المجرم الذي يتخذ من الامتحان خطوة ضمن خطة هروبه الكبير من السجن.
كل هذه الشخصيات تختلط ببعضها في فضاء صغير، ليصبح مصيرها مرتبطا خلال مدة محدودة. وتتضح هذه الحالة عندما يتعرض مراقب الامتحان/كمال أبو ريا لأزمة قلبية، فيسقط ظنا منهم أنه مات. هنا يصبح المصير واحدا بين إبلاغ الإدارة، أو الانتظار حتى نهاية الامتحان لضمان النجاح.
يتجمع أفراد اللجنة فيما يشبه الحلف، راغبين في انتظار نهاية الامتحان، وانتهاز الفرصة لتغيير حياتهم. كل منهم مستعد للمحاربة، والتنازل عن أي مبدأ، في سبيل إحراز “النصر” في امتحان قد يحقق له صعودا اجتماعيا أو ماديا.
يتمرد عبد الحميد على هذا الحلف؛ فهو الوحيد الذي يريد أن تسير الأمور بطبيعتها، ربما لأنه لا يملك نفس الدافع الوجودي لباقي الشخصيات. فقد سبق له النجاح، وما يسعى إليه الآن هو مكسب مؤجل، لا فوري.
يحرك عبد الحميد وازعا دينيا؛ إذ يرفض الغش، بل ويرفض حتى لمس ورقة الامتحان، لاعتقاده بعدم الطهارة، نظرا لاحتواء الامتحان على آيات قرآنية وأحاديث نبوية. ورغم أنه قادر على الحل، فإن هذا الاعتقاد يمنعه، وهو اعتقاد يمكن لأي رجل دين بسيط تفنيده، لكنه يتمسك به. يبدو ذلك انعكاسا للتدين الشعبي الذي يصبغ المجتمع المصري.
عندما يتأكد الجميع من عجزهم عن الحل، تتحول المهمة من محاولة إسكات عبد الحميد إلى محاولة دفعه للحل نيابة عنهم. يتمسك كل طرف بشرعية موقفه؛ فالفريق الذي يريد الغش يرى في ذلك منفعة، بينما يراه عبد الحميد حرامًا. يحاول هذا الفريق إضفاء مسحة من الخير على فعلهم، لكن عبد الحميد لا ينشغل بذلك.
يحاول العمدة، والد حليلة، مساعدتهم، بالتعاون مع مدير أعمال فاتن، وأحد أولياء الأمور. يسعون جميعا إلى شرعنة فعلهم، وكأن عملية الغش يجب أن تتم داخل إطار أخلاقي مزيف.
في النهاية، نكتشف أننا كنا أمام شكل من أشكال الإيهام؛ فالمراقب لم يمت، بل أصيب بنوبة قلبية وتعافى منها، ليعود الفيلم إلى لحظته الأولى، وكأن شيئًا لم يحدث.
هنا تحديدا، ومع عودة المشهد كما كان، يقرر عبد الحميد الإمساك بورقة الامتحان وحلها، متخليا عن وازعه الديني، ربما لأنه لم يعد هناك مفر.
لكن في النهاية، يؤكد عبد الحميد أن محركه لم يعد مجرد تدين ظاهري، بل وازع أخلاقي أعمق، حين يضحي بورقته المحلولة ويمنحها لفاتن كي تنجح. ينتصر عبد الحميد، بإرادته، لفكرة أخلاقية جوهرية، وهو ما يعكس تطور الشخصية خلال رحلة الفيلم.
ومن هنا يمكننا فهم الفيلم على أنه يحول هذه اللجنة إلى إسقاط على مجتمعنا الأكبر، الذي تفشى فيه الفساد والغش، ويحاول أفراده صبغ هذا الفساد بنوع من الشرعية التي تريح الضمائر. لكن حتى الأفراد المتمسكين بالقوانين، يبدون أحيانا أسرى للنصوص على حساب روحها.
يمكن القول إن من أبرز عناصر تميز “برشامة” هو السيناريو والحوار الجيد، المرتكزان على قصة درامية تحمل تقلبات واضحة، ورحلة وتطورًا للشخصيات، مع لمسة كوميدية طاغية.
ويقدم الحوار هذه الكوميديا بخفة، دون ابتذال، مع منح كل شخصية مساحة كافية للحضور دراميا وكوميديا.
يمزج الفيلم بين كوميديا الموقف المصنوعة بحرفية، وبعض الإيفيهات المضحكة، التي قد تنجح أحيانا أكثر من غيرها، لكنها تظل بعيدة عن الحشو بلا غاية.
جاء الأداء التمثيلي خفيفا ومناسبا لطبيعة العمل، ونجح فريق التمثيل في تقديم أدوارهم بشكل جيد. أثبت هشام ماجد قدرته على قيادة بطولة جماعية، بينما أكد كل من ريهام عبد الغفور وباسم سمرة قدرتهما على التلون.
كما نجح مصطفى غريب وحاتم صلاح في تثبيت أقدامهما ككوميديانات حقيقيين. بشكل عام، نجحت البطولة الجماعية في خلق روح مميزة أضافت للفيلم ثقلا واضحا.
وجاء إخراج خالد دياب جيدا إلى حد كبير، خاصة مع الاعتماد على مساحة مكانية محدودة، مع الحفاظ على إحساس بالواقعية دون تكلف.
أخيرا، قدم صناع فيلم “برشامة” عملا كوميديا خفيفا وظريفا، بعيدا عن الابتذال أو الإيفيهات الرخيصة، ونجحوا في إضحاك الجمهور بأسلوبهم الخاص، مقدمين عملا يمزج بين كوميديا الموقف ودراما القصة.
ولم يقتصر نجاح الفيلم على مستواه الفني فقط، بل انعكس ذلك أيضا على شباك التذاكر، حيث حقق إيرادات مرتفعة، مقتحما قائمة أكثر الأفلام تحقيقا للإيرادات في تاريخ السينما المصرية، مؤكدا أن الكوميديا يمكن أن تنجح دون ابتذال.









