“حواديت تقفز من الدولاب”.. الصراع بين السارد العليم وذاته

(استعادة الذكريات ومواجهة الزمن)

سمير الفيل

أيمن مصطفى الأسمر

“حواديت تقفز من الدولاب” هي متتالية قصصية، صدرت طبعتها الأولى عن دار العين للنشر 2026م للكاتب المصري / سمير الفيل.

 يستشهد سمير الفيل في بدايتها بنص قصير للكاتب والشاعر الأرجنتيني / خورخي لويس بورخيس.

(كنا مستغرقين في استنطاق الخلود، تاركين الظلام يهل من دون أن نشعل المصباح.)

إذاً، فالكاتب وقصصه يطاردان الخلود، ويسعيان لاستنطاقه، لكنهما غافلان عن زحف الظلام وابتلاعه للحياة نفسها، فلم يشعلا مصباحاً لتبديده، أما الإهداء:

(إلى روح أبي العائش في انتظار نداء النور.

إلى الخيال الذي أزاح الواقع لفسحة قليلة.

لكن الأخير يمسك تلابيبي ويأخذني ناحيته.

للزمن المخاتل: هناك حكايات قادمة ستمنح روحي السكينة؟!)

يتشبث سمير الفيل في قصصه – كما يوحي الإهداء – بروح أبيه العائش الذي ينتظر نداء النور، وهي محاولة أخرى لمطاردة الخلود واستنطاقه، وبالخيال الذي يحاول إزاحة الواقع ولو لبرهة قصيرة، لكن الواقع يجذبه إليه بقوة، أما الزمن فيخدعه ويتسرب من بين يديه، لكنه يتحداه – في مواجهة قد تكون أخيرة – بحكايات يرجو أن تمنح روحه السكينة.

تُفتتح المتتالية القصصية بنص يحمل عنواناً دالاً هو “مفاتيح”، ويمثل النص بالفعل مفاتيح تحاول أن تعالج أقفال المتتالية بأكملها.

إذ يعرض الإنسان/الكاتب فيه رؤيته، ويمنح القارئ خريطة طريق تساعده على الإبحار بين قصص المتتالية.

ويظهر في تلك المفاتيح الصراع جلياً بين الإنسان/الكاتب – أي كاتب – مع:

حياة السأم والانتظار* – الطرق الوعرة* – تهالك الجسد* – نصوص استهلكتها القرون* – ظلال شجر بائس بلا أغصان* – زمن صعب يتحرك بقسوة، وعنف، وإصرار*.

ويسعى الكاتب إلى:

روح تتحرر من الثقل الأرضي* – البحث عما وراء الحبر* – بلوغ القليل من المجد* – استعادة سحر الأنثى الغائب منذ سنين*.

لا يتبع نص “مفاتيح” القواعد المألوفة لكتابة القصة، ولا يمكن اعتباره كذلك، لكنه يتكون من 15 مرقومة، تستكشف طرقاً مختلفة للخلاص والتحرر، وتمهد لما هو آت.

ينتقل الكاتب مباشرة من “مفاتيح” إلى “الدولاب”، وهو نص يصف الدولاب ومحتوياته، التي تعود أغلبها إلى زمن الأب والأم.

(فتحت عيني على دولاب قديم، في ركن من حجرة النوم الكبيرة. الحجرة التي كان ينام فيها أبي قبل أن يموت، وفيها تعيش أمي مع ذكرياتها.

دولاب كبير بأربع دُرَف، وفي الواجهة مرآة كبيرة تواجه من يفتح الدولاب بمقابض النحاس الأصلي.

مع الوقت تحول الدولاب من مكان لحفظ الملابس إلى صندوق للأشياء التي لا تُستخدم إلا نادراً.)

لكن النص لا يكتفي باستعادة أحباب قد رحلوا، أو ذكريات يُحنُ إليها، بل يمكن تشبيهه بهيكل عظمي لحياة كاملة، كانت ذات يوم مزدهرة.

(دفتر مصفر الصفحات به صور بالأبيض والأسود، وأغلب الصور أصحابها يضحكون، ويلوحون للعدسة في حبور.)

ثم إن النص يعدنا بما سوف يأتي.

(على بركة الله تبدأ جولتي بالدولاب. مرة أمد يدي لأحضر حكاية، ومرة تقفز “الحدوتة” بلا مقدمات من “قلب” الدولاب الذي شاركني طفولتي البريئة، وشيئاً من مخاوفي، وباقة ورد من “القرنفل” باللون الروز.)

إذاً هو أولى حبات عقد السرد، تلك الحبات التي ستقودنا على مهل في:

(طريق نعلم بدايته، وتغيب عنا نهايته.)

لم يكف سمير الفيل في معظم مجموعاته القصصية عن العودة إلى سنوات التكوين الأولى، سنوات الطفولة والصبا، حيث يكتشف الصبي الصغير ابن الخامسة “سامي” صعوبة الحياة، ووطأة فقد الأب الأسطى مصطفى، وخشونة الجدة فهيمة، وقلب الجد توفيق الطيب، كما يستعيد – كثيراً – حكايات الحب الخائبة.

 وتمثل حبيبات الطفولة والصبا المفقودات ركناً أساسياً ومتكرراً في كتابات سمير الفيل، معهن اكتشف الحياة، وعرف الحب والصداقة، واقتسم الأمل والألم، وسنكتفي بالتعرف على واحدة من تلك الرفيقات العديدات، وما شهدته علاقة الطفل “سامي” بها من تغيرات فرضها تقدم الزمن، وتراكم الخبرات، وقسوة الناس والحياة.

فُلَّة:

هي إحدى حبيبات الطفولة الأثيرات، في نص “سكر وليمون”، تطالعنا المشاهد التالية.

(أمر على البنت فلة في محل أبيها عطوة المكوجي.

تخرج إلي، تقول لي بنبرة حزن:

– شعري منكوش. كيف يصبح شعري بملمس الحرير؟

أستغرب أن يكون هذا تفكيرها، فهي صديقتي، بيننا أسرار، ومواقف لا يعرفها سوانا. نتبادل القصص، يُقرض بعضنا البعض قروشاً، وصوراً ملونة لأبطال الأفلام، وطوابع بريد.)

ويخاطب الطفل صديقه الكلب.

(- أنا أحب السكر والليمون، وأحب البنت فلة، وأحبك أيها الكلب.)

أما في نص “شقائق النعمان”، ورغم ذلك الحب والارتباط بفلة، إلا أنه ببراءة الطفل – أو سذاجته – يفضي إليها باعتراف لا يحسب وقعه جيداً عليها.

(قلت لفلة: إنني اشتريت زهرة وأهديتها إلى ليلى، لكنني سأهديك قلبي.

نظرت ناحيتي وهي تتبرم: أرني قلبك إذن.

كشفت الهدوم، لم أتمكن من انتزاع قلبي، لكنني مكنتها من سماع دقاته بأذنيها.

– قلب مخادع؟!)

تدفع غيرة الأنثى الكامنة داخل نفس الطفلة فلة أن تطلب منه زيارة المقابر، وتطلب أن ترى قبر عائلته، فنتابع مشهداً درامياً بامتياز.

(تراجعت فلة إلى الخلف خطوتين. هتفت بي وهي تمسح دموعها:

– يارب تموت!!)

وفي نص “شمعة.. تنور السلالم”، يلتقي الطفل بقرينه من الجن، فيستحثه النطق بما يريد.

– اطلب.)

(سباطة موز، وطبقا به تفاح، وثمرتي أناناس، وهات البنت “فلة” لتأكل معي؟!)

أما عن نص “قلم الأبنوس”، فنتعرف على بعد جديد من أبعاد شخصية فلة.

(ذهب وبقي قلمه في الدولاب إلى جوار قلم رصاص كنت أشرح به طبيعة الخرائط للفتاة التي كانت ترسم فراشات بديعة، تطير حالما لونت أجنحتها. إنها “فلة” التي لم يخلق مثلها في البلاد.)

(جاءت “فلة” وأعطتني نصف رغيف “قشفة” بالفول المدمس وكان بيدها زيتونة خضراء، أبقتها لنفسها، وضعتها في فمها الصغير الدقيق وراحت تلوكها ثم رمت البذرة.)

وفي نص “عود بخور جاوي”، يصبح الطفل الصغير شاباً فتياً، وتتبدل الأحوال ببطء.

(هذا العراء الفادح والنزعة الفطرية التي لا تقاوم. “فلة” لم تعد ترسم فراشات ملونة بل راحت ترسم أسماكاً في قلب البحر، وأصدافاً مغلقة.)

لكن الطفل يخفي أحياناً بعض أسراره عن حبيبته فلة، في نص “دهاليز الرقم أربعة”.

(لا تعرف “فلة” شغفي بالرقم الساحر، المسحور، ولا يعلم صديقي مجدي الحلو بتعلقي الشديد بالرقم الذي يمكنه أن يشكل أربع زوايا بأربعة أضلاع.)

وفي نص “عين سمكة”، نتعرف على التمزق بين ليلى وفلة حتى في الرؤيا.

(أظنها رؤية: ليلى تمسك بيدي، ونتخطى النيران بصعوبة، نجلس على مقعد من الرخام، ثمة طيور تغرد، يقفز قرد كثيف الشعر له وجه نبهان الضرير، تمد يدها لتبعده برفق، يصمم على مزاحمتنا في المقعد. لم أجد وسيلة سوى أن نخطي ثانية من فوق النار؛ لنبحث عن مقعد آخر. أجد “فلة” في مواجهتي، تغمض عينيها لتؤكد لنفسها أنها لا تراني.)

“سندوتش فول.. سندوتش طعمية”، بعد حرب 1967 وقسوة تبعاتها على أحوال الناس والبلاد، ينضج الشاب قليلاً ويخطو خطواته الأولى في مجال الإبداع الأدبي، وتجمعه ندوة أدبية ذات يوم بكل من أنيس البياع، وعبد الرحمن الأبنودي، وإبراهيم رجب، ويتناولون سندوتشات الفول والطعمية بأحد مقاهي المدينة، وتدرك فلة ما طرأ عليه من تغير.

(قالت لي “فلة”، وهي تزورني ذات مساء:

– لماذا لم تعد تتكلم؟

كنت قد دخلت مرحلة الصمت، وتأمل تفصيلات الصورة ذات اللونين: الأبيض والأسود، تشير إلى صرة الميدان. وهيبة التي فقدت ابنها شاباً قبل أن يدخل دنيا، كلما مر في الشارع الرئيسي جنازة شاب تتقدمه موسيقى الملجأ، تنوح وتصوت، وتحرك شالاً أسود حول رقبتها، وجهها متغضن، والبكاء بلا دموع.

سألتني أن أتكلم، فحركت رأسي رفضاً، جريت من أمامها وعبرت الكوبري الحديدي، وذهبت إلى منطقة السكة الحديد. آخر صدادة لقطار القاهرة القادم بركابه المنكسرين.)

“ثلاث بنس شعر”، يواصل الزمن زحفه ببطء، ويفرض المزيد من التبدل على دواخل الشخصيات.

(أخذت البنس السوداء وضعتها في حق داخل الدولاب، أختي نفسها لا تعلم بهذا الأمر، ولا فلة التي كبرت ولم تعد تبوح لي بأحلامها.)

ثم يصل الزمن بنا إلى محطته الأخيرة في نص “أغنية حفار القبور”.

(قالت لي فلة حين رأيتها بعد أن صارت جدة:

– ليتنا لم نغادر عتبة الطفولة!)

والأمر لا يقتصر على فلة التي اتخذناها نموذجاً، فهناك نادية التي خانته، وليلى التي أهدته صورة لأزهار شقائق النعمان، وإحسان التي تخطف منه قبلة في المطبخ، وعواطف التي أهدته ساعة، وحسناء التي حضر حفل زفافها ولمس طرحتها، والتي وُضعت في قفص خرساني اسمه: بيت العدل، ومروة التي قبلها في حقل الباذنجان بقرية “غيط النصارى” عند أقدام البحيرة، وكثيرات غيرهن.

مع تقدم قصص المتتالية القصصية – حبات عقد السرد – نستشعر صراعاً متصاعداً بين السارد العليم وذاته، بل إن هناك نصاً يحمل عنوان “مكائد السارد العليم”، حيث يواجه الكاتب ذاته، ويواجه مراحل تطوره المختلفة كسارد.

ولا يمكن هنا اقتطاع فقرات من النص، فالنص يجب أن يُقرأ كاملاً، لكي نطلع بوضوح على الصراع الخفي/العلني بين السارد وذاته، وهو صراع يزيده مرور الزمن، وتراكم الخبرات، وسلوك طرق مختلفة للكتابة حدة واشتعالاً.

لكنه في نهاية الأمر صراع تحت السيطرة، حيث يستعرض السارد حياته ومسيرته، مستحضراً أماكن بعينها، مثل ورشة الموبليات، ومقبرة الأب، وسينما “اللبان”، ومقهى دعدور، وغيرها من الأماكن.

ويستحضر شخصيات بعينها، مثل “هدهد” تاجر الروبابيكيا، والشاعر محمد النبوي سلامة، وحسن سعد “والد مروة”، والخال وهبة والخال أحمد والجدة وحيدة لبن، وصديق الطفولة محمد علوش، والشاعر حلمي سالم، وغيرهم.

كما يستحضر أحداثاً بعينها، مثل ذهابه إلى النيل ليصطاد بالسنارة، والهزيمة التي كسرت الظهر، وابتهاجه بمعركة أكتوبر 1973 رغم ثغرة الدفرسوار ومفاوضات الكيلو 101، ومظاهرات الخبز في 18 و19  يناير 1977، وغيرها من أحداث وصولاً إلى قتل وتدمير وهدم قطاع غزة بالكامل بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.

يقودنا الكاتب في نصه الختامي “النهايات” إلى نهاية الطريق.

(لكل شيء في الوجود بداية ونهاية. نحن نعرف البدايات، وأحياناً نشاهد النهايات، وتكون لغيرنا: الأهل، الجيران، زملاء العمل، رفاق السلاح، دفعة التخرج، وهكذا.)

        يستعد الإنسان/الكاتب للرحيل: يقف في البلكونة المطلة على الشارع*، يتأمل السائرين*، يحاذر الوقوع في حفر لعينة لا تُرى مطلقاً*، تبتلع الشخص بأحلامه، بتوسلاته، ببكائه*.

        ويسلك مسارات أغلبها يفضي إلى تصالح مع الآخر أو نفور منه*، ويتساءل عن مصير الكتب المرصوصة في حجرات النوم والسفرة والصالون*.

        والدولاب الخشبي العتيق هو نفسه دولاب الحياة، لا يمثل للآخرين أي شيء*، لكنه بالنسبة للكاتب مخزن للذكريات*، وجزء من عالم مغلق على ذاته*.

        وفي “السوالم”، حيث يزور فكري داود، يروح عن النفس ويتنفس هواء طازجا*. ويستعيد لمرة أخيرة ذكرى حبيباته الضائعات.

(على طول رحلتي مع الحياة وجدت أن قصص حبي لفتيات حسناوات انتهت بالصمت أو التواري أو الاختفاء. كأن كل شيء جميل مصيره الفناء.)

ويترقب الموت، مات جدي ومات شقيقي عابد*، وماتت شقيقتي فريدة*، وجدت ضالتي في تلك الحفرة التي تبتلع الأجساد*.

(- ليتك تلحق بنا!)

أو أمام مسجد عمرو بن العاص، حيث يلحق به حلمي ياسين.

(- الدوام لله. أنت مت؟!)

ثم يصدر الإنسان/الكاتب حكمه على من يمتهنون مهنة الكتابة.

(يا ويل الكُتاب من أسرار نصوصهم؛ ففيها سحر ورقة وجمال، يزاحمه إحساس قوي بالفقد الشامل.)

خاتمة:

لا يزال سمير الفيل يناور في كل عمل إبداعي جديد يقدمه لنا، فمهما تنوعت مساراته الإبداعية، واختلفت أساليبه، وسلك قلمه طرقاً مختلفة من التجريب، إلا أنه لا يغادر أبداً عوالمه الأثيرة، فتظل شوارع مدينته، ودكاكينها، ومقاهيها، التي دعكته منذ طفولته المبكرة، أرضاً خصبة لكتاباته.

ويظل أهلها الذين يعرف عاداتهم وخباياهم، وحبيباته اللاتي ما فتئ يذكرهن، رغم كل ما عرفه معهن من خيبات، حاضرين بقوة في تلك الكتابات.

غير أنه مع مرور الزمن، وتقدم العمر، وتراكم الخبرات، وتشبع النفس بتجارب الحياة، الحلوة منها والمرة، يكتسب الكاتب زخماً وجرأة، يمنحان حكاياته وشخصياته القديمة/الجديدة أبعاداً أكثر عمقاً، فتجعل منها نماذج قصصية جديرة بالقراءة.

بل يمكن النظر إلى المتتالية القصصية “حواديت تقفز من الدولاب” كحلقة متطورة من سلسلة أعمال سابقة لنفس الكاتب، تتكون من مجموعات قصصية عديدة، ترصد وتوثق – ولكن بشكل إبداعي – ما طرأ على مدينته وأهلها من تغيرات، بعضها بفعل الزمن، وبعضها بفعل البشر أنفسهم.

        لكن نصوص تلك المتتالية لا تكتفي بذلك، بل إنها تستعيد الذكريات، وتواجه الزمن، وتسعى إلى الخلود.

………………………………….

ـ ما بين الأقواس مقتطفات من الكتاب.

* جمل ومقتطفات من الكتاب “بتصرف”.

 

روائي وقاص مصري صدر له: ـ الوقوف على قدم واحدة "قصص" ، الهيئة العامة لقصور الثقافةـ 2000 ـ التحولات "رواية"…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع