د. حمدي هاشم
استجابة للثقة بعد زهد في التكليف
يتصل بي عادة ليدعوني إلى مناسبة ثقافية عالية المستوى، في اتحاد كتاب مصر، المجلس الأعلى للثقافة، الجمعية الفلسفية المصرية، والجمعية التاريخية أو غيرها. أما هذه المرة، فقد تملكه حماس غير معهود، في الحديث عن كاتبة إماراتية، كاشفاً مشتركات ذاتية تجمعني بها، التخصص في دراسة البيئة، والهواية في التصوير الفوتوغرافي، ويرى أنني الشخص المناسب لمناقشة عملها الجديد “الببغائية”! مستنداً إلى خبرتي الممتدة لسنوات في كبرى الشركات الاستشارية الهندسية، الأقرب لمسرح هذه الرواية المهنية، وأنهى حديثه بجملة تحفيزية: يا دكتور، كتابك جغرافية نهر الحياة وحده يصنع الفارق! قلت: هذا لا يكفي ولا يلبي معايير اختيار المناقشون المحترفون ـ وهم كثر في مصر والعالم العربي ـ يحملون مسؤولية تهذيب ذائقة القراء، وتمكين الروائيين من شحذ أدواتهم التعبيرية والجمالية. قال بفراسة صادقة: كفايتك تؤهلك تماماً لهذه المهمة! واضطر صاحبكم للموافقة بهزة رأس صامتة، رغبة منه في مهادنة ذلك الشعور الإنساني الطاغي! وتلقيت منه اتصالاً بعد ثلاثة أسابيع ليؤكد الاستقرار على مناقشة الرواية، وتسليمي نسخة منها، في مقر الجمعية التاريخية (مدينة نصر)، وصادف السبت الجمعية مغلقة، وذلك قبل سبعة أيام من موعد المناقشة، إنه الأستاذ الدكتور “حسين صلاح الدين البنهاوي”، القامة الأكاديمية والباحث والمترجم المصري القدير.
أخبرني بميعاد الفاعلية، مساء الخميس 29 يناير 2026، معرض القاهرة الدولي للكتاب ـ مركز مصر للمعارض الدولية، التجمع الخامس، قاعة حفلات التوقيع، مبنى بلازا 1. وتلقيت اتصالاً قبل الموعد بقليل، لتأخري عن الحضور المبكر، وكان السبب هبوط أرضي مفاجئ تزامناً مع انفجار خط مياه رئيسي، المتصل بتخطيط البناء في الصحراء دون دراسات معمقة! حيث تم نقل مركز المعارض من مدينة نصر إلى مقره الحالي بالقاهرة الجديدة، في محيط العاصمة الإدارية، وصادف اليوبيل الذهبي لانطلاق المعرض الدولي للكتاب (1) (يناير 2019)، وقد صاحب عملية النزوح هذه، حالة واسعة من الجدل! وتسبب هبوط التربة يومها في ارتباك مروري واسع، واحتجاز زوار المعرض في منطقة ضيقة، واختار سائق التاكسي تغيير المسار مطارداً الوقت، ونجح في توصيلي عند المتاريس (حواجز حديدية مؤقتة) تسمح بدخول الأفراد دون السيارات، لأترجل مسرعاً نحو البوابة، وصولاً إلى المبنى الرئيسي ذو الفضاء المعماري المتميز، وبالسلالم المتحركة للدور العلوي، لأجد القاعة لم يغادر منها أحد من حفل توقيع قبلنا، شعرت حينها بالأقدار تمهلني بمهادنة الوقت قليلاً! وتظهر الصورة المرفقة مشهد المنصة، من اليسار إلى اليمين، الدكتور حسين البنهاوي لتقديم “الببغائية”، الدكتورة مريم الشناصي، وصاحبكم لمناقشة الرواية.
صانعة المحتوى الأدبي
لا يزال يرتبط اسم الدكتورة “مريم حسن الشناصي” (منذ نعومة أظافرها) بحماية البيئة، وهي اليوم أستاذة جامعية، مسؤولة حكومية إماراتية، كاتبة، ورئيس تنفيذي دار الياسمين للنشر (الشارقة)، وتعد “الببغائية” أول إصدار روائي لها يناقش البيئات الوظيفية (دار هلا للنشر والتوزيع، الجيزة، ط 1، 2025، حقل الإدارة والتنمية البشرية). ولم تكن “الببغائية” مجرد إطلالة روائية أولى لكاتبة أثبتت قبلها جلداً (2) في ترويض الخيل وتحدي الصعاب! لأكتشف أن للسردية عدسة ذكية من شغف الكاتبة بالتصوير الفوتوغرافي، واستعارة مجهر رقمي متطور، من معملها في مجال الميكروبيولوجيا البيئية، وتوظيفها كل الخبرات العلمية والعملية والمهنية في تحليل البيئة الداخلية والخارجية للمؤسسة (مسرح الرواية)، بما في ذلك السلوك الإداري متعدد الخلفيات، الاجتماعية والنفسية والعلاقات الإنسانية، وضبطها لإيقاع منظومة العمل (المواءمة الاستراتيجية، تكامل الأنظمة، إدارة التطبيقات والعمل، والحوكمة والرقابة، وغيرها)، واقتراحها حلولاً جذرية للمشكلات في بيئة المؤسسة. وأجدها من كثرة الأدوات الفنية ومحاكاة الفكرة قد نسيت تلسكوباً للبحث عن هذه الظاهرة الإدارية في الفضاء الخارجي! وقد اقتحمت “الببغائية” بذلك حقلاً سردياً شحيحاً وهو الرواية المهنية.
جغرافية الإبداع
بناءً على الاستجابة للثقة بعد الزهد في التكليف، كما تقدم، قبلت هذه المهمة النقدية (الحديثة) بالاعتماد على خبرة مهنية طويلة في العمل المؤسسي والنشاط المتواصل في المجال العام، وإن كان الصدى المجالي لا يؤهلني للنقد الروائي! وقد خففت عن كاهلي ثقل هذه المهمة، من المقاربة الوثيقة والتقاطع الكبير بين النقد الفني (الأدبي) للرواية ومناقشة الرسائل الأكاديمية، لأن أحدهما يغذي الآخر، والاختلاف بينهما في الغاية والأدوات والجمهور المستهدف. ورغم هذا التسهيل النفسي أمام وعورة المهمة، أجدني كمن يحرث في أرض غريبة، أترنح على حبل مشدود بين ثناء الآخرين وقلقي الدفين من غياب الجذور الأكاديمية. غير أنني استعنت بما توفر لي من أدوات للإحاطة بالخطوط العريضة للموضوع، لتتشكل منها الركائز النقدية التي بنيت عليها قراءتي للرواية وتحليلها، وهي: مركب ظاهرة الببغائية، ليس للببغائية وطن جغرافي، من سلطة النص إلى دهاء التخييل، جدلية الذات والآخر في الرواية العربية المعاصرة، كيف تقرأ الرواية جغرافية الببغاوات، الرمزية في أسماء الشخوص، الأنا البديلة للكاتبة، النقاب بوصفه قناعاً لكشف الأقنعة، الغنج بين الدلالة المحلية والانطباع المهني، تشخيص الداء أكثر من تقديم الدواء، والتحول من الرمز الروائي إلى المفهوم الإداري.
مركب ظاهرة الببغائية
تحاكي هذه الظاهرة الإدارية والمهنية طائر الببغاء بترديده للأصوات دون وعي بالمعنى، وربما تتقاطع مع “داء الببغائية”، مرض بكتيري معد ينتقل من الطيور إلى البشر، ويظل قادراً على نقل العدوى بين الطيور، ولكن تظل ظاهرة “الببغائية” بين المحلية والعالمية رهن باختلاف الثقافات بين الشعوب. وبحسب المعايير النقدية والأكاديمية الحديثة، تصنف “الببغائية” رواية مهنية متكاملة الأركان، ينهض معمارها الفني على التناغم التام والاندماج الكامل لأدوات السرد. وما يميزها فنياً إقصاء البعد الاجتماعي والأسري للشخصيات، والارتكاز الكلي حول كيان المؤسسة لتفكيك البيئات التنظيمية السامة، ومحاكمة قوالب التكرار والامتثال الخانقة للكفاءات. وهي صرخة أدبية عميقة ضد “طمس الفردية”، ارتباطاً بمعضلة الغربة الوظيفية، وخفوت ملكة النقد أمام عقلية مؤسسية جمعية بالدعاية المضللة وتزييف الوعي. بل تعدت السطح للغوص في اعتلالات الشخصية السيكوباتية، وتعرية النرجسية الكامنة في الموظف السام (السيكوباتي ص 171 ـ 179 الرواية)، لتكشف كيف تحيك الغيرة الوظيفية حبائلها لمحاصرة المبدعين، وتلتهم جهدهم لصالح النفعيين. وكذلك رصد الارتداد نحو الروتين البليد، حيث تتحور الحوكمة إلى بيروقراطية خانقة، تمتهن قمع التجديد وإقصاء المتميزين!
ليس للببغائية وطن جغرافي
يوظف النص المؤسسة الخليجية الكبرى كبنية صغرى لتشريح ظاهرة التبعية الفكرية والوظيفية، وهو ما يتيح مقاربتها عبر مرجعية النقد الثقافي. ورغم غياب التصريح المباشر، فإن النص يتجاوز المنظور الإداري السطحي ليصبح نسقاً مضمراً يفكك آليات البيروقراطية وسلوكيات الامتثال المهني. ويرتبط هذا الطرح ضمنياً بخلفية الكاتبة وجنسيتها، حيث يتحول الفضاء المؤسسي المحلي في روايتها إلى فضاءً دلاليا يكشف عن عوارض إنسانية أشمل، مبرزاً كيف تعيد البيئات المهنية إنتاج علاقات التبعية والاقتراب الذاتي. وبذلك يتجاوز النص جغرافية بيئة العمل الإماراتية بطمس المكان وتجهيله، تفادياً لإضعاف الهوية المحلية من جهة، وانتصاراً لعمومية الفكرة الإنسانية من جهة أخرى. ويمنح هذا التحرر من التحديد المكاني الرواية أبعاداً كونية عابرة للحدود، لتغدو البيئة المؤسسية نموذجاً تفسيرياً لآليات “المحاكاة الببغائية” وسلوكيا الامتثال أينما تخلقت أطرها البيئية. وهي إشكالية تحكمها خلفيات أخرى نتحرى أبعادها في موضع آخر.
إذن ليس للببغائية وطن جغرافي، لكونها ظاهرة سلوكية ومؤسسية عابرة للحدود، تتشابك مع بنية الأنظمة البيروقراطية وسيكولوجية الإنسان أينما وجدت. وأن كانت بعض الدراسات السوسيولوجية تعزو المجتمعات الشرقية ميلاً نحو الثقافة الجمعية على حساب الفردانية، فقد فكك علم النفس الاجتماعي الغربي “الببغائية المؤسسية”، وكشفت بعض التجارب في الامتثال كيف يتنازل الفرد عن وعيه ليجتر رأي الجماعة تجنباً للإقصاء، وفسرت دراسات أخرى، الطاعة بأنها انحراف الحوكمة لبيروقراطية مستبدة تحيل الموظفين إلى أدوات آلية، ممهدة الطريق للنفعيين لتمرير أجندتهم السامة وعزل الكفاءات (3). ويندرج نمط الببغائية في الغرب تحت فكرة “النمذجة والتعليب المؤسسي”، التي تعيد صياغة الأيديولوجيات والحلول بشكل آلي عبر البيروقراطيات والجامعات الكبرى دون النظر للأبعاد الإنسانية المتغيرة، بينما تتخذ الببغائية في الشرق شكل “عقدة التابع” أو الاستلاب، حيث تنسخ الأنظمة والسياسات الغربية حرفياً كصكوك حضارية جاهزة (4)، ظناً بأن محاكاة الشكل تعني بالضرورة امتلاك المضمون!
من سلطة النص إلى دهاء التخييل
هل تمركزت الكاتبة خلف قناع الرواية لتمنح نفسها مزيداً من الحرية؟ وتتسلل عبر وعيها الحقيقي في مواقف محددة، تلبية لنداء النص إلى صدق شعوري مطلق! وجاءت شخصية البطلة “ندى” المستشارة اللامعة، والمرأة الطموحة التي تؤمن بالكفاءة والإنتاجية، وتجابه بيئة موبوءة بالتردد والنميمة الإدارية، في هيئة قريبة الشبه بينها وبين أن تكون سيرة ذاتية للكاتبة، بحكم خلفيتها الأكاديمية ومناصبها القيادية السابقة (كوكيل وزارة ومستشارة حكومية)، التي استلهمت منها هذه الصراعات والظواهر الإدارية من واقع خبرة طويلة. وبذلك تتجاوز “ندى” في المتخيل الروائي التجسيد الواقعي للدكتورة مريم، لتتحول إلى قناع دلالي يختزل طاقات الإبداع المهني المقاومة لقوى الارتداد والبيروقراطية البالية داخل البنية المؤسسية.
قد يلتقط كثيرين من القراء، مقاربة بين شخصيتي الواقع والخيال الروائي، في حوار “عادل” المدير الجديد للمؤسسة مع “خالد” زميل الدراسة، حول طلبه “الرأي أو ترشيح مستشاراً لتطوير العمل المؤسسي ووضع الخطط الإستراتيجية وآلياتها والعمل على متابعتها وتنفيذها، وقادراً على فهم المتغيرات والاحتياجات والمتطلبات الواقعية! ص 32: “.. أردف (خالد): أتوقع أن (ندى) أفضل المرشحين فهي معروفة في المدينة التجارية لما تتمتع به من صدق في العمل ولها إنجازات عملية وفنية وتقنية، تحمل عدة درجات علمية وإدارية ومحاسبية.. حاصلة على شهادتي ماجستير: الأولى في إدارة الأفراد، والثانية في الكيمياء.. لديها خبرات ومهارات إعلامية وتسويقية، كما مارست العمل الإداري في أكثر من مجال وبلد، شعارها الجد والاجتهاد والمثابرة والعمل باحترافية وفق قواعد وأسس منهجية وسياسات إدارية واضحة.. تؤمن بأن الزرع يثمر يوماً ما…!” ويتصل ذلك بأثر هذه التقنية السردية، الذي قد يحمل ملامح من حياة الكاتبة.
جدلية الذات والآخر في الرواية العربية المعاصرة
يعود مصطلح “التخييل الذاتي” للناقد الفرنسي “سيرج دوبرو فسكي”، على الكاتب الذي يعيد صياغة أحداث سيرته الذاتية ضمن قالب روائي تخييلي يتيح له حرية التصرف بالوقائع والأسماء، ويتداخل هذا الطرح مع مقاربات النقد الغربي التي تتخذ من حياة المؤلف مفتاحاً لتأويل النص، كما يتقاطع ذلك مع ميثاق المنظر الفرنسي “فيليب لوجون” للسيرة الذاتية كعقد ضمني بين المبدع والقارئ في تحديد الحدود الفاصلة بين التخييل والواقع التاريخي (5). ولم يقف النقاد العرب عند حدود التلقي السلبي أو التطبيق الأعمى للنظريات الأدبية الغربية، بل ارتقوا بتعاملهم معها إلى مستوى الحوار الواعي والنقاش التفاعلي الخلاق. وبذلك انقسم هؤلاء النقاد إلى فريقين: الأول يرى أن أدوات النقد الغربي الحديث هي أفضل وسيلة لفهم طريقة بناء الرواية وتفكيك أسرارها، بينما يرى الثاني أن قيمة النقد تكمن في قدرته على إبراز الهوية المحلية، والعادات، والبيئة الخاصة بكل نص عربي. وتوصل النقاد إلى أن المناهج الغربية يجب أن تكون وسيلة إضاءة تكشف جمال النص، وليست قوالب جاهزة تفرض عليه وتلغي خصوصيته وثقافته.
يرصد صلاح فضل في الرواية العربية الحديثة تحولاً يتجاوز ثنائية الواقع والتخييل، نحو سردية جديدة تصهر المعيش بالمتخيل وتلغي الحدود الفاصلة بينهما، حيث يغدو هذا التمازج السردي تجلياً لوعي حداثي وتجريبي يفكك الميثاق السير ـ ذاتي الكلاسيكي الصارم. وهو يربط هذا النمط من التخييل الذاتي بلذة النص والمغامرة الجمالية، بوصفها إعادة إنتاج فنية للواقع عبر اللغة، تضاعف من الطاقة التأثيرية والوجدانية لدى المتلقي. وفي بعده السيكولوجي والمعرفي، يرى فضل في التخييل الذاتي استجابة نقدية وقلقاً وجودياً يكتنف المبدع، حيث تتحول الرواية المعاصرة إلى فضاء لاستنطاق خصوصية الذات وهويتها المتأزمة، في مواجهة سياق موضوعي متصادم ومتراجع، لتصبح الكتابة هنا أداة لمقاومة هذا التلاشي واستعادة التوازن المفقود (6). ومن جانب آخر، يتجسد البعد الإجرائي للتخييل الذاتي في مقاربة الناقد محمد الداهي لمتن محمد برادة الروائي (وتحديداً “صيف لن يتكرر”)، وصفه نموذجاً ريادياً يتكئ على المواربة السردية واستراتيجية الأقنعة الفنية، وهي آليات تتيح للمؤلف تفكيك المفهوم التقليدي للسيرة الذاتية، بغية صياغة فضاء حر لقول “ما لا يقال”، والانفلات من مقص الرقيب ومحاذير المساءلة القانونية والاجتماعية (7).
وعلى ذلك، تتجلى رواية “الببغائية” كأطروحة تطبيقية لافتة في المشهد الروائي، لاختيار الكاتبة الرواية المهنية وتكنيك القناع كآلية دفاعية تتيح لها تقديم سيرة مؤسساتية وتكاشف موضوعي يتملص من الخطر الاجتماعي والتشريعي المباشر. ومع أن “الببغائية” تلتقي مع تيار الرواية النقدية العربية من تعرية السلطة والفساد، إلا أنها تتمايز بخصوصيتها الميكرو ـ سياسية، حيث تشخص الأزمة داخل البيئة الإدارية والمهنية تحديداً، في حين تتسع الروايات الأخرى لنقد سسيولوجي وسياسي شمولي. وبذلك يصبح الخيط الناظم بين هذه التجارب هو السعي المشترك لتفكيك آليات القمع والجمود المؤسساتي التي تلتهم طاقة الإنسان وتقصي فاعليته الإبداعية!
وانطلاقاً من هذا، نلاحظ صلاح فضل يشيد ببراعتها في تصوير أجواء العمل والوعي المؤسساتي، لكنه يؤاخذ عليها غياب تعدد الأصوات (8)، إذ يطغى عليها صوت واضح. ويأتي محمد الداهي ليمنحها تفسيراً ذكياً لهذا الغياب، فهو يرى في بطلة الرواية “ندى” وجهاً آخر للكاتبة نفسها، تعبر من خلالها عن رؤيتها الإدارية. وعليه يشرح لنا هذا التداخل بين الواقع والخيالي لماذا شعر القارئ بتضخيم شخصية “ندى” واستئثارها بالمشهد، لقد تحولت من مجرد شخصية في قصة إلى مركز ثقل يسيطر على مجريات الأحداث، مما أضعف حضور بقية الشخصيات وأفقد السرد حياده.
كيف تقرأ الرواية جغرافية الببغاوات
استخلصت الرواية عناوين بلغت (48) على ثلاثة مشاهد رئيسية: السجل الإداري (20)، وهبت رياح التغيير (19)، ثم الصدمة والتساؤلات (9)، وكل منها تبلوه إداري في السرد الأدبي لمطورة إدارية متميزة. وخلال هذا المتن (342 صفحة) ورد ذكر “الببغائية” أكثر من ثمانين مرة (صريحة وليست ضمنية)، ومنها نص قد يفسر لنا حقيقة هذه الظاهرة الإدارية، ص 294 ـ 295: “.. الاحتراق يأخذ مكانه في المؤسسة نتيجة التفاعلات المستعرة، وتعتمد شدتها على نوعية المواد الداخلة فيه، وعلى القدرات التي يمارسها صاحب السلطة في القضاء عليها بأقل الخسائر، وهناك ما يزيدها اشتعالاً لتبقى مستمرة.. يترك الاحتراق أثره من مادة السخام كأحد إفرازاته، فتفاعل الاحتراق ليس تفاعلاً نظيفاً، ويمكنه أن ينتقل ويرحل من إدارة إلى أخرى بفعل موجات الريح، فالنيران تستهلك الأكسجين وتنتج ثاني أكسيد الكربون والحرارة، والتيارات الهوائية الساخنة قد تتسبب في انتشار اللهب واختلاف الضغط، وقد تبدأ دوامة نارية تنتقل بسرعة من مكان إلى آخر، هذا ما تقوم به “الببغائية” لزيادة الاحتراق..”، ولا توجد صعوبة لدى في مقاربة ذلك بحكم التخصص، إلا أنها قد تتجاوز الأفق الإدراكي لبعض القراء، وإن كان الهدف غير المباشر هو نشر الثقافة البيئية عبر اسقاطات تتسع لتشمل نقداً اجتماعياً وإدارياً ممتداً! ويقودنا هذا المشهد عبر تركيب منظومة تربط الطبيعة بالإدارة، إلى حالة من التغريب، في مراودة مخيلة القارئ واستبدال الألفة برسم لوحة بصرية داخل وعيه، ولكن فلسفة السرد الحديث في تركيب ظاهرة طبيعية (أو بيولوجية) على ظاهرة اجتماعية وإدارية، تعد من أساليب الاستعارة الممتدة والمأمونة، ولعل أكثرها تطبيقاً هنا في إسقاط سلوك طائر الببغاء (محاكاة الصوت دون وعي) على المنظومة البيروقراطية (إعادة تدوير الشائعات والقرارات دون تمحيص).
الرمزية في أسماء الشخوص
ليست الأسماء في الرواية المهنية مجرد علامات فارقة بين الشخصيات، بل ذات دلالة ورمزية في بناء المعني، وتشكيل الهوية المهنية للشخصية الروائية، الموكلة بتوصيل رسائل ثقافية أو نفسية، وتقوم بدور المحرك الأساسي للصراع والعدسة السردية، وليس الصراع في “الببغائية” طبقياً مادياً، بل صراع فكري/ إيديولوجي عميق حول فلسفة الوظيفة وقيمة الإنسان داخل المنظومة الإدارية، في ظل بنية إيديولوجية ومؤسسية كاملة. ولكن هذه المنظومة البيروقراطية العمياء لا تحارب الفاشلين، بل تتحول إلى بيئة سامة تستهدف الكفاءات والمبدعين، من منظور تأثير تميز الموظف الطموح على منطقة الراحة التي يحتمي بها المتواكلون، ويزعزع استقرار الهيكل التقليدي الذي يتغذى على اجترار النميمة المؤسسية والتقارير الجاهزة. وبذلك يظل اختيار الأسماء هنا عملية واعية تتداخل فيه الرمزية والثقافة والجماليات لخدمة الوظيفة السردية. وعلى الرغم من براعة الكاتبة في انتقاء أسماء شخوصها بما يتناغم مع الفضاء الدلالي للسرد، مرسخة ملامح ما يقارب ثلاثين شخصية مهنية، فإن اعتمادها إستراتيجية “المكان المضمر” وحجبها للمسميات الجغرافية لم يمنع النص من البوح بهويته، إذ تحول هذا الفضاء المفترض إلى مرآة عاكسة، يلمس القارئ من خلالها جينات البيئة الإماراتية ونكهتها المحلية التي لا تغادر وجدان الكاتبة.
الأنا البديلة للكاتبة
لا تزال (ندى) غاطسة ماهرة لإصلاح تيار إداري معطوب، تسكنه “الببغائية” سلوكياً ونفسياً من الموظفين، ممن أصابهم التكلس الروتيني في قضاء وقت الدوام، بشكل يرضي معدتهم ومزاجهم بالمقهى الداخلي (الفطور الجماعي ـ ص 79)، وجل سعيهم الراتب والمزايا، ومطالبة بترقية تراكمية، دون الهمة المفترضة في المقابل العملي المطلوب منهم، إنه تيار إداري (متعفن) يعطل التطوير والإبداع في كافة قطاعات وفروع أي مؤسسة. ومنذ الوهلة الأولى تقر بطلة الرواية (ندى) بأن الحل في إدارة الموارد البشرية (الثروة الحقيقية) والتنمية المتكاملة للأفراد اللائقين المؤهلين بالاحترافية المهنية لتغذية روافد الرؤية الاستراتيجية للمؤسسة، التي لا تزيد في الهدف عن أربع كلمات مترابطة: “ضمان استدامة الحياة للسكان”!
أصبحت ندى بذلك ضحية تفشي ظاهرة الببغائية بين بعض الموظفين والشركاء برفضهم لها، علاوة على توحد نفسي نشأ بين عادل (مدير عام المؤسسة) والسيكوباتي، المرشح الأقوى (المدير التنفيذي لإدارة الموارد البشرية) من وجهة نظر لجنة استقطاب الكفاءات الوظيفية (برئاسة ندى مستشار المؤسسة بمكتب المدير العام)، والذي أصر عادل مقابلته أولاً (لأسباب خفية) قبل تعينه!! ومع تصاعد الأحداث الدرامية، استخدم عادل السيكوباتي للإطاحة بندى، ليظل متصدراً مشهد الترديد الأعمى وتمجيد الذات، حيث اجتمعت مصالح غير مشروعة لإسقاط ندى (غير الحر) من أعلى السلم الوظيفي إلى المكتب الزجاجي! وقد تحققت بذلك نبوءة خالد (الذي حفز ندى للانتقال للعمل بالمؤسسة) كما سجلها النص ص 29: “.. بعد أربعة أسابيع من استلام (عادل) مهام عمله.. التقى مساءً بصديق الدراسة (خالد) في مقهى (الشباب)، والذي بادره بتقديم أحر التعازي على المنصب الجديد، مؤكداً له أنه لن يقدم له التهنئة، فتلك المؤسسة كابوس مؤرق.. والعمل فيها مضن.. والعقول صعبة المراس والمهارات الإدارية تكاد تكون مفقودة.. وكأن آلة الزمن توقفت لديهم، فهو يشفق عليه وعلى ما آلت إليه حياته العملية، وقد تكون هذه المؤسسة مقبرته ونهاية المطاف العملي..”. ولم يكن سراً أنني، منذ القراءة الأولي، استشعرت توقعاً سرعان ما تجسد واقعاً، مع صدور قرار مجلس الإدارة بتعين “السيكوباتي” مديراً عاماً للمؤسسة!!
النقاب بوصفه قناعاً لكشف الأقنعة
بعيداً عن أبعاد المقاومة والرقابة لإخفاء الوجه، تخيلت “ندى” قد تفكر في فريق من الطب النفسي الإداري، أو وحدة متطورة للرقابة الممنهجة! بدلاً من حيلة النقاب (ص 268: “.. أريد أن أرى قدرتي على التخفي وراء النقاب وإمكانية دخول المكاتب لمعرفة ما يدور في المؤسسة..”) لمعرفة أسباب اعتراض الأغلبية من الموظفين عليها! ويكشف لجوء ندى إلى النقاب عن أزمة ثقة عميقة داخل المؤسسة، لغياب الحوار المباشر وآليات التواصل المهني، مما جعلها تلجأ إلى المراقبة السرية لاكتشاف ما يحاك ضدها. ورغم تحقيق هذا التصرف وظيفة سردية في كشف الوجه الخفي للمؤسسة، فإنه يثير تساؤلاً نقدياً حول مدى نجاح ندى نفسها في بناء الثقة مع العاملين. ولا يرمز النقاب هنا إلى إخفاء الهوية فحسب، بل إلى غياب الشفافية وسيادة الارتياب بين جميع الأطراف، حتى تتوارى الحقيقة خلف الأقنعة. ومن ثم فإن تصرف ندى، وإن بدا مبرراً من الناحية العملية، يعكس في الوقت ذاته إخفاقاً مؤسسياً في تأسيس بيئة قائمة على الثقة والتواصل المفتوح.
الغنج بين الدلالة المحلية والانطباع المهني
يتجاوز “الغنج” في الرواية معناه الحرفي ليطرح إشكالاُ نقدياً، ثقافياً ونفسياً (ص 261: “.. أعضاء اللجنة رفضوا طريقتها في الحوار والتشدق والغنج كما كان لديهم تحفظ على تلك الألوان الصارخة التي تعكس جانباً من شخصيتها..”). تشير الكلمة في السياق الإماراتي والخليجي إلى التدلل والتصنع والمبالغة في إظهار الرقة أو التكسر في الحديث والسلوك، بما قد يفهم على أنه افتقار في البيئة المهنية، ولكنها تكتسب في الوعي المصري إيحاءً يبرز الأنوثة والجاذبية الشخصية، وهو ما يجعل واقعها أكثر حساسية لدى القارئ المصري. ولا يبدو في سياق المقابلة الوظيفية اعتراض اللجنة منصباً على الكفاءة وحدها، بل على الصورة التي تقدم بها المرشحة ذاتها. ومن الناحية النفسية، قد يعكس هذا السلوك حاجة إلى لفت الانتباه أو تأكيد الذات أو اكتساب القبول الاجتماعي، لكنه قد يقرأ في البيئات المهنية المحافظة بوصفه سلوكاً غير منسجم مع متطلبات الوظيفة. كم يفتح اختيار الكاتبة لهذه المفردة باب التأويل حول موقفها الضمني من هذا النمط السلوكي، ولا سيما أن الرواية تنحاز في مواضع كثيرة إلى قيم الانضباط والكفاءة والرصانة المهنية. لذلك يمكن النظر إلى لفظة “الغنج” بوصفها أداة نقدية تكشف تصادم معايير الحضور الشخصي مع معايير الاحتراف المهني داخل المؤسسة، أكثر من كونها وصفاً عابراً لشخصية متقدمة إلى الوظيفة.
تشخيص الداء أكثر من تقديم الدواء
انخرطت الرواية في كشف آليات الفساد الإداري، وثقافة الوشاية، والتكرار الأعمى، وإقصاء الكفاءات، وانفصلت عن طرح نموذجاً إصلاحياً متكاملاً وقابلاً للتطبيق. ورغم كفاءة “ندى” واجتهادها، فإن مسارها لا ينتهي بانتصار حاسم لمنطق الإصلاح، بل يضع القارئ في مواجهة سؤال مفتوحً: هل تستطيع الكفاءة الفردية الصمود أمام منظومة متآكلة؟ وهو ما يراه نقادً مكسباً جمالياً، إذ نأت الرواية بنفسها عن الوعظ المباشر، لتضع القارئ أمام مسؤولية التفكير في الأسباب العميقة وراء تعثر الإصلاح المؤسسي. ويرى آخرون مساعي “ندى” ـ كالتخفي بالنقاب والعمل الفردي ـ لم تكن سوى حلول مؤقتة وعابرة بدلاً من أن تكون معالجات جذرية، وهنا تحيل الخاتمة إلى جرس إنذار يحذر من المظاهر، بدلاً من تقديم مخرج عملي وحقيقي للأزمة. وعليه فقد تركت الرواية الحلول معلقة أكثر مما تقدمها، منحازة بذلك إلى كشف الواقع وتفكيكه، بدلاً من تقديم وصفات إصلاحية جاهزة، وهو خيار جمالي يفتح النص على آفاق التأمل، لكنه قد يربك المتلقي المستهلك الذي يترقب حلولاً عملية جاهزة. ويظل سؤال الرواية: هل يمكن للكفاءة الفردية أن تنتصر داخل مؤسسة تقوم ثقافتها على “الببغائية” و “التبعية”؟ لكنها لا تجيب عنه بصورة حاسمة!
وعلى الصعيد ذاته، تفيض المدونة السردية العربية بنصوص تجاوزت مجرد تشريح الأعطاب المؤسسية والاجتماعية إلى محاولة صياغة أفق للتغيير والاستشراف بمسارات متباينة، وتأتي “ثلاثية” نجيب محفوظ في طليعة هذه الأعمال كمثال ملهم، وهو ما يتقاطع مع طروحات الناقد “محمود أمين العالم” في دراساته لسوسيولوجيا الرواية، حيث يرى أن محفوظ لم يقف عند حدود التعرية، بل أسهم في بلورة الوعي الممكن والمستقبلي لحركة المجتمع عبر أجيال الرواية (9). حيث يواكب المتلقي، عبر تعاقب الأجيال في الرواية، كيف تولد إمكانات التحول الحقيقي من عمق المجتمع ذاته، وذلك عبر قنوات التعليم، والانعتاق الفكري، والمرونة في استيعاب التحولات الاجتماعية المتسارعة، لتؤكد الثلاثية أن الاستقرار المؤسسي والإصلاح المستدام يرتكزان بالضرورة على نضج الوعي الجمعي، وليس على شظايا الهبات الفردية المعزولة! وعلى النقيض من ذلك، تتجه أعمال روائية أخرى صوب تفكيك جذور الأزمة عبر تعرية غياب المشاركة الشعبية والعدالة في إدارة التحولات الاقتصادية، وهي بتلك المكاشفة تطرح أفقاً علاجياً ضمنياً يتمثل في حتمية إعادة هيكلة المؤسسات الوطنية لتصبح أكثر إنصافاً وتشاركية، لتتجاوز الرسالة الإبداعية هنا عتبة التوصيف السلبي للمأساة، متحولة إلى دعوة صريحة للفعل، ورفض الإذعان للأمر الواقع.
التحول من الرمز الروائي إلى المفهوم الإداري
تكشف مناقشات صاحبت رواية الببغائية في الشارقة، وكذلك القاهرة، عن طموح يتجاوز حدود العمل الروائي إلى محاولة تأسيس مصطلح عربي في مجال الإدارة والتنمية البشرية، بدلالة أن “الببغائية” لا تطرح في الرواية بوصفها استعارة فنية فحسب، بل باعتبارها وصفاً لسلوك مؤسسي قائم على ترديد الآراء، وتناقل الشائعات، ومجاراة السلطة، ورفض التفكير النقدي أو المبادرات الفردية. وتكتسب هذه المحاولة أهميتها من سعيها إلى تقديم توصيف ثقافي عربي لظواهر معروفة في علم الإدارة، مثل الامتثال الجماعي والتفكير الجمعي ومقاومة التغيير! كما أن هذه الندوات والنقاشات أسهمت في نقل المصطلح من فضاء التلقي الأدبي إلى فضاء الحوار المهني، وهو ما يمثل خطوة مطلوبة في سبيل تحوله إلى مفهوم قابل للتداول خارج النص.
ويظل نجاح هذا المشروع مرهوناً بقدرة الكاتبة على الانتقال من الرمز السردي إلى التأصيل النظري، عبر تحديد مفهوم الببغائية بدقة علمية وتمييزه عن المصطلحات الغربية المجاورة له، ومن ثم يمكن النظر إلى الرواية لا باعتبارها نهاية المشروع، بل بدايته في حالة النجاح في إثارة النقاش حول ظاهرة إدارية شائعة، بينما تبقى مهمة تحويل “الببغائية” إلى أداة تحليلية ومعترف بها في الخطاب الإداري العربي رهينة بالدراسات والتطبيقات التي قد تنشأ لاحقا حول هذا المفهوم. وعليه استراتيجياً تحتاج الكاتبة إلى ثلاث مراحل: تأصيل المفهوم نظرياً في كتاب أو دراسة مستقلة عن الرواية، بناء مقياس أو استبانة لقياس درجة الببغائية المؤسسية، وتقديم ورش تدريبية ودراسات حالة توظف المصطلح في بيئات العمل الحقيقية.
…………………………
الهوامش
- حمدي هاشم. جغرافية نهر الحياة: سيرة وأثر. ط 1. القاهرة، دار ميريت للنشر، 2018/ مناقشة الكتاب. معرض القاهرة الدولي للكتاب (اليوبيل الذهبي 1969 ـ 2019)، بلازا 2، قاعة كاتب وكتاب، الأربعاء 30 يناير 2019. الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=9GHtBBWXwlw
- مريم الشناصي. مذكرات فارسة عربية. ط 1. دبي، دار كتاب للنشر والتوزيع، 2012.
- غوستاف لوبون. سيكولوجية الجماهير، ترجمة هاشم صالح. بيروت، دار الساقي، 2013.
- عبد الوهاب المسيري. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. القاهرة، دار الشروق، 2002.
- فيليب لوجون. السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة عمر حلي. ط 1. بيروت/ الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1994.
- صلاح فضل. لذة التجريب الروائي. القاهرة، دار الشروق، 2005.
- محمد الداهي. الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات. ط1. الدار البيضاء، شركة النشر والتوزيع المدارس، 2007.
- يعود مفهوم التعدد الصوتي في الأصل إلى الموسيقى، حيث يعني تداخل نغمات وألحان مستقلة ومتساوية في الأهمية لإنتاج نسيج موسيقي متناغم. وعليه يجب أن تظهر الشخصيات الروائية كذوات مستقلة تمتلك وعيها الخاص، وأفكارها، ورؤيتها للعالم، دون أن تخض كلياً لسلطة المؤلف أو صوته.
- محمود أمين العالم. تأملات في عالم نجيب محفوظ. القاهرة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1970,






















