مروان ياسين الدليمي
1 ـ نغمة الأمس
كان الزمن قد انزلق بعيداً، مثل ورقة خفيفة تطيح بها الريح فوق رصيف فارغ. في صباح شاحب من صباحات تموز، جلس وحده في غرفته الصغيرة، يتأمل صورة قديمة، ذات أطراف باهتة، تشي بعمرها الطويل. إنها صورة جماعية، التُقطت قبل خمسين عاماً في رحلة مدرسية إلى غابات المدينة. كان الأطفال في الصورة يرتدون زي الكشافة، وجوههم مشرقة، بريئة، تطل على العدسة كما لو أنها نافذة تطل على المستقبل.
تكررت جملة في ذهنه “أمس كان كل شيء جميلاً” بنغمة خافتة، لكنها ثابتة. عادت إليه في لحظات السكون، مثل لحن قديم لا يستطيع نسيانه، يهمس له من أعماق ماضٍ لم يعد له مكان سوى في الصور والتساؤلات.
“كنت هناك”، يقول الصوت الذي ينبثق من داخله، صوت رجل لم يعد ذاك الطفل، لكنه لم يغادره تماماً.
“أنا ذلك الفتى الجالس في الصف الأول، تقريباً في المنتصف، يشير إليّ سهم أبيض صغير كأنه تذكار أخير من حياة كاملة. نعم، هذا أنا . أذكر يوم التقاط الصورة كأنني أراه الآن. كنا نركض بين الأشجار، نغني، نضحك، نظن أن الحياة ستبقى دائماً على هذا النحو.”
معظم الوجوه في الصورة لم يعد يذكر أسماءها. لكن شيئاً في ملامحهم، في نظراتهم، في وضعية الوقوف أو طريقة التبسم، ظل عالقاً في ذاكرته. هناك من كان ذكياً، ومن كان شغوفاً، ومن بدا عليه الكسل حتى في لحظة التقاط الصورة. وهناك، في الطرف الأيسر، يقف أستاذ الرياضة ــ كان لطيفاً، هادئاً، رجلاً لا يعلو صوته أبداً، لكنه كان يترك أثراً لا يُمحى.
ثم تساءل ــ أو لعلها ذاكرتُه هي التي تساءلت نيابة عنه، وقد غدا السؤال حملاً لايزول:
“أين هم الآن؟ من بقي حيّاً؟ من فارق الحياة بهدوء؟ من منهم فقد زوجاً أو زوجة في حربٍ لم تنتهِ حقاً؟ من يعيش في وطنه، ومن تناثر في المنافي؟ وهل ما زالت تلك الفتاة ذات الجديلتين ــ التي أحبها في صمت ــ جميلة كما كانت؟ أم أصبحت جدة؟ هل تزوجت؟ هل بقيت عزباء؟ هل تتذكر هي أيضاً ذلك اليوم؟”
كان الزمن قد قام بما يقوم به دائماً ــ تفريقنا، تغييبنا، محونا تدريجياً من ذاكرة بعضنا البعض .لكن شيئاً في داخله ظل عالقاً هناك، في تلك اللحظة.
“ربما لا يتذكرني أحد. وربما لا يتذكرون الصورة. لكني أتساءل، هل يراودهم، هم أيضاً، ذلك الإحساس العابر بأن الأمس كان كل شيء فيه جميلاً؟”
لم ينتظر جواباً. فقط جلس هناك، يحدّق في الوجوه التي لم تعد له، يحاول أن يسمع من خلالها أصواتاً لم تعد موجودة. وبين نغمة الذكرى ونغمة النسيان، بقيت الجملة تتردد في رأسه، كأنها لازمة من حياة لا تزال مستمرة في بعدٍ آخر:
“أمس… كان كل شيء جميلاً.”
في مساء آخر، وبينما كانت الصورة لا تزال مستندة إلى الجدار خلف المكتب الخشبي، أخذ يتأملها من جديد. هذه المرة لم تكن الوجوه ساكنة كما في المرات السابقة. حدث شيء، بسيط، ربما خدعة من الضوء أو وهماً من ذاكرته المتعبة، لكنه رأى أحد الأطفال يبتسم، ثم الآخر يلتفت نحوه. وسمع صوتاً. كان صوت سمير، أكثر الأولاد ذكاءً في الصف، ذلك الذي كان يعرف الأجوبة دائماً، حتى قبل أن يُطرح السؤال.
ـــ “تأخرتَ يا صديقي. انتظرناك طويلاً.”
فرك عينيه، لم يكن نائماً، ومع ذلك لم يكن مستيقظاً تماماً. عالم الصورة بدأ يتحرك، ووجوه الرفاق تصطف أمامه كأنهم حضروا لموعد لم يحدده هو. كانت هناك سعاد، تجلس القرفصاء في مقدمة الصورة، بنفس الضفيرتين، تقول:
ـــ “هل تتذكر تلك النزهة؟ كنت تضحك طوال الطريق، ثم أضعت قبعتك، وعاتبك المعلم.”
ابتسم ، كأنه عاد إلى ذلك اليوم.
ـــ “وأنتِ، ألم تكوني أنت من دفنها تحت التراب لتختبئ مني؟”
ضحكت سعاد، وقالت:
ـــ “ربما. كنا نظن أن الزمن لعبة، وأننا سنبقى صغاراً إلى الأبد.”
ثم تكلم شاكر، الذي لم يكن محبوباً كثيراً، لأنه كان كثير الشكوى، لكن الآن بدا أكثر هدوءاً، كأن السنين صفّت شيئاً من طباعه:
ـــ “لقد حاولت أن أعيش كما كنا نحلم، لكن الحروب سبقتنا جميعاً. هل تتذكر كيف كنا نرسم المستقبل على أوراق الكراس؟”
همس :
ـــ “رسمت مدينة كاملة. بيوتاً تطير في السماء، ومكتبة تحت الأرض…”
ـــ “وأنا رسمت نفسي طياراً”، قال شاكر. “لكنني أصبحت ميكانيكياً في مدينة لاتطير فيها حتى الأحلام.”
ظهر أخيراً أستاذ الرياضة، ليس كهذاك الشاب الهادئ في الذاكرة، بل كرجل مسنّ، يمشي ببطء لكنه يحمل نفس النظرة التي لا تُخطئها الروح. اقترب وقال له:
ـــ “لقد أحببتكم جميعاً. لم أكن فقط أُدرّبكم على الركض والقفز، كنت أحاول أن أُبقي البراءة فيكم، لأطول وقت ممكن.”
ـــ “هل نجحت؟” سأله .
ـــ “لا أدري”، أجابه المدرّس، “لكن ها أنت ذا، ما زلت تعود إلى الصورة، كأنها المخرج الأخير من النسيان.”
قالت فتاة أخرى، جميلة، بشعر منسدل وعينين واسعتين ــ لم يكن متأكداً من اسمها، لكنها ربما كانت نجلاء أو مها أو شخصاً لم يكن له اسم أصلاً:
ـــ “هل تعرف أنني بقيت عزباء؟ ليس لأن أحداً لم يطلبني، بل لأن أحداً لم يشبه ذلك الفتى الذي كنتَ عليه.”
هنا، بدا الزمن كأنه توقف. لم يكن يعرف ما إذا كان يحلم، أم أنه ببساطة تَركَ الواقع خلفه.
قال لهم جميعاً، بصوت مرتجف لكنه صادق:
ـــ “أردت فقط أن أعرف إن كنتم تتذكرون. إن كنتم، مثلي، تؤمنون بأن الأمس كان جميلاً.”
هزّوا رؤوسهم، لم يقولوا شيئاً. ثم، شيئاً فشيئاً، بدأت الصورة تعود إلى سكونها الأول. الوجوه تجمدت، الحركات تلاشت، والأصوات غابت. بقي وحده، كما بدأ، لكن قلبه لم يكن كما كان.على الطاولة، الصورة ما تزال هناك، صامتة، لكن في داخلها، عالم كامل يتحرك كلما أغلق عينيه.
*
2 ـ صدى الأسماء
في الليلة التالية، لم يكن يحلم. كان مستيقظاً تماماً، رغم أن كل ما حوله بدا وكأنه جزء من حلم طويل. جلس إلى طاولته، قرب النافذة، حيث الضوء الشاحب القادم من عمود الكهرباء يراقص ظل الصورة المعلقة أمامه. هناك، على يسار المنتصف قليلاً، يجلس ذلك الطفل، بقبعته المائلة وساقيه المتصالبتين… هو نفسه، لكنه ليس هو. كتب في دفترٍ مفتوح أمامه:
“إذا كانت الصور تحتفظ بأرواح من فيها، فهل يمكن استرجاعهم إن ناديتهم بأسمائهم؟”
لم يكن هذا مجرد تساؤل. لقد قرر أن يبحث. أن يبدأ من جديد.
في اليوم التالي، حمل الصورة إلى محل تصوير قديم في سوق المدينة. المكان بالكاد تغيّر. الرجل الذي استقبله كان كهلاً، أصلع الرأس، يضع نظارات سميكة، ومع ذلك، حين نظر إلى الصورة، أطلق صفيراً خفيفاً وقال:
ـــ “يا للعجب… هذه من ستينات القرن الماضي، أليس كذلك؟ كشافة العروبة؟”
هزّ رأسه.
ـــ “أعرف أنك لا تذكرني، لكنني كنت واحداً منهم. أبحث عن أي خيط، أي اسم يمكن أن يقودني إليهم.”
رفع المصوّر الصورة نحو الضوء، تأملها جيداً، ثم قال بصوت خافت:
ـــ “أعتقد أن هذه الفتاة…” وأشار إلى واحدة من الواقفات في الصف الخلفي، “كانت تدعى نادية. كان والدها طبيباً في المستشفى التركي. سافرت العائلة إلى بغداد في السبعينات.”
خرج من المحل والصورة في يده. كانت أول خيوط الزمن قد تحركت. اسم واحد، فقط، لكنه بدا ككسر صغير في جدار النسيان.
وفي الليل، بينما كان يقلب دفتره، دوّن الاسم:
“نادية.”
ثم سمع الصوت من جديد. لم تكن الصورة تتحرك هذه المرة، بل بدا وكأن أحداً يتحدث من داخله مباشرة.
ـــ “لم تزل تبحث؟”
كان صوت سعاد، ضفيرتاها تتمايلان في الظلام، كما لو أنه رآها تخرج من خلف الستارة.
ـــ “لماذا الآن؟ بعد خمسين عاماً؟”
ـــ “لأن شيئاً في داخلي لم يغادر الغابة أبداً. لا الصورة، ولا ذلك النهار. أريد أن أعرف… لا أن أعود. بل فقط… أن أعرف.”
ـــ “ماذا لو كان ما تبحث عنه لم يعد هنا؟ ماذا لو كانوا جميعاً مجرد أصوات؟”
ـــ “لا بأس. حتى الأصوات أحياناً تكفي.”
في الأسبوع التالي، سافر إلى المدينة القديمة. مشى في الأزقة التي كانت ذات يوم ملعباً لطفولته. توقف أمام باب مدرسة العروبة، التي أُغلقت منذ عقود. المبنى متهالك، الشبابيك مكسورة، لكن حين لمس الجدار الخارجي، أحسّ أن النبض القديم ما زال يسري فيه. جلس على العتبة، أخرج الصورة، ووضعها على ركبتيه. فجأة، هبّت نسمة باردة، كأنها قادمة من غابة بعيدة. لوهلة، سمع ضحكات، أصوات خطوات تركض، صفّارة أستاذ الرياضة. ثم جاءه وجه آخر من الماضي، هذه المرة شاحب، لكنه واضح: سمير. كان وجهه أنحف، بشارب خفيف، بدا كمن قضى نصف عمره في المدن الباردة. قال سمير بصوت يشبه الريح:
ـــ ” مصطفى ….. أنا لم أنسَ. لكني لم أعد قادراً على التذكّر أيضاً. ماذا تريد أن تعرف؟”
ـــ “أريد أن أعرف من بقي.”
ـــ “كلّنا بقينا، في داخلك، في الصورة، في الأسئلة التي لم تُطرح. لكن إن أردت الحقيقة… فستؤلمك.”
ابتلع مصطفى الصمت كحبّة دواء.
قال:
ـــ “ليست كل الحقائق من أجل الطمأنينة. بعضها من أجل أن لا نضيع تماماً.”
*
3 ـ نادية
لم يكن العثور عليها سهلاً. مرّت أسابيع، وأمضى ليالٍ طويلة يقلب دفاتر الهاتف القديمة، ويتصل بأشخاص لا يعرفهم، يكتب رسائل طويلة إلى صفحات قديمة على الإنترنت، يبحث في أرشيف الصحف عن أي خبر، أي إعلان نعي، أو حتى تبرّع باسمٍ يشبه اسمها. ثم، ذات مساء، تلقى اتصالًا من رقم غريب.
ـــ “أنت تبحث عن نادية ابنة الطبيب؟”
لم يتكلّم في البداية. الصوت كان هادئًا، مؤنثًا، يشوبه شيء من الحذر.
ـــ “نعم… مصطفى عبد الرزاق . كنا في الصورة ذاتها. رحلة الكشافة، غابات المدينة، قبل خمسين سنة.”
سكتت. بدا له وكأنها تزن ما قاله، كما لو كانت تقرأ داخل قلبه من نبرة صوته. ثم قالت:
ـــ “أنا نادية.”
في اليوم التالي، استقل القطار إلى بغداد. كانت تسكن في حي الكرادة، في بناية قديمة تطل على دجلة، بحديقة صغيرة نبتت فيها أشجار النارنج. فتح له الباب رجل مسنّ، قالت له نادية إنه شقيقها الأصغر. أما هي، فقد انتظرته في الحديقة، جالسة على كرسي خشبي، ترتدي قميصًا أبيض ناصعًا، وعيناها تحملان ظل السنوات، لكنها حين ابتسمت، ظهرت الطفلة التي كانت تقف في منتصف الصورة، بنفس الشريط الأبيض على شعرها.
ـــ “لم أظنّ أنك ستأتي.”
ـــ “ولا أنا. لكنني أتيت. لم أعد أحتمل أن تبقى الصورة صامتة.”
ناولها الصورة. تأملتها ببطء، بعناية، كما لو أنها تقرأ كتابًا مقدسًا.
ـــ “شاكر توفي في الغربة. أصابه السرطان بعد أن غادر إلى السويد. تلقّيت منه بطاقة في التسعينات، ثم انقطعت أخباره. أما سعاد… فقد فقدت زوجها في الحرب، ولم تتزوج بعده.”
ـــ “وأنتِ؟” سألها مصطفى.
ابتسمت، لكن حزنًا ما تسلل إلى زوايا فمها.
ـــ “تزوجت. مرتين. الأولى انتهت بالخذلان، والثانية انتهت بالموت. لدي ابنة، تعيش في كندا. لا تراسلني كثيرًا.”
قال بصوت خافت:
ـــ “هل تذكرينني؟”
نظرت إليه طويلًا.
ـــ “كنت في الصف الأول، أليس كذلك؟ قبعتك تميل دائماً نحو اليسار، وكنت تغني بصوت خافت طوال الطريق إلى الغابة.”
ضحك. كان شيئًا داخله يتكسر، بهدوء، كأنه خلية نوم تتحلل.
ـــ “نعم… لم أكن أملك الجرأة لأغني بصوت عالٍ.”
قالت:
ـــ “كنا نظن أن الحياة بأكملها تبدأ وتنتهي في تلك الرحلات. لم نكن نعلم أن الأيام تبتلعنا سريعًا.”
جلسا طويلاً، لم يتحدثا كثيراً، لكن الصمت بينهما كان جميلاً، مليئاً بما لا يحتاج إلى شرح.
قبل أن يغادر، أعطته نادية ورقة كتبت عليها أسماء أربعة أو خمسة من زملاء الصف، بعضهم ما زال في المدينة، بعضهم انتقل إلى مدن أخرى.
ـــ “لا أحد منهم ينتظر اتصالًا منك. لكن ربما يحتاجه، كما احتجته أنا.”
في القطار، وضع الصورة على المقعد المقابل له. نظر إليها من جديد. الآن، لم تكن مجرد ذكرى. أصبحت خريطة، حية، تتكلم. لم يعد فيها أطفال فقط، بل بشرٌ عاشوا، سقطوا، صمدوا، تغيروا… وبقي فيهم شيء من تلك اللحظة، لحظة النور، لحظة الوجود الكامل.
وهمس لنفسه:
“ربما، فقط ربما، لا نبحث عنهم لنجدهم… بل لنجد أنفسنا نحن.”
*
4 ـ الاسم الذي لم يعد له وجه
في اليوم التالي، جلس قرب النافذة في شقته ببغداد. أمامه الورقة بخط نادية: خمسة أسماء، بعضها مألوف بالكاد، وآخر بدا كأنه لم يُكتب إلا ليوقظ شيئاً نائماً في مكانٍ خفيّ من روحه. عند الاسم الثالث، توقف:
“هيثم ن. عزّام.”
لم يكن الاسم غريبًا، بل على العكس، كان مألوفًا جدًا. مألوفًا لدرجة أنه لم يصدّق أنه نسيه. هيثم كان أحد أقرب أصدقائه في المدرسة. كان يجلس خلفه دائمًا في الفصل، يهمس له بالإجابات، ويشاغب المعلمين، ويكتب شعرًا على الطاولات. وفي الصورة، كان يقف خلفه مباشرة، يضع يده على كتفه دون أن ينظر إلى الكاميرا.
ـــ “لماذا لم أره في الصورة من قبل؟”
سأل نفسه بصوت مرتجف. كأن شيئًا في عقله كان يتعمد إقصاء هيثم. وكأن الذكرى أخفته، دفاعًا عن نفسه. في عصر ذلك اليوم، استقل سيارة أجرة إلى حيّ قديم في أطراف المدينة. كان العنوان الذي دوّنته نادية واضحًا:
“حي الزهور، شارع الفرات، منزل رقم 19.”
البيت كان صامتًا، بأبواب خشبية قديمة ونوافذ مغلقة. طرق الباب مرتين، قبل أن تفتحه امرأة عجوز بعينين رماديتين وثوب بسيط.
ـــ “بيت هيثم عزّام؟”
قالها بحذر، بصوته المتردد المعتاد حين يواجه الماضي. نظرت إليه المرأة طويلاً، ثم قالت:
ـــ “أنت صديقه، أليس كذلك؟ مصطفى؟”
هزّ رأسه دون أن ينطق. أدخلته إلى غرفة صغيرة، حيث جلس على كرسي مغطى ببطانية شتوية رغم حرارة تموز.
ـــ “هيثم مات منذ أكثر من ثلاثين عامًا. لم يخبرك أحد؟”
ساد صمت عميق. شعر وكأن الهواء في الغرفة انسحب دفعة واحدة.
ـــ “لا… لم أكن أعلم. لم أسمع شيئًا.”
قالت المرأة، وكانت خالته كما عرّفت نفسها:
ـــ “مات في الحرب، لكن ليس في الجبهة. مات هنا. عاد في إجازة قصيرة، وبعد يومين، أطلق النار على نفسه في الفجر.”
توقف الزمن. الصورة الآن لم تعد كما كانت. أخذ يراها بعين أخرى. يرى يد هيثم على كتفه، الآن كأنها تحذره. كأنها تقول له شيئًا لم ينتبه إليه في حينه.
قالت الخالة:
ـــ “قبل أن يموت بيوم، ظلّ ينظر إلى صورة الكشافة تلك. قال لي إنها اليوم الوحيد الذي شعر فيه بأنه موجود.”
خرج من المنزل وهو يحمل في يده صورة قديمة أعطته إياها الخالة. نسخة أخرى، لكنها ليست نفس الصورة الجماعية. كانت صورة صغيرة، لهيثم وحده، وهو يبتسم، نفس القميص الكشفي، نفس القبعة، لكن نظراته كانت غريبة — لا تنتمي لطفل.
في الليل، عاد إلى شقته. وضع صورة هيثم بجوار الصورة الكبيرة. جلس طويلاً أمامها. ثم كتب في دفتَره:
“ربما لا نعرف لماذا نحتفظ بالصور، لكننا نعلم، بطريقة غامضة، أن هناك وجوهاً ستحتاج لمن يعيد تذكّرها حين تختفي. وجه هيثم… لم يعد له أحد. ربما كنتُ أنا آخر من يتذكره.”
أطفأ المصباح، وبقي الضوء الوحيد في الغرفة يأتي من الصورة، كما لو أنها تحاول أن تحكي ما تبقّى.
*
5 ـ وجه لم يكن في الصورة
كان المطر خفيفًا، ناعمًا، يشبه الغبار أكثر مما يشبه الماء. تموز يفقد شيئًا من حدّته، كأن الوقت نفسه تعب من الحرارة. لم يكن يعرف لماذا قرر أن يذهب إلى المكتبة الوطنية. لم يكن ينوي قراءة شيء، ولا البحث عن أرشيفات إضافية. لكنه وجد نفسه هناك، يمشي بين رفوف الكتب القديمة، المجلدات المحنّطة بالتراب، والصمت العميق الذي يجعلك تشك أنك ما زلت في العالم. ثم، عند الطاولة الثالثة في القاعة الثانية، رآه. شاب في الأربعين ربما، يرتدي قميصًا رماديًا، ينحني فوق كتاب سميك، لكن ما أثار انتباهه ليس وجهه، بل الصورة الموضوعة إلى جوار الكتاب. الصورة… نفس الصورة. الصورة التي يحملها هو. تقدّم ببطء، كمن يقترب من شبح. قال دون مقدمات:
ـــ “من أين لك هذه الصورة؟”
رفع الشاب رأسه، لم يفزع، لم يتفاجأ. نظر إليه بعينين هادئتين، وقال:
ـــ “كنت أنتظرك.”
ارتبك .
ـــ “مَن أنت؟”
أغلق الشاب الكتاب، وأشار إلى الكرسي المقابل. جلس مصطفى، وعيناه لا تبتعدان عن الصورة.
ـــ “اسمي نديم. أنا ابن سعاد.”
انقبض قلبه.
ـــ “سعاد؟…”
ـــ “نعم. سعاد التي كانت تجلس في الصف الأمامي، يسار الصورة. ضفيرتان، وشريط أبيض. كانت أمي تحفظ أسماءكم جميعًا. كانت تقول لي: هذه الصورة هي الذاكرة، لا البيت، لا المدينة، ولا الوطن. فقط هذه الصورة.”
أخرج مصطفى صورته من الحقيبة. وضعها بجوار صورة نديم. الصورتان متطابقتان. حتى التجاعيد الصغيرة في الزاوية العليا، نفس التمزق الخفيف في أسفل الحافة.
قال نديم:
ـــ “كنت أنوي البحث عنك. أمي توفيت قبل عامين. وفي وصيتها، كتبت: ابحث عن مصطفى عبد الرزاق، إذا ما زال حيًا. أخبره أنني تذكرته كل يوم.”
أغلق عينيه. الصورة لم تعد تحمل فقط الماضي، بل تحوّلت إلى وعد لم يُنجز، رسالة ضاعت في بريد السنين.
ـــ “هي… لم تتزوج، أليس كذلك؟”
أومأ نديم بصمت.
ـــ “أنا ابنها بالتبني. كانت تقول لي إن الإنسان لا يُختار من ينتمي إليه، لكن يمكنه أن يختار من يمنحه اسمه، وقلبه.”
أخرج من حقيبته دفترًا صغيرًا، أسود اللون، ناوله لمصطفى.
ـــ “هذا دفترها. فيه كل شيء عنكم.”
فتحه . كانت هناك أسماء… تواريخ… أوصاف… قصائد صغيرة… رسومات منسية. صفحة كاملة تحمل اسمه فقط، وأسفلها جملة واحدة:
“كان يغني في الطريق إلى الغابة، بصوت خافت، لكنه لم ينسَ.”
قال نديم:
ـــ “أمي لم تكن بحاجة لأن تعود إلى الصورة… كانت تعيش فيها.”
نهض ، صافح نديم، ثم أمسك بالصورة من جديد. الآن، بدت مختلفة. كانت كما لو أنها نافذة، لا إلى الماضي، بل إلى الأشخاص الذين أبقوا العالم قائمًا، بالصمت، بالتذكّر، وبالوفاء. همس:
“حتى من لم يكونوا فيها… كانوا جزءًا منها.”
ثم خرج من المكتبة، وتحت المطر الرمادي، شعر أخيرًا أنه لم يعد يبحث. لقد وجد ما لا يُبحث عنه، فقط يُصادف.
*
6 ـ الغابة من جديد
الطريق إلى الغابة كان أطول مما تذكّر. كأنّ السنوات أضافت إلى المسافة أميالًا من الصمت والتراب والنسيان. لم تعد حافلة المدرسة تأخذه وهو يغني، ولم يعد الرفاق يتدافعون حوله لقطف التوت أو تسلّق الأشجار. كان وحده هذه المرة، لكن وحدته لم تكن خواء. كانت صحبة.
وصل بعد الظهر، في ذلك الوقت الذي تنكسر فيه الشمس وتصبح الظلال أكثر وضوحًا من الأجسام. كانت الغابة كما هي، تقريبًا. الأشجار صارت أكثر طولا، أو ربما صار هو أقصر. الطريق الترابي ما زال موجودًا، وإن ابتلعه بعض العشب، وإن تغيرت رائحته.
وقف في المكان الذي التُقطت فيه الصورة. لم يحتج إلى خريطة، ولا إلى قياس الزوايا. جسده تذكّر قبل ذاكرته. عرف أين كان يجلس. وعرف أين كانت سعاد، أين وقف هيثم، وأين وضع المعلم يده على كتف سمير.
أخرج الصورة من جيبه. رفعها أمامه، وقارنها بالمشهد الحقيقي. كانت هناك مساحة فارغة، حيث يجب أن يكونوا. فجأة، لم تكن الغابة فقط هي الغابة. كانت خشبة مسرح. وكان هو المتفرج الوحيد. جلس على جذع شجرة. أخرج دفتر سعاد. قرأ من الصفحة التي كُتب فيها اسمه. همس الجملة مرة أخرى:
“كان يغني في الطريق إلى الغابة، بصوت خافت، لكنه لم ينسَ.”
ثم، دون أن يشعر، بدأ يغني. بصوت خافت، كما كان. الأغنية نفسها التي لا يتذكر كلماتها الآن، لكن لحنها لا يزال حيًا. وبين الأشجار، كأنّ الأصوات بدأت تعود. خطوات خفيفة، ضحكات بعيدة، صدى صفّارة، وربما — مجرد ربما — يد خفيفة تُوضع على كتفه. لم يلتفت. لم يحاول التأكد. لأول مرة، لم يكن بحاجة إلى اليقين. في تلك اللحظة، أدرك أن الصورة لم تكن مجرد لحظة جُمدت إلى الأبد، بل كانت وعدًا، وعدًا بالرجوع، ليس للزمن، بل للمعنى.
حين غادر الغابة، ترك الصورة هناك، بين جذوع الشجر، مثبتة بحجر صغير. لم تعد له وحده. أصبحت ملكًا لكل من مرّ، ولم يُنسَ. كتب في دفتره جملة أخيرة:
“أمس لم يكن فقط جميلاً… بل كان حقيقياً.”

















