رحاب عمر
دعنا نشتري هذا الشهر كسوة للصالون، أعرف أنها ربما تتخطى “الألفي” جنيه، سأحاول أن أقتصد من مصروف البيت، وسوف أقنع الأولاد أن يتوقفوا عن دروس الجغرافيا والتاريخ وربما العلوم أيضا، وسأقوم أنا بالمذاكرة معهم بعد عودتي من العمل. وتستطيع أنت أن تساعدهم في مادة العلوم، فأنت ضليع في المواد العلمية. في النهاية نستطيع الحفاظ على الغرفة براقة ولامعة، حتى إذا باغتنا ضيف لا نخجل. أتذكر أن أبي أوصاني على هذا الصالون، لقد اشتراه بالمهر الذي دفعته كله، واشترى بقية جهازي بثمن قطعة الأرض التي باعها لأخيه. قال لي في آخر زيارة لنا وهو يطرق على المقعد: خشب زان معتبر، وقماش إيراني فخيم.
حاضر، لن أنسى أن أغلق الحجرة بالمفتاح، حتى لا يستغفلني الصغار وأتفاجأ بهم يلهون بالمقاعد والوسائد. سأحاول ألا أدخل معك في صراع مرة أخرى، فقد تعبت من حديثك عن إهمالي. لقد جمعت أطقم الكاسات الفرنساوي، والأطباق اليابانية، ثم قمت بتغليفها وحفظتها مع الملاءات القطنية المحلاوي في أعلى رف بالدولاب، فقط كفاك استخفافا بي.
وحتى لا تشكوني إلى والدتك ذامًا في تبذيري وعدم شعوري بالمسؤولية، لقد جمعت ملابس العيد بعدما غسلتها جيدًا، وواريتها في حقيبة السفر تحت السرير. وكلما سألني العيال عن ملابسهم الجديدة، ادعيت أني لا أعرف، وحتماً سأتذكر مكانها قبل العيد الكبير.
كنت أود أن أخبرك أني أريد توفير المكافأة والعدية لشراء حلق لتوحة:
– البنت كبرت وخُطّابها كتير…
بعد زواج توحة، علينا أن نفكر في صبّ عمودين بالجدار الخلفي:
– البيت مايل بقاله سنين…
انتبه لي واترك ما في يدك، لماذا لا تحلو لك الجريدة إلا كلما حدثتك عن حياتنا، ولماذا تشتريها ورقية وكل البشر الآن تعتمد على النت والقنوات فى معرفة الأخبار، ألسنا أحق بتلك الجنيهات؟
مللتُ من تطبيق الغسيل، هذه الكنبة لا تخلو يوميا من الملابس، ساعدني بدلًا من هذا الجرنال الذي لا يفارقك طيلة اليوم
ـ نظرك ضعف يا راجل.
سأشتري لك الخميس المقبل بعض الجوارب؛ كل جواربك مثقوبة، حتى ملابسك الداخلية، بهتت ألوانها من كثرة الاستعمال.
تذكر عملية مهاب، الولد عينه الشمال ضعفت، سوف أبيع الدبلة وكام متر من ورثي من أمي، سأقنع أخي بشرائهم، رغم أنه يعز عليّ التفريط في “حاجة من ريحتها”. أعلم أن إخوتي سيتجمعون حوله، واصفين حالي بالميسور، ستعتدل نجاة وتخبرهم قائلة:
– الكبيرة العاقلة بتدّعي الفقر وهي موظفة وجوزها موظف…
ستتنهد قائلة: حاجة عجيبة.
كل الأشياء عند نجاة عجيبة. وستتفانى الصغرى في اختراع واقع لا يمت لي بصلة، ستخبرهم عن الأرض التي اكتشفت أني اشتريتها، ورصيد في البنوك أخفيه، رغم أني لا أملك ترابًا قط، إلا المدفن الذي اشتركت معهم ومع بنات عمي في شرائه، ولم أدخل البنك طيلة حياتي، إلا لاستخراج فيزا المرتب المذعور.
نعم، لم أنسَ والدتك، أطعمتها من ذكر البط الذي جادت به علينا زكية جارتنا. تخيل أنها لم تعد تفرق بين اللحم والبطاطس، زغدتني في كتفي الأيسر قائلة: “كلتي اللحمة يا بنت زينات، طول عمرك طفسه.”
تصدق أني لم أعد أبكي منذ أن توفيت أمي؟ كانت الوحيدة التي تصدق ما أقول، حفظت لي تضحيتي لكل فرد في عائلتي. لم تنسَ أبدًا أني بعت السنوار النحاسي ودفعت ثمن عمليتها قبل عشرين سنة، وكانت قد أوصت أخواتي بأن يعوضوني عند تقسيم ميراثها… لكن لا أحد يذكر لي إلا خبثًا ومدارةٍ وصور ملفقة.
كف عن النظر لي هكذا وأنا أسير أمامك في الشقة، تشعرني بعجزي، عيناك لا تترك قطعة فيّ إلا وتفرستها، من رأسي حتى أخمص قدميّ. وإلا فأخبرني: لماذا تنظر لشعري هكذا؟ طبيعي أن يتغير مع السن ويجتاح البياض سواده الأعظم. ألا تنظر في المرآة؟ فلقد اجتاح الشيب رأسك قبل دخلتنا، ولم أعترض، ولم تتغير نظرتي لك، ركز فى جرنالك أفضل.
أتدري… فتحتُ أجندتي القديمة أمس، وظللتُ أقلب صفحاتها باحثةً عن شخصٍ، إنسانٍ يفهمني، صديقةٍ، جارةٍ… لكنني لم أجد ما أبحث عنه. تعجّبتُ من نفسي؛ فعلى كثرة معارفي، لا أعرف أحدًا، ولا أحد يعرفني. أظنهم رحلوا جميعًا إلى ذلك الظرف الذي سرقني منهم.
أتعرف لون كسوة الصالون التي اخترتها، غاية في الروعة. سأدخل جمعية جديدة وأشتري سجادة تناسبه. انتظر، لا تلوي أنفك في وجهى ولا تتأفف كعادتك، كفاك سطوًا على نواياي، لا أريد توريطك، “البطن تتستر بأي لقمة”، لا يصح أن نكون أقل من الناس. لا أحب أن أخفض رأسي وأنا أسير بينهم، وأكره جلسة “مرات أخوك” كلما جاءت تزورنا كل عام وهي عائدة من الخليج، تتغامز علينا وترفع أنفها متأففة…
أعرف أن الثمن غالٍ، يضعنا دومًا تحت طائلة الأقنعة، والابتسامة المشدودة المفتعلة، توتر وتفكير، وإجراء عمليات حسابية غير منطقية، لكني دومًا كنت أركب الدرجة الأولى من القطار أياً كانت ظروفي. كل شيء سيكون على ما يرام، لدي آنية نحاسية أخفيتها تحت السرير، غلفتها بجلابية قديمة لأمي، نستطيع إخراجها وبيعها لدهان واجهة البيت.
– ولا يهمك.
دعهم يتخيلون حجم رصيدي في البنك، وكمية المصاغ التي ادخرتها، وخبثي الذي لا حدود له، أتقبل كل هذا الظن، لكني لا أتحمل أبدًا تأفف زوجة أخيك حين تأتي لزيارتنا كل عام.
لا تتجهم هكذا (يعدلها إللى لا يغفل ولا ينام). نعم أبيع كل مدخراتي لأجل أولادي، لا تحمل هم الغد، ” بكره يكبروا ويعوضونا”. وتتعدل أحوال البلد؛ سمعت أنهم اكتشفوا حقلا للغاز الطبيعي، وسيتم تصدير الغاز بالدولار، وسوف ترخص الأسعار. افتح القناة الأولي على أخبار التاسعة، كانوا طوال الأسبوع يتحدثون عن آلاف الأفدنة التي تم استصلاحها. وأمس تحدث رئيس الوزراء وأعلن أنه آن للشعب أن يحصد ثمن صبره السنوات الفائتة. اطمئن سيقومون بتعديل الحد الأدنى للمرتبات، وساعتها نستطيع أن ندخل الجمعية بنفرين، ألم تقرأ تلك الأخبار فى الجرنال الذي تحمله طوال اليوم؟
خذ هذا المنديل وامسح عرقك، سمعتهم في النشرة الجوية يتحدثون عن تحسنٍ طفيف فى درجات الحرارة، انتظر سأفتح النافذة التي تطل على الشارع الغربي “مع أن إللى يجي من الغرب ما يسر القلب”.
“تفتكر أن زوجة أخوك هتوافق على اصطحاب أيمن بعدما يتم دراسته إلى الخليج؟
ياه انت نمت؟ انت رجل غريب فعلا، لا أعرف غايتك في أن تنام مكشوفًا.








