“مجتمع الغرقى” .. الحواس في مواجهة الخانات

وسام الخطيب

آمال صبحي

تنتهي إحدى قصص «مجتمع الغرقى» بمحقق أوروبي يسأل فتاة فقدت ذاكرتها في الغابات: من أنتِ؟ الفتاة حفظت حكاية كاملة لتنال اللجوء، والحكاية تنهار أمام السؤال الأول. هذا السؤال هو الكتاب كله. وسام الخطيب كاتبة فلسطينية سورية مقيمة في السويد، ومجموعتها الصادرة عن منشورات جدل عام 2025 تضم أربع عشرة قصة عن حرب في بلد لا يُسمّى، وعن ناس يُطلب منهم في كل محطة أن يعرّفوا أنفسهم فلا يجدون غير خانة جاهزة.

قصة العنوان تضع الفكرة في أصفى صورها. رجل بسيط العقل يغرق في زورق مطاطي ويستيقظ في آخرة تفرز موتاها بحسب طريقة الموت. للغرقى مجتمعهم، وللمجتمع أقسامه واستماراته ومدرسته، والوافد يُعاد فيه إلى مهنته القديمة. القصة لا تذكر اللجوء بكلمة، والقارئ يعرف الشمال الذي تصفه. والأحياء في بقية القصص مصنَّفون مثل الموتى: ضابط تنعاه صحيفة بطلًا وتنعاه أخرى سفاحًا، وزوجة مولدافية يختصرها الحيّ في الأجنبية التي ركضت خلف شاحنة البطاطا، وابن مخيم يُسأل بعد خمسين سنة متى جاء.

بماذا يجيب هؤلاء؟ بما تتقنه أيديهم وحواسهم. الدبّاغ يخترع ألوانًا ويسمّيها. الطباخ يهدّئ خوفه بالقرفة والنعناع. الكفيفة تعرف الحب من يد غريب تعبر بها شارع القناصة، وتعرّف نفسها بجورب لا يُثقب. والعرّافة الباقية في قرية مهدمة ترتّب ما نجا من البيوت على رفوف خزانة بلا باب. الصنعة والحاسة هما جواب هذا الكتاب عن سؤال الهوية. ولكل قصة تقريبًا حاسة تقودها: النظرة في قصة الضابط، والرائحة عند الطباخ، واللمس عند الكفيفة، والسمع عند عازف القانون، واللون عند الدبّاغ. كأن الكتاب يعيد إلى ناسه أجسادهم بعد أن أخذت الحرب أسماءهم.

ومن هنا يبدأ جمال لغة الخطيب. هي لغة تسمّي الأشياء بأسمائها الدقيقة وتثق بأن الاسم يكفي. وكثير من القصص يفتتح بجملة تشبه الحكمة ثم يمتحنها الحكي: الخوف تعلّق بين السماء والأرض بحبال من هواء، والأمل مخدّر يسكّن الفقر والظلم. في «أقبية معطرة» يتوالى الشبت وإكليل الجبل والطرخون والمردقوش والمستكة والسماق، فتتحول القائمة إلى إيقاع، ويصير المطبخ وطنًا يُحمل في الأنف. وفي قصة الدبّاغ تُقرأ الجلود كما تُقرأ الطبائع: جلد الماعز يحفظ ذاكرة الجبل، وجلد الغزال لا يعنيه غير جماله. والدبّاغ يمزج ألوانًا لا يعرفها أحد ويمنحها أسماء من البيوت القديمة كالعتبة والمشربية. التسمية في هذا الكتاب فعل حب، وهي الردّ الأجمل على خانات الاستمارة.

وللكاتبة صور تبقى بعد القراءة. ريح تصفر في ليل كانون أغنية طويلة تحصي أسماء القتلى. أوسمة صُنعت من أنفاس الجنود الأخيرة. جنين تحسّه أمه سمكة صغيرة تسبح في أحشائها، فتتمنى أن تكون له بحرًا طيبًا. حرب تسمعها الكفيفة جرسًا هائلًا. نايات تعزف وحدها وهي تنظر إلى القتلى. هذه الصور تأتي بنبرة هادئة لا ترفع صوتها أمام الفظاعة، والهدوء نفسه يسمح للسخرية بأن تعمل: حفّارة القبور تسمّي زمنها العصر الذهبي للطمر، وثورة قديمة تؤمّم الطرابيش وتضعها على رؤوس أخرى. الكتاب يبتسم حيث ينتظر القارئ البكاء، وهذه الابتسامة تحميه من الرثاء السهل.

أما السرد فيمشي على إيقاع الحكاية القديمة. الشخصيات بلا أسماء كما في الأمثال: امرأة أرادت طفلًا، ورجل لم تُفتح له إشارة خضراء أربعين سنة، وكلبة حامل في مدينة محاصرة. الراوي يحكي العمر كله في صفحات قليلة بثقة الحكواتي الذي يعرف إلى أين يمضي. والغريب يدخل هذه الحكايات بلا ضجيج: حمل يدوم سبعة أيام، وطفل يتكلم سبع لغات، وآخرة لها مدرسة ومطعم. الخطيب تروي العجيب بصوت من يروي خبرًا عاديًا، وهذا سرّ إقناعه. و«سرير الحرب» أجمل أمثلة هذا الفن: الأم تصف طفلها الضائع للناس فيشعر كل منهم أنه يعرفه، ويخرجون جميعًا للبحث عنه. ولها حيل صغيرة ذكية. في قصة العنوان تزيد الجنة ذكاء بطلها البسيط، فتكبر لغته معه. وفي «بطاقات ضبابية» تُروى الحادثة أولًا بأصوات الحيّ: الصبايا يذكرن عيني الأجنبية، والرجال يستغفرون وهم يصفون ثوبها، والأمهات يصمتن لأنهن يعرفن جوع الأطفال. والدبّاغ الذي يبيع مع كل قطعة جلد حكاية يكاد يكون صورة الكاتبة عن فنها.

وأجمل ما في بناء القصص الصورة التي تتحول وهي تتكرر. الحفرة في «حكمة الغراب» قبر، ثم مخبأ على طريق الحدود، ثم مهد لبذرة. القلادة في «تناسخ» تنتقل من عنق طفلة إلى كلبة إلى جروة. صورة الزفاف المائلة تفتتح «لوحة دائرية» وتختتمها. وبعض القصص يبدأ من نهايته، كقصة الضابط التي تُفتتح بخبر موته في صحيفتين متخاصمتين. والخواتيم صور تُترك مفتوحة: صوت مسننات في صدر الغريق، وضفيرتان على الشجرة الوحيدة الباقية، وجورب سليم في مدينة باردة. حتى العناوين تشارك في الحكي، فميدوسا والغراب لا يردان في المتن، والعنوان وحده يحمل مفتاح القصة. والكتاب كله مبني بالعناية نفسها: قصة العنوان تقع قرب منتصفه مفصلًا بين الداخل والمنفى، والأصداء تتنقل بين القصص، فالشيء المعلّق في العنق يظهر في قصتين، والرقم سبعة يحكم حمل الأم وجراء الكلبة.

وخلف هذا الجمال نظرة شجاعة. الكاتبة لا تقدّس ضحاياها ولا تبرّئ جماعة. الكتاب يفتتح بضابط من النظام ويختتم بمقاتل حمل السلاح ضده، ولا بطل في الجهتين. اللاجئون يخطئون، والناجون يحملون ذنبهم معهم، والكفيفة تعترف بامتنان مخجل للحرب التي منحتها لمسة يد. وفي الكتاب حنان لا يعلن عن نفسه: حماة تحتضن كنّتها الأجنبية وتسمّيها ابنتها، وكلبة تترك جروتها لمن يستطيع إنقاذها. بهذا الصدق يكسب الكتاب ثقة قارئه.

تبقى ملاحظات صغيرة لا تنقص من هذا كله. إيقاع الحكاية السريع يمرّ أحيانًا على لحظات كانت تستحق وقفة أطول، وبعض الرواة يشرح صورته بعد أن أدّت عملها، وأصوات الرواة تتقارب في نبرتها التأملية. وحين تتمهل الكاتبة عند مشهد يظهر ما تستطيعه كاملًا، كما في رفوف العرّافة وفي البيت الذي يجده المقاتل نسخة من بيت طفولته.

«مجتمع الغرقى» كتاب يعرف ما يريد قوله، ويقوله بذكاء وحنان. أجمل قصصه قصة العنوان و«جوارب مضيئة» و«حكمة الغراب» و«سرير الحرب»، وفيها تحمل الصورة الفكرة وتسكت. ما يبقى بعد القراءة اكتشاف بسيط: الغريق في هذا الكتاب هو من وصل، وما ينقذه شيء صغير يعرفه بحواسه. رائحة، أو لون، أو يد غريب في شارع القناصة.

آمال صبحي

9 مقال
روائية سورية، صدر لها: ظلان لامرأة واحدة ـ رواية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع