أحمد طه.. سليل النهر والأبرار

ahmed tahaa

سامح قاسم

“كل اللغات خؤونة
كل المحاريب الصديقة كذبتنا
كل السيوف توضأت حين اللقاء
وسلمتنا”.
بهذه اللغة التي تضع الخيانة في مركز التجربة، وتحوّل الإحساس الشخصي إلى سؤال وجودي وسياسي، كتب الشاعر أحمد طه مشروعه الشعري. لم يقترب من القصيدة باعتبارها تمريناً جمالياً منفصلاً عن العطب الإنساني. قصيدته خرجت من توتر دائم بين الجسد والأرض، بين المنفى والوطن، بين الأمل والخراب، وبين الإيمان القديم بالعالم والانكسار الذي أصاب هذا الإيمان. لذلك تبدو نصوصه وكأنها أتية من جرح مفتوح، لا من داخل تقاليد شعرية مستقرة.
ينتمي أحمد طه إلى جيل شعري ظهر في مساحة مضطربة ثقافياً وسياسياً. جيل عرف انهيار اليقينيات الكبرى، وعاين اتساع الهامش الاجتماعي، وتحول المدينة إلى مكان طارد لأبنائه. هذا المناخ ترك أثره العميق على قصيدته. لذلك كتب عن الوطن باعتباره فقداً دائماً. الوطن عنده خبرة جسدية ونفسية مرتبطة بالطفولة والفقر واللغة والطمي والخبز والأمكنة الصغيرة. لهذا السبب تتكرر في نصوصه مفردات النهر والطين والجوع والدم والخبز واليتامى والشوارع القديمة. كل هذه العتاصر شكلت البنية الحقيقية التي يتحرك داخلها عالمه الشعري.
في ديوان “لا تفارق اسمي” تظهر هذه الرؤية بوضوح شديد. القصيدة هناك تتحرك مثل ترتيل طويل، ممتد بين المناجاة والاعتراف والاحتجاج. الشاعر في النصوص يبدو دائم القلق من الاقتلاع، لذلك يقول: “ها أنا أصبح ضدًا للإقامة”. هنا الإقامة نفسها تتحول إلى عبء، والثبات يصير نوعاً من الموت. لهذا تتأسس القصيدة على الحركة المستمرة: الرحيل، النداء، العبور، الهروب، العودة، التشتت. حتى العلاقة بالمرأة تأتي مرتبطة بهذه الفكرة. المرأة ليست معشوقة تقليدية، إنها مساحة خلاص مؤقت من وحشة العالم، ولهذا يطلب منها: “وهبيني بعضاً من الدفء والخبز والكلمات”. الحب هنا مرتبط بالحاجة الإنسانية الأولى، لا بالرومانسية المجردة.
اللافت في تجربة أحمد طه أن اللغة الصوفية حاضرة بقوة. التصوف عنده يتحول إلى أداة لفهم الخراب الإنساني. تتكرر مفردات مثل: الترتيل، الوجد، الرب، النبيون، الملائكة، الأسفار، الدعاء، المحاريب. لكن هذه المفردات تتحرك داخل عالم مُحطم ومُهدد. لذلك يبدو الشاعر أقرب إلى درويش فقد الطمأنينة القديمة، وبات يبحث عن معنى وسط عالم متداعٍ. حين يقول: “أعوذ بالبعد من الكراهة / أعوذ بالوجد بك من فقدك” فهو يستخدم البنية الدينية للدعاء كي يعبّر عن خوف إنساني عميق من الفقد والعزلة.
قصيدة أحمد طه طويلة النفس في الغالب. تعتمد على التدفق الصوتي والتكرار والإنشاد الداخلي. وهذا ما يمنحها طابعاً أقرب إلى المراثي أو النصوص الطقسية. لكنه لا يكتب بلغة تراثية مغلقة، فالمفردة عنده تظل متصلة بالحياة اليومية وبالواقع الاجتماعي القاسي. لذلك يستطيع أن يجمع بين “الرب” و”لخبز” و”الطمي” و”الشوارع العتيقة” داخل النسيج نفسه دون افتعال. هذه القدرة على دمج المقدس واليومي واحدة من أبرز خصائص تجربته.
في نصوصه أيضاً حضور واضح لفكرة الجسد كساحة للصراع. الجسد عنده مُتعب، مطارد، منزوع الأمان، وكثيراً ما يبدو مرتبطاً بالأرض والنهر والدم. حتى الوطن نفسه يتحول إلى جسد جريح. ها هو يقول: “هل جرحك النهر / أم أنت جرح الأرض”. هنا تختفي الحدود بين الإنسان والمكان. النهر ينزف، والأرض تتألم، والجسد يحمل خراب الجميع.
أما ديوان “الطاولة 48″ فيكشف جانباً آخر من تجربته، أكثر اقتراباً من الموت باعتباره حدثاً يومياً. النص الذي يبدأ بـ”ها أنت تعاود غيبتك الأولى” يقدّم رؤية للموت كعبورٍ معرفيٍ وروحيٍ، لا مجرد نهاية بيولوجية. الموتى في القصيدة ينتظرون الشاعر كي يكتب “أوراد الفقراء وأدعية البررة”. الكتابة هنا تأخذ وظيفة خلاصية، لكنها تبقى عاجزة أمام الفقد الكامل. لذلك يعرف الشاعر أن “الموت الأول لا يسع الموت الثاني”. العبارة تفتح المعنى على مستويات عديدة: موت الجسد، موت الروح، موت الأوطان، موت اللغة نفسها.
وفي “إمبراطورية الحوائط” يصل أحمد طه إلى واحدة من أكثر مناطق تجربته كثافة ونضجاً. هنا يتخلى عن التدفق الطويل نسبياً، ويتجه إلى بناء قصيدة قصيرة تعتمد على التكرار والاسترجاع الطفولي. بعض النصوص تنتهي جميعها بعبارة “إذن فقد كان لك وطن حقيقي” تُعد من أجمل ما كُتب عن علاقة الإنسان بوطنه من خلال التفاصيل الصغيرة لا الشعارات الكبرى. الوطن هنا ليس مؤسسة سياسية، وإنما خبرة معيشة: سرير قديم، قطة مليئة بالبراغيث، مريلة مدرسية، خنافس، حديقة رجل غني، سجادة جامع، خريطة محفوظة عن ظهر قلب. القصيدة تعيد تعريف الانتماء عبر الذاكرة الحسية واليومية.
تكمن قوة هذه النصوص في أنها لا تقع في الحنين المجاني. الشاعر لا يجمّل الماضي، لكنه يحاول استعادته بكل فقره وخشونته. ومع ذلك يظل الماضي أكثر دفئاً من حاضر الاغتراب. لذلك يتحول الوطن إلى شيء يُعاد اكتشافه بعد فقده. هذه واحدة من الأفكار المركزية في شعر أحمد طه: الإنسان لا يعرف قيمة المكان إلا عندما يصبح بعيداً عنه.
أسلوبه الشعري يقوم على عدة عناصر واضحة. أولها الجملة المتدفقة التي تحمل إيقاعاً داخلياً قوياً دون اعتماد صارم على الوزن التقليدي. ثانيها التكرار كأداة لبناء المعنى والانفعال معاً. ثالثها المزج بين اللغة الصوفية والسياسية واليومية. رابعها الاعتماد على الصورة الكلية أكثر من الصورة الجزئية؛ فقصيدته لا تقوم على اللمعة البلاغية السريعة، القصيدة عنده تقوم على بناء مناخ كامل من الحزن والبحث والاقتلاع.
كما أن قصيدته تمتلك حساً درامياً واضحاً. هناك دائماً صوت يخاطب آخر: امرأة، بحر، نهر، وطن، رب، موتى، أرض. هذه الحوارات الداخلية تمنح النص توتره المستمر. المتكلم لا يصل إلى يقين نهائي، فهو يبقى معلقاً بين النداء والخذلان.
لهذا يبدو أحمد طه شاعراً كتب من الهامش الإنساني بكل ما يحمله الهامش من فقر ووحدة وخوف ورغبة في النجاة. قصيدته لا تعد بالخلاص، لكنها تمنح القارئ إحساساً نادراً بالصدق. وذلك ما يجعلها قادرة على البقاء.

سامح قاسم

33 مقال
شاعر وفنان تشكيلي مصري. من أعماله: كتاب الوهم والحقيقة، شعر، دار روافد. ميل إلى السعادة، دار روافد

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع