الذهول في شعر أديب كمال الدين: قراءة تأويلية ثقافية وفلسفية

أديب كمال الدين

بولص آدم

  يُعدّ أديب كمال الدين شاعرًا عراقيًا معاصرًا، وُلد في محافظة بابل عام 1953، وتتميّز تجربته الشعرية بمزج الرمز بالتأمل الفلسفي، واستكشاف أسئلة الإنسان والوجود من خلال لغة بسيطة ذات دلالات عميقة. وفي قصيدته «ذهول»، ينطلق الشاعر من تفاصيل الحياة اليومية لطرح تساؤلات تتجاوز التجربة الفردية، وصولًا إلى مساءلة الواقع الإنساني وعلاقة الذات بالعالم.

  تقوم القصيدة على مفارقة أساسية بين عالم الأحلام، بما يمنحه من حرية وسعادة ودفء، وعالم اليقظة، بما يكشف عنه من مآسٍ وكوارث. ويستهل الشاعر نصه بقوله: «الذي اخترع النوم كان عبقريًا حقًا»، مانحًا النوم بُعدًا يتجاوز وظيفته البيولوجية، ليغدو وسيلة للابتعاد مؤقتًا عن واقع يثقل كاهل الإنسان. فالنوم يمثل هنا فضاءً بديلًا تستطيع الذات من خلاله تجاوز قيودها واختبار أشكال أخرى من الوجود، وكأن الحلم يعوّضها عما تفتقده في حياتها اليومية.

  ويتجلى هذا المعنى في تحوّل الشاعر إلى طائر يشعر بالسعادة، ثم إلى شجرة يشعر بالدفء. فالطائر رمز للحرية والانطلاق، والشجرة رمز للثبات والاستقرار والانتماء. ويكشف هذا التحول عن حاجتين متكاملتين في النفس الإنسانية: الرغبة في التحرر من القيود، والحاجة إلى الأمان والسكينة. ومن منظور فلسفي، تعبّر هذه التحولات عن بحث الذات عن أشكال بديلة للوجود، تحقق من خلالها تطلعات تعجز الحياة الواقعية عن إشباعها.

  ويعود الشاعر بعد ذلك إلى حياته اليومية، فيتناول فطوره ويشاهد التلفزيون الذي يعرض «مصائب الكون الكبرى / الواحدة بعد الأخرى». ويشكّل الانتقال من الحلم إلى اليقظة لحظة فاصلة في بنية القصيدة، إذ ينقل القارئ من فضاء الخيال المفعم بالسعادة إلى واقع مثقل بالمآسي. ويكتسب التلفزيون دلالة ثقافية تتجاوز وظيفته بوصفه وسيلة لنقل الأخبار، ليصبح نافذة يتسلل عبرها ألم العالم إلى الحياة الخاصة. فالشاعر يمارس طقوسه اليومية المعتادة، فيما تنكشف أمامه معاناة الآخرين، وينشأ بذلك تناقض بين استمرارية الحياة الفردية وتتابع الكوارث الإنسانية.

  وتوحي عبارة «الواحدة بعد الأخرى» بتراكم المآسي واستمرارها، حتى يبدو الألم مشهدًا متكررًا في حياة الإنسان المعاصر. وهنا تبرز مفارقة ثقافية وأخلاقية؛ إذ قرّبت وسائل الإعلام الإنسان من معاناة الآخرين، وأتاحت له الاطلاع على صور الألم والدمار في مختلف أنحاء العالم، مع بقائه محدود القدرة على تغيير مجريات الأحداث. وقد يتحول التعرّض المتكرر للمشاهد المأساوية إلى تجربة من العجز والذهول، حين يجد الإنسان نفسه محاطًا بمعرفة واسعة بما يحدث، فيما تظل قدرته على التأثير محدودة.

  وتبلغ القصيدة ذروتها في قول الشاعر: «أشعر بأنني إنسان / فينتابني الذهول». وتكمن المفارقة في أن الشعور بالإنسانية يقود إلى الصدمة والحيرة. فالوعي بالإنسانية يعني، في هذا السياق، إدراك التناقض بين القيم التي يُفترض أن تحكم العلاقات البشرية، مثل الرحمة والعدالة والتضامن، وبين واقع تتكرر فيه صور الألم والدمار. ومن هنا ينتقل النص من مشاهدة المصائب إلى مساءلة معنى الإنسان ومسؤوليته الأخلاقية تجاه العالم الذي يعيش فيه. ويغدو الذهول استجابة وجدانية وفكرية لوعي يصطدم فيه الإيمان بالقيم الإنسانية بقسوة الواقع وتناقضاته.

  وتعتمد القصيدة على منظومة من الصور الشعرية والرموز المتكاملة؛ فالطائر يجسد الحرية، والشجرة ترمز إلى الدفء والاستقرار، والنوم يمثل ملاذًا مؤقتًا من أعباء الواقع، فيما يكشف التلفزيون عن حضور المأساة الإنسانية داخل الحياة اليومية. وتتجلى الاستعارة في وصف النوم بالعبقرية، إذ يمنحه الشاعر صفة الإبداع والقدرة على ابتكار فضاء مختلف للوجود. وتؤدي المفارقة بين السعادة في الحلم والذهول في اليقظة دورًا محوريًا في تشكيل الدلالة، فيما تمنح اللغة البسيطة والتراكيب القصيرة النص كثافة تعبيرية، تجعل تفاصيل الحياة اليومية مدخلًا إلى تأمل فلسفي عميق.

  ومن منظور ثقافي، تكشف القصيدة عن مأزق الإنسان المعاصر الذي يعيش حياته الخاصة وسط تدفق مستمر لأخبار الحروب والكوارث والمآسي. ويضع هذا الواقع الفرد أمام تجربة أخلاقية معقدة، تتداخل فيها المعرفة بالعجز، والتعاطف بالعجز عن التدخل، واستمرار الحياة اليومية مع الإحساس بثقل المعاناة الإنسانية. ومن منظور فلسفي، يتصل الذهول بلحظة انكشاف تتراجع فيها الألفة مع العالم، ويجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى إعادة التفكير في معنى وجوده وموقعه من آلام الآخرين.

  إن قصيدة «ذهول» تمثل تأملًا في الوجود الإنساني، وفي التناقض بين تطلعات الإنسان إلى الحرية والسكينة وما يواجهه من مآسٍ. فالذهول الذي ينتهي إليه الشاعر يجسد صدمة الوعي حين يصطدم الواقع بالقيم الإنسانية التي يؤمن بها الفرد. ومن خلال تجربة يومية بسيطة، يفتح أديب كمال الدين أفقًا فلسفيًا للتساؤل عن معنى الإنسانية وحدود قدرة الإنسان على مواجهة الألم. وهكذا يتحول الوعي بمآسي العالم إلى مواجهة عميقة مع الذات ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه الآخرين، وتصبح لحظة الذهول تعبيرًا عن يقظة الضمير أمام عالم تتجاور فيه الحياة اليومية مع صور المعاناة والدمار.

بولص آدم

95 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع