إبراهيم زولي
ثمة خطأ قديم في تعريف الإنسان يبدأ من الاعتقاد بأن القوة هي صورته المثلى، وأن ما عداها نقص ينبغي إخفاؤه أو تجاوزه. نتعلم مبكرًا كيف نتماسك، كيف لا نُظهر خوفنا، كيف نحول الألم إلى قصة نجاح، وكأن الحياة لا تعترف إلا بمن يعبرها واقفًا، من غير ارتجاف ولا أثر للكسر. لكن ماذا لو كان أكثر ما يجعلنا بشرًا هو تحديدًا ما حاولنا طويلًا إخفاءه؟ ماذا لو لم تكن الهشاشة عطبًا في تكويننا، بل جزءًا من بنيتنا؛ ذلك الجزء الذي يجعلنا قابلين للحب لأننا قابلون للفقد، وقادرين على التعاطف لأننا نعرف الألم، ومفتوحين على الآخر لأن أحدًا لا يستطيع الاكتفاء بنفسه؟
كثير مما نحبه يستمد قيمته من احتمال زواله: الطفل لأنه سيكبر، الوجه لأنه سيتغير، اللقاء لأنه سينتهي، والصوت لأنه قد يصمت. حتى الأماكن الراسخة تبدأ، منذ اللحظة الأولى، في التحول داخلنا إلى ذاكرة. كأن الجمال لا يكتمل إلا حين يمر به ظل الغياب.
الهشاشة هي إمكانية الانكسار قبل أن تكون انكسارًا. وهي لا تعني العجز؛ معناها أن المرء يعيش بلا ضمان نهائي، يحب ولا يملك وثيقة تؤكد بقاء من يحب، ويبني ولا يعرف كم سيبقى ما بناه. ليست هذه نظرة قاتمة بقدر ما هي طريقة أخرى لرؤية الأشياء، طريقة تعيد إليها كثافتها التي تبددها أوهام الأبدية.
الشق الذي يضيء
رأى باسكال الإنسان «قصبة مفكرة». وفي هذه الصورة تكاد تتكثف المفارقة كلها؛ كائن بالغ الضعف أمام الطبيعة، لكنه يعرف ضعفه وموته. عظمته هنا ليست في أنه يتجاوز هشاشته، وإنما في أنه يعيها. يعرف أنه زائل ثم يؤسس البيوت، يعرف أن أحبته سيمضون ثم يفتح لهم قلبه، يعرف أن جسده يتناقص كل يوم ثم يخطط للغد. شيء فيه يواصل السير رغم المعرفة التي يحملها عن نهايته.
ربما لهذا لا يخرج الضوء من الأسطح المصقولة بقدر ما ينبثق من الشقوق. الوجه الذي لم تمحه مستحضرات الكمال يقول أكثر من الوجه الذي تحول إلى قناع. اليد المرتجفة وهي ترفع فنجان الصباح تحمل تاريخًا لا تستطيع اليد المثالية أن تقوله. وصوت رجل يتوقف لحظة عند اسم أمه الراحلة قد يكون أصدق من خطبة كاملة عن الوجع. ثمة أشياء لا تظهر إلا حين يفقد المرء شيئًا من سيطرته على صورته.
العالم المعاصر بنى اقتصادًا كاملًا على إخفاء هذه الحقيقة: جسد بلا عمر، وجه بلا تعب، سيرة بلا تعثر، رأي بلا شك. حتى الأحزان تُقاس بقدرتنا على تجاوزها سريعًا، وكأن الحزن عطل تقني، لا أثرًا تركه مرور شخص أو تجربة في أعماقنا.
كان بودلير يرى الجمال مشدودًا بين العابر والزائل وبين ما يتطلع إلى البقاء. وتلك الرؤية تتجاوز الفن إلى الوجود نفسه؛ فالشيء لا يفقد جماله لأنه عابر، وربما يكتسب من عبوره شيئًا إضافيًا. الغروب لا يحتاج إلى الخلود كي يكون كاملًا، والوردة ليست ناقصة لأنها ستذبل؛ لعل جانبًا من جمالها كامن، على نحو خفي، في أن الذبول يسكن تفتحها منذ البداية.
سقوط البطل الصلب
طويلًا صنعت الثقافات أبطالها من مادة لا تشبه البشر؛ أبطالًا لا يخافون ولا يترددون ولا يسقطون. لكن هذا البطل بات أقل إقناعًا، لأن الكائن الحقيقي يتقدم ويتراجع، يعرف ويشك، وقد ينجو من كارثة كبيرة ثم تهزمه، في مساء عادي، نوبة من الوحدة.
البطولة الأكثر إنسانية تظهر في الطريقة التي يحمل بها المرء سقوطه. أن يقول «أخطأت» قد يكون أشجع من أن يدافع عن خطئه أعوامًا ليحافظ على صورته. وأن يقول «لا أستطيع» قد يحتاج إلى قوة أكبر من مواصلة دور لا يطيقه. أما طلب يدٍ في لحظة عجز، فلا ينتقص من استقلال أحد؛ إنه اعتراف بأن فكرة القوة المكتفية بذاتها لم تكن سوى وهم قديم.
ولهذا يظل سؤال مونتين «ماذا أعرف؟» أكثر من عبارة في تاريخ الشك. إنه تهذيب للغرور، واعتراف بأن العقل نفسه هش، وأن قول «لا أعرف» قد يكون بداية للمعرفة، لا تراجعًا عنها. كم من الكوارث صنعتها ثقة لا يشوبها شك، وكم من العنف خرج من يقين لا يسمح لنفسه بالمراجعة.
الفكر الذي لا يعرف هشاشته يتحول بسهولة إلى عقيدة مغلقة. أما العقل الذي يترك احتمالًا للخطأ فيبقى قادرًا على الإصغاء والتغير. ومن هنا تتصل هشاشة الجسد بهشاشة اليقين؛ كلاهما يذكرنا بأننا محدودون. وربما كان الاعتراف بالحدود بداية أخلاق. فالذي يعرف أنه قد يخطئ يكون أقل قسوة على أخطاء الآخرين، والذي اختبر الفجيعة لا يعبر أمام حزن الناس بخفة، والذي عرف الخوف يدرك أن الشجاعة ليست في اختفائه، بل في مواصلة السير وهو إلى جواره.
الجسد لا يكذب
قبل الفلسفة وقبل اللغة، هناك الجسد. هو أكثر ما نملك وأقل ما نملك في الوقت نفسه. نسكنه ولا نتحكم فيه تمامًا. يحملنا إلى العالم ثم يبدأ ببطء في إعلان حدوده؛ يجوع، يتعب، يمرض، يشيخ، ويرتجف. وفي كل مرحلة يكتب الزمن عليه شيئًا لا يمكن محوه بالكامل.
ربما كان الجسد النص الوحيد الذي لا نستطيع تزوير نسخته الأخيرة. يمكن للمرء أن يخفي عمره في صورة، لكنه لا يستطيع إيقاف العمر. الجسد حدث مستمر، وما نسميه تجاعيد ليس خللًا بقدر ما هو أثر للإقامة الطويلة في الحياة.
هوس العصر بالجسد الكامل أحد أكثر أشكال الخوف من الهشاشة وضوحًا. المطلوب جسد لا يشيخ، ووجه لا يتبدل، وطاقة لا تنخفض. لكن أي جسد نريده إذا حذفنا منه الزمن؟ الجسد الذي لا يحمل أثرًا ليس جسدًا عاش. في اليد التي أصبحت أبطأ تاريخ كامل، وفي الندبة واقعة لم تعد موجودة إلا هناك، وفي التعب الذي يمر على الملامح علامة على أن المرء كان موجودًا في يومه، لا مجرد صورة فيه.
تذهب مارثا نوسباوم، في حديثها عن هشاشة الخير، إلى أن ما يجعل حياتنا جيدة يظل معلقًا بأشياء لا نتحكم بها كليًا. نحتاج إلى الصداقة لكن الصديق حر في الرحيل، وإلى الحب غير أن المحبوب ليس ملكًا لنا، وإلى الصحة لكنها ليست عقدًا أبديًا. والمفارقة أن أكثر ما يمنح الوجود قيمته هو نفسه ما يجعله عرضة للكسر.
يمكن لمن يريد حماية نفسه تمامًا أن يقلل احتمالات الخسارة: لا يحب كثيرًا، لا يثق كثيرًا، لا ينتظر أحدًا. لكنه، وهو يحصن نفسه ضد الألم، يضيق في الوقت نفسه مساحة ما يمكن أن يعيشه. الحصانة المطلقة قد تبدو أمانًا، لكنها تترك وراءها شيئًا باردًا وفقيرًا.
ما لا يُضمن
قيمة العلاقات لا تأتي من ضمانها، بل من هشاشتها. هذا ما لا نحب الاعتراف به حين نحب. نقول «دائمًا» مع أن الحياة لا توقع عقودًا من هذا النوع. نتعامل أحيانًا مع وجود الآخر كأنه جزء من أثاث العالم، حتى تأتي لحظة تكشف لنا أنه كان احتمالًا نادرًا طوال الوقت.
الفقد يعيد ترتيب قيمة الأشياء بأثر رجعي. فنجان عادي يصبح أثرًا، ورسالة قصيرة تتحول إلى كنز، وضحكة مسجلة بالمصادفة تصبح ما تبقى من صوت. لم تتغير الأشياء؛ الذي تغير هو أنها صارت آخر ما لدينا.
لهذا لا يبدو الحب امتلاكًا، وإنما إقامة مؤقتة في هشاشة مشتركة. حين نقترب من شخص نمنحه، من حيث ندري أو لا ندري، القدرة على أن يترك فينا فراغًا. كل علاقة حقيقية تحمل منذ بدايتها هذه المجازفة. ومن يطلب من الحب ضمانًا كاملًا يطلب شيئًا لا يشبهه.
ومن هذه المعرفة يمكن أن تنشأ أخلاق أكثر رفقًا. فإذا كان كل واحد يحمل نقطة قابلة للكسر لا يراها الآخرون، تصبح الكلمات مسؤولية. قد لا تعرف أمام أي هاوية يقف الشخص الذي تحدثه. هذا لا يعفي أحدًا من مسؤوليته، ولا يجعل الألم رخصة لإيذاء الآخرين، لكنه يذكّرنا بأن العالم مليء بمعارك لا نراها. ومعرفة كهذه لا تجعلنا أضعف، لكنها قد تجعلنا أقل قسوة.
الحياة من جهة الكسر
مديح الهشاشة لا يعني مديح الألم. المرض ليس جميلًا، والخسارة ليست امتيازًا، والانكسار لا يجعل صاحبه بالضرورة أكثر حكمة. ثمة جراح لا تفتح نافذة، بل تحتاج سنوات كي تتوقف عن النزف. ولا ينبغي للأدب أن يحول المعاناة إلى استعارة جميلة لمجرد حاجته إلى جملة لامعة.
المقصود شيء آخر: ألّا نضيف إلى الألم عارًا، وألّا نطالب المجروح بأن يعتذر عن جرحه، وألّا نجعل التماسك شرطًا لاحترامه. فالخوف لا ينتقص من شأن أحد، ولا استمرار ألم هزيمة قديمة، ولا التأخر في النهوض بالسرعة التي يتوقعها الآخرون.
بعض التجارب لا تعيدنا إلى ما كنا عليه، وهذا ليس دائمًا فشلًا. أحيانًا نصبح شخصًا آخر يستطيع حمل ما حدث. الجرح لا يختفي دائمًا؛ الذي يتغير هو علاقتنا به.
وهنا تصبح الهشاشة فنًا للعيش: أن تعرف مواضع ضعفك من غير أن تجعلها هويتك الوحيدة، وأن تقبل خوفك دون أن تسلمه قيادة حياتك، وأن تعرف أنك قد تُهزم ثم تدخل التجربة على أي حال. وهذا قريب من إصرار كامو على «العيش والخلق، حتى وسط الصحراء». ليست الصحراء مكانًا فقط، بل صورة لذلك الفراغ الذي قد يجد المرء نفسه فيه بعد انهيار معنى كان يسنده. وما يبقى عندئذ ليس يقينًا جديدًا بالضرورة، وإنما فعل صغير: أن يعيش، وأن يخلق.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى معنى عظيم. تكفينا أحيانًا أسباب صغيرة: نافذة تفتح في الصباح، كتاب لم ننته منه، شخص نحب أن يسمع صوتنا، أو شجرة اعتدنا رؤيتها. كثيرًا ما تأتي النجاة من تفاصيل لا تنتبه إليها النظريات الكبرى.
من هنا يصبح الدفاع عن الهشاشة دفاعًا عن وجودنا ضد نسخته المصقولة؛ عن ذلك الذي يتعب ويواصل، يخاف ويقترب، يفقد ثم يجد في نفسه مكانًا لحب جديد. في زمن يضع القوة في واجهات العرض، قد يصبح الاعتراف بالهشاشة نوعًا من العصيان الهادئ: أن تقول لا أعرف، أخطأت، أحتاج إليك، هذا يؤلمني؛ أن تتوقف حين يطالبك كل شيء بالإسراع، وأن تعيش، ولو للحظة، خارج الصورة.
لسنا كائنات مكتملة، ولن نصير. نحن مجموع ما ثبت فينا وما انكسر، ما عرفناه وما لم نفهمه، من بقوا ومن ذهبوا، والندوب التي التأمت وتلك التي تعلمنا فقط كيف نعيش حولها. لا حاجة إلى أن نحب انكساراتنا؛ يكفي ألّا نخجل منها.
الهشاشة ليست على الضفة الأخرى من الحياة، بل في صميمها. وربما يكون الإنسان، في النهاية، أقرب إلى قصبة باسكال: كائنًا يستطيع العالم أن يكسره، لكنه يعرف أنه موجود فيه. قصبة ترتجف، وتفكر، وتحب. ولهذا، بالضبط، لا تنكسر تمامًا.



















