عبد السلام فاروق
في كل عام، يحل الموعد. لا أعرف لماذا أختاره، أو لماذا يختارني. ربما هي عادة، أو ربما إدمان من ذلك النوع اللطيف الذي لا يضر الصحة ولا يخل بالآداب. أحزم حقيبتي، وأتعهد أمام نفسي بتعهدات رسمية؛ هذا العام سأكون سائحاً منضبطاً. سأزور المتحف المصري، سأقف أمام قناع توت عنخ آمون طويلاً، أدخل الأهرامات، ألمس حجرها البارد، وأذهب إلى قلعة صلاح الدين، إلى مسجد محمد علي، إلى الكنيسة المعلقة، إلى كل الأماكن التي تزورها الأمهات والآباء عندما يأتون إلى القاهرة. أعد قائمة طويلة، أكتبها أحياناً في هاتفي المحمول، أحياناً في مفكرة صغيرة، وأحياناً في رأسي التي تضيق فجأة بتلك الخطط المنظمة.
ثم أهبط من القطار.
والقاهرة تفعل بي ما تفعله دائماً. كأن هناك اتفاقاً سرياً بيني وبين هذه المدينة، لم أوقّعه، لكني ألتزم به رغماً عني. ما أن تلمس قدماي أرض محطة قطار رمسيس حتى تتبخر كل الخطط. تذوب كقطعة ثلج في كوب شاي ساخن. تختفي كما تختفي الكلمات من على شاشة الهاتف عندما تموت البطارية فجأة. وتحل مكانها رغبة وحيدة، بسيطة، طفولية تقريباً أن أمشي.
أمشي فقط. بلا هدف، بلا خريطة، بلا بوصلة. في الشوارع المكتظة بالبشر، حيث تتصادم الأكتاف، وتختلط الروائح، وتعلو الأصوات. حيث السيارات لا تتوقف عن إصدار أصواتها. “الكلاكس” – كلمة لا تصف الحقيقة تماماً. الكلاكس في أي مدينة أخرى هو تنبيه، تحذير، إشارة. أما في القاهرة فهو لغة ثانية، لهجة موازية، موسيقى خلفية للمشهد. كلاكس غاضب، أو فرحان، أو يقول أنا موجود!، وربما يقول ابتعد عني!، وآخر يقول انظر إلى هذا الزحام الجميل!.
أمشي، وأنا أعرف أنني أفعل الشيء الخطأ. أنا هنا من أجل الأهرامات والمتاحف، وهذا رجل بالغ يحمل شهادة جامعية ويعرف قيمة الحضارة المصرية القديمة، ولكنه يفضل أن يتوه في شوارع لا تختلف كثيراً عن بعضها، حيث واجهات المحلات متشابهة، وحيث الباعة ينادون عليه بصوت واحد تفضل يا باشا، ؟ أنت صعيدي صح؟.
لا أعرف كيف يكتشفون ذلك. ربما مشيتي، ربما نظراتي الحائرة، ربما الطريقة التي أمسك بها حقيبتي. لا يهم. المهم أنهم يكتشفون، ويضاعفون الأسعار على الفور. ضريبة الوافدين، كما أسميها. وهي ضريبة لا تزعجني كثيراً، لأنها جزء من اللعبة، لعبة القاهرة التي لا أتقن قواعدها ولكنني أستمتع بخسارتي فيها.
وهناك شيء آخر. شيء لا يمكن تفسيره بسهولة. سحر شاعري – أو سحر طبي كما أحب أن أتخيله لو كنت طبيباً – يجذبك من تلابيبك. لا يتركك حتى تشعر به بكل جوارحك. في أشياء صغيرة؛ لافتة نيون مكسورة، تومض كأنها تبعث لك رسالة مشفرة. لمبة تحاول أن تتنفس، ترتفع درجة حرارتها ثم تخفت، كقلب يعاني من قصور. أتوقف أمامها طويلاً، وأنا أعرف أنني أبدو أحمقاً، لكنني لا أهتم.
أو في قطرات الماء التي تتساقط من حنفية مياه مهملة. كل قطرة لها إيقاعها الخاص. قطرات غير متساوية، متباعدة أحياناً، متقاربة أحياناً، تشكل لحناً لا يسمعه أحد غيري. أصنع في رأسي توزيعاً موسيقياً لتلك القطرات. أعطي لكل قطرة نوتة موسيقية. أسمع سيمفونية كاملة من مجرد حنفية عجوز تئن.
أو في الشحاتين. هؤلاء الذين يمدون أيديهم، ليس دائماً للحصول على نقود، أحياناً للحصول على تفاعل. يلاحقونك بدعواتهم الغريبة. “ربنا يفرجها عليك يا حبيبي”، “ربنا يرزقك بنت زي القمر”، “يا باشا، أنت راجل طيب، ربنا يخليك لأهلك”. دعوات أقرب إلى النكات، نكات أقرب إلى الدعاء. لا أعرف كيف يبتكرون هذه العبارات على الهواء، لكنهم يفعلون، وأنا أبتسم رغماً عني، وأعطي نقوداً ربما أكثر مما يستحقون، وأشعر أنني خدعت. وأكمل طريقي مبتسماً.
والأكشاك. أكشاك الكتب. تلك الأكشاك التي كادت أن تنقرض في كل مكان. في لندن لم أعد أراها، في باريس قليل، في نيويورك اختفت تماماً. لكن هنا، في القاهرة، لا تزال هناك. أكشاك خشبية صغيرة، على الأرصفة، في الشوارع الجانبية، أمام الجامع الكبير، عند مدخل المترو. كومة من الكتب مكدسة بطريقة عشوائية، أغلفتها مغبرة، بعضها ممزق، بعضها يبدو وكأنه لم يفتح منذ سنوات. أدور بينها كمن يبحث عن كنز. وأجد أحياناً. كتاب صغير لكاتب لا أعرفه، رواية قديمة طالما بحثت عنها، ديوان شعر لم يعد يطبع. في تلك الأكشاك، خارج أي نظام، خارج أي تصنيف، تظل الكتب حية، تتنفس، تنتظر من يلتقطها.
القاهرة، بهذا المعنى، ليست مجرد مدينة. هي رواية. ولكنها من ذلك النوع النادر من الروايات التي تعيد قراءتها مراراً، وكل مرة تكتشف فيها شيئاً جديداً. ليست رواية بوليسية، ولا رومانسية، ولا تاريخية. إنها خليط غريب من كل هذه الأنواع. وفي صفحتها الأولى، هناك تنويه غير مكتوب لكنه مفهوم، كل الشخصيات التي ستصادفها، وكل الأحداث التي ستعيشها، ليست من وحي الخيال. إنها حقيقة. ولكنها من النوع الجميل من الحقائق، حقيقة حلوة ولذيذة، يمكن أن تحدق بها طويلاً دون أن تمل.
في هذا الجو الروائي، تتعرف على كتاب. في القاهرة، تحديداً، تعرفت على طلال فيصل. الروائي الوحيد الذي قرأت كل ما كتب. لا أعرف كيف بدأت معه. ربما في مكتبة صغيرة بحي العباسية، أو في كشك أمام ميدان التحرير. أخذت “سيرة مولع بالهوانم” بدون أي توقعات، وغرقت. ثم تابعت كل شيء: “سرور”، “بليغ”، “الغابة والقفص”، حتى آخر روايته “جنون مصري قديم”. في كل مرة يدهشني. يكتب عن أشياء تبدو عادية، لكنه يدخلها من أبواب لا تتوقعها. يكتب عن العاشقين، عن المغنين، عن المجانين، عن الفراعنة أيضاً، بطريقته الخاصة. أحياناً أتساءل هل كان طلال فيصل سيبدو رائعاً لو قرأته في بيروت أو الدوحة أو لندن؟ ربما. لكنني أشك. أظن أن القاهرة هي البيئة المناسبة له، القاهرة التي يدور معظم رواياته في شوارعها وأزقتها ومقاهيها.
وفي القاهرة أيضاً عثرت على مينا مبارك. لم أكن أعرفه. لم أقرأ له أي شيء. في مكتبة “ديوان” بالزمالك ،المكان الصغير، الأنيق، الذي يختلف كثيراً عن أكشاك الأرصفة لكنه يشبهها في الروح، وجدت روايته “احتفالية اليوم الوطني للثلج”. العنوان غريب، كعنوان قصة قصيرة روسية. الثلج في القاهرة غير معقول، اليوم الوطني غير مألوف، الجمع غريب. أخذت الرواية وفتحتها في أول صفحة، وقرأت الجملة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ولم أعد أستطيع التوقف.
هناك كتاب يكتبون القاهرة من بعيد، يصفونها كمن ينظر إليها عبر منظار. وهناك كتاب يكتبونها من داخلها، كمن يعيشون في أحشائها. مينا مبارك من هذا النوع الثاني. روايته البديعة لا يمكن أن تكتب في غير القاهرة. ولا يمكن أن تقرأ في غيرها. حسنناً، ربما يمكن قراءتها في مكان آخر، لكنها ستفقد شيئاً من طعمها، كما يفقد الطعام الحار طعمه إذا أكلته وأنت مصاب بالزكام.
أما رواية “الواقعة الخاصة بأموات أهله” لمحمد عبد الجواد، فهناك طريقة واحدة صحيحة لقراءتها. وهذه الطريقة هي أن تقرأها في القاهرة. ليس في الفندق، أو المقهى ، بل في مكان ما وسط الضوضاء، وسط الباعة والشحاتين وأصوات الكلاكسات، حيث يمكنك أن تخلط بين صفحات الرواية وبين ما يحدث خارجها. لأن الرواية نفسها، كما يوحي عنوانها، تدور حول الموت، حول الأموات الذين يظلون حاضرين في حياة الأحياء.
وهذا، ربما، هو السر الأخطر للقاهرة. أنها مدينة لا تتخلص من موتاها. موتاها يملؤون الشوارع، يجلسون على الأرصفة، يركبون الميكروباصات، يتسولون، يبيعون الكتب. في القاهرة، يصبح الأموات جيراناً.
أغادر القاهرة بعد أيام. أمتلئ بالتعب والحنين والإرهاق الجميل. أمتلئ أيضاً بالوعود. أعد نفسي في القطار، في المرة القادمة سأكون منظماً. سأزور المتاحف، سأدخل الأهرامات، سأذهب إلى القلعة. أكتب القائمة مرة أخرى في الهاتف، وأنام وأنا أبتسم.
وأعلم، في قرارة نفسي، أنني لن أفعل شيئاً مما حلمت.




















