تأملات في محاكمة سقراط: هل القانون دائماً على حق؟

أحمد فاتح

د. أحمد فاتح محمد

بينما كنت جالسا في مقهى قديم أراقب المارة والكتب المتراكمة، تذكرت دفاع سقراط، ذلك المحاور الفريد الذي ينقل لنا فيه أفلاطون مشهداً ليس مجرد محاكمة تاريخية جرت في أثينا البعيدة قبل آلاف السنين، بل هو مأزق إنساني مستمر يتكرر كل يوم في زوايا عالمنا المضطرب. المحكمة هناك لم تكن تبحث عن الحقيقة، بل كانت تبحث عن حماية “السيستم” ذلك الكيان الهلامي الذي يخشى السؤال أكثر مما يخشى الهزيمة العسكرية. وفي كل مرة يمر فيها المرء أمام دور القضاء الفخمة بجدرانها الرخامية الباردة، لا يسعه إلا أن يتساءل: هل هذا الرخام صُمم ليحمي العدالة أم ليخنقها؟

محاكمة سقراط تضعنا أمام المعضلة الكبرى في تاريخ الفكر البشري: هل القانون دائماً على حق؟ حينما قررت المحكمة الأثينية الديمقراطية بالبند القانوني إعدام الفيلسوف بتهمة “إفساد عقول الشباب”، لم تكن ترتكب مخالفة قانونية، بل كانت تطبق القانون بحذافيره. هنا تكمن المفارقة المرعبة التي لم يتطرق إليها الكثيرون فالشر لم يأتِ من الفوضى، بل جاء من القانون المنظم. حينما تتحول النصوص القانونية إلى أداة تشرعن القمع، يفقد القانون روحه ويصبح مجرد سلاح بيد السلطة. إن القاضي الذي حكم على سقراط بالسم لم يكن بالضرورة سادياً، بل ربما كان مجرد موظف بيروقراطي يطبق نصوصاً صامتة بلا ضمير، تماماً كما وصفت الفيلسوفة حانا أرندت “تفاهة الشر” في العصر الحديث. الجانب الأكثر عمقاً وغرابة في هذه المأساة هو حوار سقراط مع صديقه كريتون في السجن. حينما جاءه كريتون بخطة كاملة لتهريبه من السجن والنجاة من الموت، رفض سقراط الهرب. لماذا؟ هل كان يعتقد أن حكم الإعدام عادل؟ بالتأكيد لا. وفي ذلك المشهد الحواري المذهل، يجسد سقراط القوانين كشخصيات تتحدث إليه معاتبة: “لقد احتضناك ورعيناك، فهل تهدمنا الآن؟” فيجيبها بالبقاء، ليس حباً بالموت، بل ليروي بدمه شجرة الحقيقة. لكن سقراط أراد بتجرعه السم أن يضع القوانين أمام مرآتها العارية. لقد اختار الانصياع للحكم الجائر لا خضوعاً له، بل لكي يثبت للعالم أن القوانين التي تقتل الفلسفة هي قوانين تنتحر أخلاقياً. بموته جعل سقراط أثينا تحمل ذنب القتل الأبدي، وحول جرعة السم إلى إدانة صارخة لكل قانون يجرد الإنسان من حريته في التفكير. لقد كان موته أعلى درجات العصيان المدني بالامتثال المطلق. إن هذه المحاكمة الأزلية تفتح الباب لتأمل قانوني وإنساني عميق حول حدود الطاعة. متى يصبح التمرد على القانون واجباً أخلاقياً؟ لقد أخبرنا المفكر القانوني الألماني غوستاف رادبروخ بعد ويلات الحرب العالمية الثانية بـ “صيغة رادبروخ” الشهيرة:

حينما يتجاوز القانون الجائر حداً لا يطاق من عدم العدالة، فإنه يفقد صفته كقانون ويجب ألا يطاع. إن رجل القانون البارد الذي يكتفي بالنصوص دون الالتفات إلى روح العدالة هو الشريك الصامت في كل جريمة تُرتكب باسم الدولة والشرعية الزائفة. إن الضمير الإنساني هو المحكمة العليا التي تسبق الدساتير وتتجاوزها. وبدون هذا الضمير تصبح القوانين مجرد حبال لشنق الأحرار وحماية اللصوص. الكاتب الأميركي ديفيد ثورو، في مقاله عن العصيان المدني، كتب بوضوح أن القوانين غير العادلة موجودة، وعلينا أن نقرر إن كنا سنطيعها، أم نسعى لتعديلها، أم ننتهكها فوراً. وسقراط اختار الطريق الأكثر وعورة اختار أن ينتهك صمت المجتمع بأسئلته وعندما حكم، واجه القانون بابتسامة المتهكم. لأن الفيلسوف يدرك أن الجسد يمكن سجنه بالقيود الحديدية، لكن الفكرة الحرة لا تعتقلها الزنازين أو السموم. إن الفكرة الحقيقية التي يجب ألا ننساها هي أن القوانين تُصنع لحماية الإنسان، فإذا ما تحولت إلى أقفاص تمنع العقل من الطيران، فإن كسر القفص لا يصبح جريمة، بل يصبح أولى خطوات استعادة الإنسانية. وعندما نغلق كتاب أفلاطون وننظر إلى واقعنا المعاصر، ندرك أن سقراط لم يمت في أثينا القديمة إنه ما زال يحاكم في كل محكمة تعاقب كاتباً على فكرة، وفي كل زنزانة تغلق على عقل حر، وفي كل قانون يصاغ بليل ليحمي الكبار ويسحق الصغار. إن العدالة ليست نصوصاً في مدونات قانونية، بل هي نبض حي في قلب الإنسان، ومتى ما توقف هذا النبض، أصبحت المحاكم مجرد مسارح تراجيدية تُعرض فيها مسرحية العدالة الزائفة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع