قصصنا وحكاياتنا.. الحكي لمقاومة الاغتراب

قراءة في المجموعة القصصية: جامع الأحلام الميتة للدكتور مصطفى الضبع

مصطفى الضبع

مرفت يس

للنص الأدبي طريقته الخاصة للعبور إلى القارئ بوصفه مشاركاً في عملية إنتاجه وفقاً لنظرية القارئ والاستجابة،  قد تكون عناوين النصوص عتبة للقراءة كما يراها ( جيرار جينت)،  وقد يكون ترتيبها داخل الكتاب طريقة مقصودة لفتح مغاليق النص، وقد يكون حضور المؤلف في النصوص مفتاحاً للقراءة.

 في المجموعة القصصية للناقد والكاتب والأكاديمي .(د مصطفى الضبع) المعنونة ب ” جامع الأحلام الميتة ” والصادرة عن دار (ميتا بوك للنشر) لا يمكننا أن نجزم بشكل قاطع أن الكاتب حاضر بشخصه وصفته في النص، ولا نستطيع أن ننفي ذلك أيضاً، ولحل هذه الإشكالية نتتبع آثر المؤلف الضمني المأخوذ بوصف الشخصيات المتنوعة، والحديث عن دواخلها وكشف تناقضاتها ما بين خيرة وشريرة، حقيقية وزائفة، داخل نصوص المجموعة  التي تعكس في مجملها موقف الذات الساردة من واقعها المعيش، بما يجعل ثيمة السخرية بارزة، تجيد الذات الساردة توظيفها بمهارة شديدة فنراه يسخر من الواقع  بحس فكاهي،  إنه نقد لاذع بقصد تعرية الواقع، وكشف زيفه، وربما محاولة  منه لإقناع نفسه بالتوائم معه. مما جعل نصوص المجموعة عبارة عن  حكايات لأنماط متعددة من الشخصيات تجمعهما وحدة موضوعية تكمن في كونها  حكايات  لشخوص متعددة، تحيط بالكاتب في كل حيز وتدفعه للكتابة عنها. 

ولهذا يمكن اعتبار النص الآخير المعنون ب “قصصنا وحكاياتنا ” مفتتحا لمتوالية من الحكايات التي سبقته، حكايات عاشت في القرية، قابلها الكاتب في الطريق وشاهدها في المؤتمرات العلمية للباحثين، أو تعامل معها من خلال كتبهم وأبحاثهم ، وهذا يجعل كل نص من نصوص المجموعة فصلاً مستقلاً بذاته من فصول متتالية .

 كان نص  “قصصنا وحكايتنا” مفتتحها، وتمهيداً لها بسرده عن تلك الحكايات، نقرا: “في النصف الأول من العمر نعيشها، وفي النصف الثاني نفقد القدرة على ذلك، نروح نستعيدها في صورة ذكريات، فإذا لم يتسع الوقت تركنا المخلصين لنا يحكونها، ويمددون أعمارنا على الأرض باستعادتها””

ثم تبدأ الذات الساردة بسرد تلك الحكايات- التي تشبه الكوميديا السوداء – ليصفها لنا بقوله  “هن يقفن في طابور طويل ممتد عبر عمر البشرية، كلما جاء الدور على واحدة تختار كاتب ليشكلها”

وطبقا لهذا المفتتح يكون كل نص فصلاً مستقلاً بذاته من تلك الحكايات التي يصطدم بشخوصها، متخذاً مسافة مناسبة من الشخصية التي يقدمها، ليتمكن من النظر إليها بعين راصدة للحدث والشخصيات في نفس الوقت، وينجح في التقاط كل جزئية من جزئياتها  الظاهرة والباطنة، يصف مواقفها الداخلية وهذا يجعله مأخوذاً بالشخصية، ووصفها أكثر من انشغاله بالحدث نفسه فيعمد كثيراً إلى الاختزال، والتكثيف الشديد، فتظهر ثيمات الحزن والاغتراب والسخرية والتناقض في وصفه لتلك الشخصيات.

الاغتراب بوصفه جرحا

  في قصة “الورقة العاشرة” نلاحظ أن ثيمة الاغتراب هي الثيمة الأساسية، فبطل القصة ينعزل في جزيرته التي صنعها لنفسه، وهى عبارة عن غرفة  متعددة الأغراض  بها مصلى ومكتبة وغرفة نوم ومجلس للضيوف. ويختفي بنهاية القصة بعد أن ترك ورقة تحمل عنوان النص نفسه وهو (الورقة العاشرة) داخل كتاب نيتشه، يقرأ الراوي في الورقة جزءا من تفاصيل حياة الرجل عن غربته وأحلامه الموؤدة التي لم يستطيع تحقيقها  سواء حلمه بالزواج أو حلمه بكتابة رواية.

وهنا لاتصبح العزلة مجرد مكان ، وإنما تتحول إلى حالة وجودية ، يصبح فيها الإنسان غريبا حتى عن أحلامه.

وفي قصة ” غربة ” يكشف العنوان منذ البداية عن تيمة الغربة التي تبدو قرينة للذات، تحاول التخلص منها طوال الوقت ، لكنها تظل تلاحقها أينما رحلت، فلاتجد خلاصها منها إلا بالكتابة

السخرية ..كشف العالم من الداخل

تبرز ثيمة السخرية بوضوح في نص” عقوفأة ” الذي يستمد سخريته من واقع حياة زوج تعس. بمهارة يدمج الكاتب بين  كلمتين ” عقوبة ” و”مكافأة ” ليصبح عنوان النص نفسه إعلانا   عن نزعة ساخرة،  تشير  إلى أن بداخل كل شيء نقيضه.

 فنحن نعيش وفق هذا التصور  في عالم من المتناقضات يختلط فيه الجزاء بالعقوبة، إذ يتحول تلميح الزوجة لزوجها بأن مكافأتها له، هي أنها وافقت على الزواج  منه بعد رفضها خمسة رجال من قبله إلى مفارقة ساخرة  عندئذٍ يدرك الزوج أنه عوقب بها، وأن تخلى  الرجال الخمسة السابقين عنها هو الذي ورطه في الزواج منها ،  فيتولد لديه شعور ساخر بأنه ينبغي   أن يطلب تعويضاً منهم عن ذلك التخلي .

وطبقا لسارتر  فالكاتب موجود دائما في دوامة النص. سواء أراد ذلك أم لم يرد. فهو لا يستطيع أن يكتب دون أن يشارك في العالم الذي يعيش فيه، ومن هنا تطل علينا   شخصية الباحث الأكاديمي والناقد على نحو واضح في عدد من نصوص المجموعة، بل نجدها عنوانا لأحدها ” ناقد ومنقود وبينهما أرسطو”   يبدو العنوان استهلالاً ساخراً ممن يدعون النقد، من خلال  حوار بين صديقين يلتقيان بعد فترة طويلة من الفراق، يشاهد أحدهما إطاراً بداخله ورقه من مجلة، فيسأل صديقه عنها ، فيريه إياها ويخبره أنها مقالة نقدية عنه، وعن  جيله من الشعراء ثم يسأله عن وجهة نظرة بعدما انتهى من قراءتها، فيجيبه بلهجة سخرية محملة بالغضب ” إن كان هذا نقداً فكلام النقاد من أيام أرسطو باطل”. 

وهنا لاتكتفي السخرية بالإضحاك، وإنما تكشف موقفا من ممارسة نقدية يرى النص أنها ابتعدت عن جوهر النقد.

تستمر ثيمة السخرية  من الواقع في قصة ” لحظة تنوير، ويمكن أن يختصر النص في جملتة الختامية ” حياة لا نعرف كيف نحياها ” تحكي القصة عن صديقين للبطل تعارفا في أحد المؤتمرات، وتطورت العلاقة بينهما عبر الفيسبوك والوتساب حتى انتهى بهما الأمر إلى الزواج، ثم بدأت لقاءاتهما تقل، فلا يلتقيان إلا كل عام أو عامين، لقاء واحد يتحملان من أجله عناء الهجر وبعد المسافات والعمل الدءوب وكأن الحياة التي من المفترض أن تجمعهما أصبحت هى نفسها عائقا أمام اجتماعهما. وتتجلى المفارقة هنا في أن الإنسان يبذل الكثير من الجهد من أجل لحظة حياة، بينما العمر في الوقت نفسه يمر دون أن يعرف كيف يعيش تلك اللحظة

الإنسان بين الحقيقة والزيف

 في قصة ” كشف” يظهر بوضوح الجمع بين المتناقضات كصفات أساسية داخل البشر على اختلاف شخصياتهم وعقولهم، ذوات تحمل  بداخلها  الليل بغموضه والنهار بوضوحه ،  الخير والشر، الحقيقة والزيف، الصدق والكذب،  الظاهر والخفي . يتجسد ذلك في بطل  القصة الذي  يروَي عنه: ” في الصبا كان الخير والشر، فلما تخرج وعمل في عدد من المؤسسات، رأى الثاني بكل معانيه، رآه في أستاذ الشريعة الذي ارتكب كل الموبقات، في العميد الكاذب ذي اليد المرتعشة وهو يكذب غير قادر على أن يسيطر على أطرافه، في الأستاذ الذي يصدر للآخرين مرئيات الفضيلة وهو يمارس سرقة الأبحاث ليل نهار”.

هنا تتحول الشخصية إلى وسيلة لكشف التناقض بين مايقوله الإنسان عن نفسه ومايمارسه بالفعل وبين الصورة التي يقدمها للمجتمع وحقيقته الداخلية.

تستمر هذه التناقضات أيضًا في قصة ” جينات ”  التي تحكي عن كاتب مشهور  يختلف كل كتاب له عن الآخر وتتعدد سيرته الذاتية بين طبيب وفنان وناقد وجغرافي دون أن يربط بين  أعماله رابط واحد، يتبوأ أعلى المناصب ويحصل على أرفع الجوائز، وتكشف الذات الساردة عن زيفه من خلال راوي القصة المتخصص في البحث عن السرقات الأدبية، وله خبره كبيرة في تحكيم الأبحاث، فتتجسد  الكتابات أمامه صارخة، مطالبة  بالعودة إلى أصحابها الحقيقيين. 

وهنا تتحول الكتابة نفسها إلى أداة لكشف مايحاول الواقع إخفاءه.

السخرية من ادعاء المعرفة 

 تظهر تيمة السخرية أيضاً في النقد اللاذع للواقع من خلال محاكاة فن  المقامات في نص ” المقامة المازنية ” يحكي النص عن الشيخ مازن العلامة الفهامة، وما أكثر من يدعون الفهم في مجتمعاتنا، فينخدع بهم الآخرون، ينتظر أهل القرية الشيخ مازن ليخبرهم ماذا يفعلون لتخليص رأس عجل محشورة في زير الماء الذي يتبركون به، يقترح  الشيخ قطع رأس العجل ، فيفعلون ذلك لكن يكتشفون أن الرأس سقطت في الزير ولم يستطيعوا إخراجها بذبح العجل، عندها يقترح بعنجهية شديدة وثقة كبيرة أن يكسروا الزير، يقول : “اكسروا الزير” ثم بعد وقوع الكارثة  يسألهم الشيخ الفهامة كيف كان سيعيشون بدون مشورته وكيف كانوا سيحلون مشاكلهم دون الآخذ  برأيه.

السخرية هنا لاتتوجه إلى شخصية بعينها فقط، وإنما تكشف آلية اجتماعية أوسع : ادعاء المعرفة، وثقة الآخرين فيمن يمتلك نبرة اليقين حتى وإن كان يضللهم.

يواصل الكاتب اللعب على مفارقة الآخلاق والواقع ، فى نص ” المقامة الزيتية ” الشيخ يخلط لتلميذه الزيت بالسمن حتى يتمكن من بيعه في السوق، بعد أن باع رفاقه سمنهم المغشوش. أما التلميذ فقد رفض غش سمنه بالزيت إيمانا بمبادئة، تطبيقا للمقولة ” من غشنا فليس منا “

وحين يلجأ إلى شيخه طلبا للمشورة، لايجد منه إلا نصيحة بأن يشتري الزيت ليغش السمن، إذ لن يتمكن من بيع بضاعته إلا بهذه الطريقة، فتباع البضاعة المغشوشة، بينما يكسد السمن غير المغشوش. وأما دهشة التلميذ من موقف شيخه يقول له ” يابني وقاك الله وإيانا سوء الحال وانقلاب المآل وظلم الدنيا وقهر الرجال، أعرف أن سمنك حلال وأصلك عال العال ولكن من أين آتيك في السوق بالمال الحلال”

وهنا تبلغ السخرية ذروتها؛ فالمشكلة لم تعد في معرفة الحلال والحرام، وإنما في واقع يجعل الالتزام بالمباديء سببا للخسارة بينما يصبح الغش طريقا إلى النجاح.

الكتابة..مقاومة للاغتراب

وهكذا يتضح أن الحكايات المتعددة التي تضمها المجموعة تؤطرها روح السخرية التي تقود في عمقها إلى رغبة شديدة في  الانعزال، والتأمل ثم الكتابة عن تلك الحكايات باستفاضة ، وعن غربة النفس البشرية.

إنها غربة قد تكون خارجية عن الوطن، وقد تكون داخلية عن المحيطين بالإنسان، وقد تكون في أعمق مستوياتها، غربة الإنسان عن أحلامه وعن الصورة التي كان يتخيل أن تكون عليها حياته.

وفي هذا السياق تبدو السخرية حيلة دفاعية للتعبير عن هذه الغربة، وتحويل الألم إلى حكاية، والواقع القاسي إلى مفارقة يمكننا تأملها والضحك منها

ومن هنا يبدو فعل الكتابة في المجموعة أكثر من مجرد فعل سردي؛ إنما هى محاولة لاستعادة ما فقد، والاحتفاظ بالحكايات التي يخشى الإنسان أن تموت بموت أصحابها.

 ولعل هذا ما يجعلنا نتوقف عند  الجملة الختامية في قصصنا و حكاياتنا: “الآن، على قارعة طريق يمتد بين محيط وخليج، أجلس متأملاً، أتسول وقتا للكتابة. لتظل الكتابة هي المنجية للذات ومقاومة لغربتها”.

ختاما الحكاية هى الشكل ، والسخرية هى أداتها، والكتابة عن الاغتراب هى وسيلة المقاومة.

فجامع الأحلام الميته لايجمع حكايات عن شخصيات متفرقة فحسب ، وإنما يجمع شظايا من حياة البشر وهم يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكانا في هذا العالم.

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع